
الفصل الثاني: الطفل الذي قلب الموازين — هبة! مين أبو الطفل؟ خرج السؤال من نادر كأنه طلقة. وتحوّل السبوع في ثانية واحدة من ليلة مليانة زغاريد وضحك إلى محكمة، كل فيها مستني يسمع الحكم. وقفت هبة عند باب القاعة. ظهرها للجميع. أغمضت عينيها للحظة، ثم استدارت ببطء. — السؤال ده مش ليا يا نادر.
-
حكايات اسما السيد4منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 3منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 1منذ ساعتين
-
حكاية نور 2منذ 3 ساعات
وأشار نظرها ناحية سمر.
— اسأله لأم ابنك.
شهقت سمر، وضمت الرضيع إلى صدرها بعنف.
— إنتِ اتجننتي؟!
اقترب نادر منها.
— سمر… هبة بتتكلم عن إيه؟
— وأنا أعرف منين؟! دي واحدة محروقة مني علشان خلفتلك وهي لأ!
ابتسمت هبة بمرارة.
— لسه؟
صرخت سمر:
— لسه إيه؟!
— لسه بتقولي إني ما بخلفش؟
وأخرجت التقرير من الظرف مرة أخرى.
رفعت الورقة أمام الجميع.
— أنا عملت كل التحاليل من أول وجديد في مركز متخصص… والنتيجة إني سليمة.
ثم نظرت إلى نادر.
— إنما التحليل اللي عملته إنت من سنين، واللي فضلت مخبيه عني… كان بيقول حاجة تانية.
تجمدت ملامحه.
هنا تدخلت أمه بسرعة:
— تحليل إيه اللي مخبيه؟!
نظرت هبة إليها.
— اسألي ابنك.
التفتت الأم إلى نادر.
— رد يا نادر!
لم يرد.
وكان صمته كافيًا.
ضربت الحاجة صفية عصاها في الأرض.
— اتكلم يا ولد!
رفع نادر رأسه أخيرًا.
وقال بصوت خافت:
— الدكتور قال إن عندي مشكلة.
وضعت أمه يدها على فمها.
أما هبة فضحكت.
لكن ضحكتها خرجت موجوعة.
— مشكلة؟
اقتربت منه.
— قول الحقيقة كاملة.
— هبة، مش قدام الناس.
— وأنا لما اتقال عليا عاقر قدام الناس كنت راجل وكنت ساكت!
ارتفع صوتها لأول مرة.
— لما أمك كانت بتقول في كل قعدة إنك ضيعت شبابك مع واحدة ما بتخلفش… سكت!
أشارت إلى أقاربه.
— لما كل واحدة فيهم كانت تبصلي بشفقة وتسألني “لسه مفيش؟”… سكت!
ثم وضعت يدها على صدرها.
— لما كنت برجع من عند الدكاترة وأعيط في الحمام لوحدي وأقول يمكن أنا السبب إن الراجل اللي بحبه مش هيبقى أب… كنت عارف الحقيقة وسكت!
خفض نادر عينيه.
قالت أمه بصدمة:
— يعني إنت كنت عارف؟
همس:
— كنت خايف.
صرخت هبة:
— وأنا؟!
سكت الجميع.
حتى الرضيع بدأ يبكي.
نظرت هبة إليه.
وهدأ صوتها فجأة.
— وأنا ما كنتش بخاف؟
تراجعت خطوة.
— بس الفرق إني كنت فاكرة إننا اتنين في نفس المركب.
ثم مسحت دموعها بسرعة.
— طلعت أنا لوحدي.
تحرك نادر نحوها.
— هبة، أنا غلطت.
رفعت يدها.
— ما تقربش.
توقف.
— كنت مكسوف أقولك.
— فكسرتني بدل ما تقول إنك موجوع؟
— ما كانش قصدي.
— وبعد كده اتجوزت عليا ليه؟
لم يجد جوابًا.
