
الفصل الثالث: أبو الطفل الحقيقي ظل نادر جالسًا داخل سيارته أمام المعمل، والورقة بين أصابعه ترتعش رغمًا عنه. احتمالية الأبوة: مستبعدة. كلمتان فقط كانتا كفيلتين بأن تمسحا شهورًا كاملة من حياته. غرفة الطفل التي جهزها بيده. الملابس الصغيرة التي اشتراها. الاسم الذي اختاره. الليلة التي حمل فيها الرضيع لأول مرة وبكى كطفل وهو يهمس:
-
حكايات اسما السيد4منذ 48 دقيقة
-
حكايات اسما السيد 2منذ 52 دقيقة
-
حكايات اسما السيد 1منذ 53 دقيقة
-
حكاية نور 2منذ 3 ساعات
— أخيرًا بقيت أب.
كل هذا…
كان كذبة.
أمسك هاتفه واتصل بسمر.
لم ترد.
اتصل مرة ثانية.
مغلق.
رفع رأسه فجأة.
سمر تعرف.
كان متأكدًا الآن أنها تعرف.
أدار السيارة بعنف وانطلق ناحية البيت.
وصل فوجد أمه واقفة أمام الباب، وجهها شاحب.
— نادر!
تجاوزها.
— سمر فين؟
ترددت.
فتوقف.
— سألتك سمر فين؟
— مشيت.
تجمد.
— مشيت فين؟
— أخدت هدومها والواد ومشيت.
ضحك نادر ضحكة خالية من أي مرح.
— إمتى؟
— من ساعة تقريبًا.
رفع التقرير أمام أمه.
— عارفة النتيجة؟
نظرت إلى الورقة ثم إليه.
— إيه؟
قالها ببطء:
— مش ابني.
جلست وداد على أقرب كرسي.
— يا نهار أسود…
— الولد اللي عملتيله سبوع ودبحتي عشانه ولفيتي بيه على العيلة كلها… مش حفيدك.
— نادر…
— والست اللي طردتيها من رحمتك علشان ما خلفتش…
اختنق صوته.
— طلعت مظلومة.
بكت أمه.
— أنا كنت أعرف منين؟
نظر إليها.
— وأنا كنت عارف.
سكتت.
— ودي مصيبتي الأكبر.
تركها وصعد.
فتح غرفة الطفل.
كانت الخزانة شبه فارغة.
ملابس سمر اختفت.
حقيبة الطفل اختفت.
لكن فوق السرير كانت هناك زجاجة رضاعة صغيرة.
أمسكها.
ثم جلس.
لأول مرة لم يكن غضبه من سمر هو الشيء الذي يقتله.
كان يفكر في هبة.
في كل مرة بكت أمامه.
في كل مرة أخبرها:
— ربنا كريم.
وهو يعرف أن الأطباء قالوا إن المشكلة عنده.
كان خائفًا من اعترافه بعجزه عن الإنجاب.
فتركها هي تحمل العار مكانه.
ثم تزوج عليها.
أخرج هاتفه واتصل بها.
لم ترد.
كتب:
“هبة، لازم أشوفك.”
ظل ينتظر.
لا رد.
كتب:
“مش علشان نرجع. أنا عارف إني ما استحقش أطلب ده. بس لازم أعتذرلك وش لوش.”
قرأ الرسالة عدة مرات.
ثم أرسلها.
كانت هبة في بيت خالتها حين وصلتها الرسالة.
قرأت أول سطر.
ثم أغلقت الهاتف.
قالت خالتها:
— نادر؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— عرف؟
وضعت هبة يدها على بطنها بسرعة.
— لأ.
— هتقوليله إمتى؟
سكتت.
— مش عارفة.
اقتربت منها خالتها.
— مهما حصل بينكم، الطفل ابنه.
— عارفة.
— يبقى لازم يعرف.
رفعت هبة عينيها.
— وأنا خايفة أول ما يعرف يفتكر إن الحمل ده هيمسح اللي عمله.
— وإنتِ هتسمحي بكده؟
— لأ.
قالتها بلا تردد.
ثم أضافت:
— ابني مش هيبقى حبل يرجعني لراجل كسرني.
في المساء…
وافقت على مقابلته.
اختارت مكانًا عامًا هادئًا.
وصل نادر قبلها بنصف ساعة.
وعندما دخلت…
وقف.
لم يعرف لماذا شعر أنها مختلفة.
ربما لأنها لم تعد المرأة التي كانت تنتظر رضاه.
جلست أمامه.
— عندك عشر دقايق.
ابتلع ريقه.