لكن أمه وجدته بدلًا منه.
قالت بعناد:
— علشان نفسه في عيل! وده حقه.
التفتت هبة إليها.
كانت على وشك الرد…
لكن صوتًا آخر سبقها.
صوت الحاجة صفية.
— اسكتي يا وداد.
— يا ماما…
— قولت اسكتي!
ثم نظرت إلى حفيدها.
— يعني إنت عارف إن عندك مشكلة، وروحت اتجوزت واحدة تانية، ولما حملت ما خطرش في بالك تعمل تحليل؟
تغير وجه سمر.
وقالت بسرعة:
— تحليل إيه؟! أنا مراته وحملت منه، إيه الغريب؟
نظر نادر إليها.
ولأول مرة ظهر الشك الحقيقي في عينيه.
— سمر…
— نعم؟
— لما قلتيلي إنك حامل…
تراجعت.
— مالها؟
— كنتِ حامل في كام أسبوع؟
ارتبكت.
— يعني إيه؟
— جاوبي.
— مش فاكرة.
— إزاي مش فاكرة؟
ارتفع صوتها:
— علشان كنت فرحانة! هو تحقيق؟!
بدأت الهمسات تدور في القاعة.
وهبة لم تقل شيئًا.
كانت تعرف أن الحقيقة إذا بدأت تتحرك وحدها، فمن الأفضل ألا تعترض طريقها.
اقترب نادر من سمر.
— أنا عايز تحليل DNA.
صرخت أمه:
— نادر!
لكنه لم ينظر إليها.
كان ينظر إلى الطفل.
— تحليل نسب.
تحول وجه سمر إلى اللون الأبيض.
— إنت بتشك فيا؟
— أنا عايز أطمن.
— بعد ما عملت سبوع لابنك قدام الناس جاي تشك فيا؟!
— لو ابني، التحليل هيثبت.
صرخت:
— مش هعمله!
وهنا…
ساد الصمت.
قال نادر ببطء:
— ليه؟
— علشان دي إهانة!
— ولا علشان خايفة؟
صفعته.
حدث كل شيء بسرعة.
وضعت سمر يدها على فمها بعد الصفعة وكأنها نفسها لم تصدق ما فعلته.
أما نادر فلم يتحرك.
فقط نظر إليها.
ثم قال:
— التحليل هيتعمل.
انفجرت سمر بالبكاء.
— أنا ماشية!
أمسكت حقيبتها وحاولت المرور.
لكن الحاجة صفية قالت:
— والواد يفضل.
استدارت سمر كالمجنونة.
— ابني مش هسيبه لحد!
— محدش قال خديه منك… بس طول ما بتقولي إنه ابن نادر، يبقى نادر من حقه يعرف.
صرخت:
— كلكم ضدي!
ثم نظرت إلى هبة.
وتحول بكاؤها إلى غضب.
— إنتِ السبب!
هبة لم تتحرك.
اقتربت منها سمر.
— كنتِ مستنية اليوم ده، صح؟ كنتِ مستنية تبوظي فرحتي!
قالت هبة بهدوء:
— لا.
— كدابة!
— أنا كنت مستنية أخرج من البيت ده بس.
سكتت سمر.
أكملت هبة:
— وجودك أو عدمه ما بقاش يفرق معايا.
ثم نظرت إلى نادر.
— ولا وجوده.
وكانت تلك الجملة أقسى عليه من كل ما سبق.
بعد ساعة…
كان البيت شبه فارغ.
الأقارب غادروا واحدًا وراء الآخر، وبعضهم خرج وهو لا يكاد يستطيع الانتظار حتى يمسك هاتفه ويحكي ما حدث.
الزينة ما زالت معلقة.
البالونات الزرقاء تتحرك مع الهواء.
وعلى الحائط عبارة:
“نورت الدنيا يا حبيب بابا.”
وقف نادر أمامها طويلًا.
ثم مد يده ونزعها.