— التحليل طلع.
— عارفة.
رفع عينيه.
— عارفة منين؟
— إنت كتبتلي.
هز رأسه.
— صح.
سكت لحظة.
ثم قال:
— مش ابني.
لم تظهر على وجهها شماتة.
وهذا آلمه أكثر.
قالت فقط:
— الطفل مالوش ذنب.
— عارف.
— مهما كنت غضبان، ما تأذيش سمر ولا الطفل.
نظر إليها باستغراب.
— بعد كل اللي عملته فيكي بتدافعي عنها؟
— أنا مش بدافع عنها.
ثم قالت:
— أنا بدافع عن طفل لسه عمره أيام، مالوش علاقة بقرف الكبار.
خفض رأسه.
— أنا مش عارف أقولك إيه.
— ما تقولش.
— لازم أقول.
رفع عينيه إليها.
— أنا ظلمتك.
ظلت صامتة.
— وكنت جبان.
— عارفة.
— وخليتك تدفعي تمن حاجة إنتِ مالكيش ذنب فيها.
— عارفة.
اختنق صوته.
— وهفضل ندمان طول عمري.
قالت بهدوء:
— ده شيء بينك وبين نفسك.
— هبة…
— إيه؟
— لو الزمن رجع…
قاطعته:
— مش هيرجع.
صمت.
ثم قال:
— أنا هطلق سمر.
— دي حياتك.
— وإنتِ؟
— أنا إيه؟
— مصممة على الطلاق؟
نظرت إليه طويلًا.
— أيوه.
كأن شيئًا انكسر في صدره.
لكن هذه المرة لم يجادل.
— حقك.
لأول مرة…
قالها.
حقك.
شعرت هبة بشيء من الراحة.
وضعت يدها فوق حقيبتها.
كان بداخلها تقرير الحمل.
جاءت وهي مصممة أن تخبره.
لكنها ترددت.
قال نادر:
— في حاجة تانية؟
نظرت إليه.
— فيه.
اعتدل.
فتحت حقيبتها.
أمسكت التقرير.
وقبل أن تخرجه…
رن هاتف نادر.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
أغلقه.
عاد يرن.
قالت هبة:
— رد.
— مش مهم.
— يمكن مهم.
رد بضيق:
— ألو؟
جاء صوت رجل.
لم تسمع هبة كلماته.
لكنها رأت وجه نادر يتغير.
— إنت مين؟
صمت.
ثم وقف فجأة.
— بتقول إيه؟!
التفت الناس إليهما.
قال نادر:
— لو إنت راجل، قول الكلام ده في وشي.
أغلق الهاتف.
قالت هبة:
— مين؟
ظل واقفًا.
— واحد بيقول إنه أبو ابن سمر.
تجمدت يدها فوق التقرير.
— مين؟
نظر إليها.
— رفض يقول اسمه.
ثم أمسك مفاتيحه.
— بس قال إنه مستنيني.
— فين؟
قال اسم مقهى قريب.
وقفت هبة.
— نادر، استنى.
— لازم أعرف.
— ممكن يكون فخ.
— ما بقاش عندي حاجة أخاف عليها.
نظرت إليه بحدة.
— ما تقولش كلام فارغ.
توقف.
ولثانية…
عادت هبة القديمة.
المرأة التي تخاف عليه.
ثم تذكرت نفسها.
تراجعت.
— روح… بس خليك عاقل.
نظر إليها.
— كنتِ هتقوليلي إيه؟
أغلقت حقيبتها.
— بعدين.
وغادر.
بعد أقل من نصف ساعة…
دخل نادر المقهى.
بحث بعينيه.
ثم تجمد.
في آخر المكان…
كان هناك رجل يعرفه جيدًا.
يعرفه منذ الطفولة.
يعرف ضحكته.
يعرف صوته.
بل يعرف أسراره كلها تقريبًا.
وقف الرجل.
وقال:
— اقعد يا نادر.
لم يتحرك.
— رامي؟
رامي.
ابن خالته.
وصديقه الأقرب.
والرجل الذي كان واقفًا بجواره ليلة زواجه من سمر.
اقترب نادر.
— إنت اللي كلمتني؟
— أيوه.
— وإنت…
لم يستطع إكمال الجملة.
خفض رامي رأسه.
كانت الإجابة واضحة.
أمسك نادر ياقة قميصه.
— إنت أبو الولد؟!
قال رامي:
— اسمعني.
دفعه نادر للخلف.
— من إمتى؟!
— نادر…
— من إمتى يا رامي؟!
نظر رامي حوله.
— قبل جوازك منها.
تجمد نادر.
— إيه؟
— أنا وسمر كنا نعرف بعض.
— تعرفوا بعض إزاي؟
— كنا مرتبطين.
ضحك نادر من الصدمة.
— مرتبطين؟
— أيوه.
— وأنا؟
— لما حصلت مشاكل بينا، سيبنا بعض.
— وبعدين اتجوزتني؟
— أيوه.
— وهي حامل منك؟
سكت رامي.
اقترب نادر حتى أصبح وجهه أمام وجهه.
— كانت حامل منك قبل ما تتجوزني؟
قال رامي:
— أنا ما كنتش أعرف.
لكنه لم ينكر.
ضرب نادر كفه على الطاولة.
— يعني أنا اتجوزتها وهي حامل!
— على الأغلب هي نفسها ما كانتش متأكدة في الأول.
— وبعدين؟
— لما عرفت، كانت خلاص مراتك.
— فقررتوا تلبسوني الطفل؟!
— لأ!
— أمال إيه؟!
قال رامي:
— أنا عرفت بعد الولادة.
سكت نادر.
— إزاي؟
تردد رامي.
ثم أخرج هاتفه.
فتح محادثة.
ووضعه أمام نادر.
رسالة من سمر بعد الولادة بيومين:
“الولد شبهك بطريقة مرعباني.”
وتحتها صورة للطفل.
قرأ نادر.
ثم رفع عينيه.
— وإنت سكت؟
— كنت خايف أخرب بيتك.
ضحك نادر.
— بيتي؟
ثم اقترب منه.
— إنتوا الاتنين خربتوه قبل ما تدخلوه.
عاد نادر إلى البيت بعد منتصف الليل.
كانت أمه مستيقظة.
— عرفت مين؟
خلع سترته.
لم يرد.
— نادر؟
قال وهو يصعد الدرج:
— رامي.
شهقت.
— رامي ابن خالتك؟!
توقف.
نظر إليها.
وكان وجهها قد فقد لونه.
لاحظ ذلك.
— مالك؟
— مفيش.
اقترب منها.
— إنتِ تعرفي حاجة؟
— لأ.
— ماما.
— قلتلك لأ.
كانت عيناها تهربان منه.
وفجأة…
فهم أن هناك طبقة أخرى من الكذبة.
قال ببطء:
— إنتِ كنتِ تعرفي إن سمر ورامي كانوا يعرفوا بعض؟
لم تجب.
— ردي!
جلست.
وضعت يدها على رأسها.
— كنت أعرف إنهم كانوا مخطوبين عرفي بين العيلتين فترة قصيرة.
شعر نادر بأن الأرض تميد تحته.
— وإنتِ رشحتيهالي للجواز؟
بكت.
— كنت فاكرة الموضوع انتهى!
— انتهى؟!
— هي قالتلي إنها نسيته.
صرخ:
— وأنا كنت إيه؟ البديل؟!
— كنت عايزاك تخلف!
— فجبتيلي واحدة كان بينها وبين ابن خالتك علاقة وما قولتيليش؟!
بكت أمه.
— غلطت.
ضحك.
— كلكم غلطتوا.
ثم قال بمرارة:
— والغريبة إن الست الوحيدة اللي ما غلطتش… هي اللي دفعناها تمن غلطنا كلنا.
في صباح اليوم التالي…
استيقظت هبة على طرق الباب.
فتحت خالتها.
وبعد دقائق دخلت إليها.
— هبة.
— نعم؟
— فيه واحدة عايزاكي.
— مين؟
ترددت خالتها.
— سمر.
وقفت هبة.
— هنا؟!
خرجت إلى الصالة.
وجدت سمر جالسة.
وجهها بلا مكياج.
عيناها متورمتان.
والطفل بين ذراعيها.
قالت هبة ببرود:
— عايزة إيه؟
وقفت سمر.
— خمس دقايق.
— معنديش كلام معاكي.
— أنا عندي.
— مش مهتمة.
ثم همّت بالعودة.
لكن سمر قالت:
— نادر عرف مين أبو ابني.
توقفت هبة.
— وده يخصني في إيه؟
— لأنه هيطلقني.
التفتت هبة إليها.
— وعايزاني أعمل إيه؟
فجأة قالت سمر:
— ما ترجعيش له.
اتسعت عينا هبة.
— نعم؟
اقتربت سمر.
— أنا عارفة إنك حامل.
تجمد جسد هبة.
وضعت يدها تلقائيًا على بطنها.
— إنتِ عرفتي منين؟
ابتسمت سمر وسط دموعها.