جلس على الكرسي.
لأول مرة منذ ولادة الطفل، لم يشعر بأنه أب.
كان يشعر فقط بالخوف.
دخلت أمه.
— هتسيب هبة تمشي؟
لم ينظر إليها.
— هي اللي عايزة تمشي.
— طلقها.
رفع رأسه بسرعة.
— إيه؟
جلست أمامه.
— ما هي فضحتك قدام العيلة كلها.
ضحك نادر بسخرية.
— فضحتني؟
— أيوه.
— وأنا لما سيبتكم تفضحوها سبع سنين؟
سكتت.
قال:
— لما كنتِ بتقولي عليها عاقر وأنا عارف إن المشكلة عندي… مين اللي كان بيفضح مين؟
— أنا كنت عايزة مصلحتك.
— لأ.
وقف.
— إنتِ كنتِ عايزة حفيد.
ثم أشار إلى المكان الذي كانت سمر تجلس فيه.
— أهو جه.
وسكت لحظة.
— ويمكن ما يكونش حفيدك أصلًا.
وضعت الأم يدها على صدرها.
— ما تقولش كده.
— الحقيقة مش هتتغير علشان إحنا خايفين منها.
ثم صعد الدرج.
كان يعرف أين سيجد هبة.
دخل غرفتهما.
فوجد حقيبتين فوق السرير.
وهبة تطوي آخر قطعة من ملابسها.
وقف عند الباب.
— إنتِ فعلًا ماشية؟
لم تنظر إليه.
— أيوه.
— النهارده؟
— كنت ناوية أمشي بعد السبوع.
ضحك بمرارة.
— يعني كل حاجة كانت مترتبة؟
— من شهرين.
— والحاجة صفية؟
— هي اللي عرضت تبيعلي نصيبها.
— والمحامي؟
— مخلص كل حاجة.
اقترب.
— وأنا؟
توقفت يدها.
ثم التفتت إليه.
— إنت إيه؟
— كنتِ ناوية تقوليلي إمتى؟
— بعد ما ضيوفك يمشوا.
— ليه حضرتي السبوع أصلًا؟
سؤال واحد.
لكنه هدم شيئًا داخلها.
جلست على طرف السرير.
وظلت صامتة لحظات.
ثم قالت:
— علشان كنت عايزة أشوف.
— تشوفي إيه؟
ابتلعت غصتها.
— أشوف اليوم اللي كنت فاكرة إني هعيشه معاك.
لم يفهم.
فقالت:
— سبع سنين وأنا بتخيل اليوم اللي البيت ده يتملي فيه بالبلالين والزغاريد علشان ابننا.
لمعت عيناها.
— كنت متخيلة شكلك وإنت شايله… ومتخيلة أمك وهي بتزغرط… ومتخيلة حتى اسمه.
جلس نادر أمامها.
— هبة…
— فلما اليوم جه…
ابتسمت من وسط دموعها.
— حبيت أحضره.
ثم أضافت:
— حتى لو الطفل مش ابني.
خفض رأسه.
— أنا آسف.
ضحكت.
— متأخر.
— أصلح.
— بعض الحاجات ما بتتصلحش.
— هبة…
— إنت ما اتجوزتش عليا بس يا نادر.
نظرت في عينيه.
— إنت خليتني أكره جسمي.
صمت.
— كل مرة كنت ببص لنفسي في المراية كنت بحس إني ناقصة… وإنت كنت عارف إني مش ناقصة.
بكى.
ولأول مرة رأته يبكي منذ وفاة أبيه.
— كنت جبان.
هزت رأسها.
— فعلًا.
— بس كنت بحبك.
— الحب اللي يخلي صاحبه يضحي بيك علشان يحمي نفسه… مش الحب اللي أنا عايزاه.
أغلقت حقيبتها.
وحملتها.
أمسك يدها.
— ما تمشيش.
نظرت إلى يده.
— سيبني.
— هبة، اديني فرصة.
— نادر…
— فرصة واحدة.
سحبت يدها.
— الفرصة الوحيدة اللي مستنياها دلوقتي… فرصة أعيش لنفسي.
وتركت الغرفة.
مرّت ثلاثة أيام.
وهبة لم تعد إلى البيت.
أما نادر فأصر على التحليل.
وفي صباح اليوم الرابع، جلس في معمل خاص.
بجواره سمر.
والطفل في حضنها.
لم يتحدث أي منهما.
بعد انتهاء الإجراءات، خرجوا.
قالت سمر:
— لما النتيجة تطلع وتعرف إنك ظلمتني… عمرك ما هتشوفني تاني.
نظر إليها نادر.
— لو النتيجة قالت إنه ابني، هعتذرلك قدام نفس الناس اللي شكيت فيكي قدامهم.
— ولو مش ابنك؟
لم يرد.
لكنها ارتجفت.
بعد خمسة أيام…
كان نادر في مكتبه حين رن هاتفه.
— ألو؟
— الأستاذ نادر؟
— أيوه.
— نتيجة الفحص ظهرت، وتقدر حضرتك تستلمها.
شعر بقلبه يتوقف.
بعد أقل من ساعة كان أمام الموظف.
استلم الظرف.
جلس داخل سيارته.
ظل ممسكًا به دقائق.
ثم فتحه.
قرأ.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
ولم يستوعب.
أسند رأسه إلى المقعد.
وأغمض عينيه.
ثم خرجت منه ضحكة قصيرة مخيفة.
الطفل…
ليس ابنه.
في الوقت نفسه…
كانت هبة جالسة أمام طبيبتها.
وهي تظن أن الموعد مجرد متابعة عادية بعد التحاليل.
لكن الطبيبة كانت تبتسم.
قالت هبة باستغراب:
— حضرتك بتبتسمي ليه؟
دفعت الطبيبة نتيجة تحليل أمامها.
— لأن عندي خبر أعتقد إنه هيغير خططك شوية.
نظرت هبة إلى الورقة.
لم تفهم في البداية.
ثم اتسعت عيناها.
— ده… إيه؟
ابتسمت الطبيبة.
— تحليل حمل.
شهقت هبة.
— حمل؟!
— مبروك.
تراجعت هبة في الكرسي.
— مستحيل.
— مفيش حاجة مستحيلة.
وضعت هبة يدها على بطنها.
— بس أنا ونادر…
وسكتت.
بدأ عقلها يحسب الأيام.
آخر مرة اقترب منها فيها نادر كانت قبل زواجه من سمر بفترة قصيرة.
رفعت رأسها للطبيبة.
— أنا حامل في قد إيه؟
نظرت الطبيبة إلى الملف.
وقالت الرقم.
تجمد الدم في عروق هبة.
الحساب صحيح.
الطفل…
طفل نادر.
ضحكت هبة من الصدمة.
ثم بكت.
وضعت كفيها على وجهها.
الرجل الذي تزوج عليها لأنه يريد طفلًا…
كانت تحمل طفله في أحشائها طوال الوقت الذي كان يحتفل فيه بطفل رجل آخر.
وفجأة رن هاتفها.
ظهر اسم نادر.
رفضت المكالمة.
رن مرة أخرى.
رفضتها.
ثم وصلتها رسالة.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“الولد مش ابني… وعايز أشوفك ضروري.”
ظلت هبة تنظر إلى الشاشة.
ثم إلى نتيجة الحمل.
وضعت يدها فوق بطنها.
وهمست:
— يا ترى لما يعرف إن ابنه الحقيقي هنا… هيعمل إيه؟
لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الأكبر لم تكن حملها.
بل هوية الرجل الذي أثبتت الأيام أنه والد طفل سمر الحقيقي.
والاسم الذي سيظهر…
سيهدم العائلة كلها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