— شوفتك خارجة من مركز النساء.
شحب وجه هبة.
قالت سمر:
— وهو لسه ما يعرفش، صح؟
لم تجب.
اقتربت أكثر.
— لو عرف إنك حامل منه، هيجري وراكي.
قالت هبة:
— دي مش مشكلتك.
— هتبقى مشكلتي.
— إنتِ ونادر خلاص بينكم اللي بينكم.
صرخت سمر:
— أنا بحبه!
ضحكت هبة بذهول.
— بتحبيه؟
— أيوه.
— وخنتيه؟
— أنا غلطت قبل الجواز!
— وكملتي الكذبة بعده.
سكتت.
قالت هبة:
— الفرق بيني وبينك إنك فاكرة إن المنافسة بيني وبينك على راجل.
اقتربت منها.
— وأنا خرجت من المنافسة دي من زمان.
— يعني مش هترجعي له؟
— ده قراري.
تنفست سمر.
لكن هبة أكملت:
— بس نادر هيعرف إن عنده طفل.
اختفى اللون من وجه سمر.
— ليه؟
— لأنه أبوه.
— وبعدها هيرجعك.
— دي مشكلته.
أمسكت سمر ذراعها.
— ما تقوليلوش!
سحبت هبة يدها بعنف.
— إوعي تلمسيني.
بدأ الطفل يبكي.
نظرت هبة إليه.
ثم قالت بهدوء:
— اهتمي بابنك يا سمر. هو أكتر واحد محتاجك دلوقتي.
استدارت سمر ناحية الباب.
وقبل أن تخرج قالت:
— لو قولتيله… كل حاجة هتتغير.
أجابتها هبة:
— كل حاجة اتغيرت أصلًا.
وخرجت.
بعد ساعة…
اتصلت هبة بنادر.
رد من أول رنة.
— هبة؟
— محتاجة أشوفك.
تغير صوته.
— حصل حاجة؟
— أيوه.
— إنتِ كويسة؟
— أنا كويسة.
سكتت لحظة.
— بس فيه حاجة من حقك تعرفها.
التقيا في حديقة هادئة.
جاء نادر مسرعًا.
— خوفتيني.
كانت هبة واقفة أمامه.
مدت إليه الظرف.
نظر إليه.
— إيه ده؟
— افتحه.
فتح.
قرأ.
رفع عينيه إليها.
ثم عاد إلى الورقة.
— هبة…
لم تجب.
— إنتِ حامل؟
هزت رأسها.
تراجع خطوة.
وضع يده على فمه.
— حامل؟
— أيوه.
— مني؟
نظرت إليه بغضب.
أغلق عينيه.
— آسف… آسف، السؤال غبي.
جلس على المقعد.
ظل يحدق في التقرير.
ثم بدأ يبكي.
لم يكن بكاءً صاخبًا.
كانت دموع رجل أدرك فجأة حجم السخرية التي صنعتها الحياة منه.
قال:
— أنا كنت بدور على ابني في بيت تاني…
ثم رفع عينيه إليها.
— وهو كان عندك.
وضعت يدها على بطنها.
— عندي.
وقف.
اقترب خطوة.
ثم توقف قبل أن يلمسها.
— ينفع؟
فهمت قصده.
نظرت إلى يده.
ثم إلى وجهه.
وبعد تردد…
سمحت له.
وضع كفه برفق فوق بطنها.
ارتجفت أصابعه.
ابتسم وسط دموعه.
— ابني…
قالت هبة فورًا:
— ما تفهمش غلط يا نادر.
رفع عينيه.
— الحمل ما غيرش قراري.
اختفت ابتسامته.
— هبة…
— إنت هتبقى أب لطفلك. وعمري ما هحرمك منه لو كنت أب كويس.
سكتت.
— لكن ده مش معناه إني هرجع زوجتك.
تراجع.
كأنها انتزعته من حلم لم يستمر سوى ثوانٍ.
— حتى بعد كل اللي عرفناه؟
— اللي عرفناه أثبت إني كنت مظلومة.
قالت بهدوء:
— ما أثبتش إنك بقيت الرجل اللي أقدر أثق فيه تاني.
خفض رأسه.
ولم يجد ردًا.
وقبل أن تغادر، قال:
— هبة.
التفتت.
— أنا مش هضغط عليكي.
نظرت إليه بصمت.
قال:
— بس هفضل أصلح اللي بوظته… حتى لو في الآخر ما رجعتيليش.
لأول مرة منذ زمن…
لم ترَ في عينيه الرجل الذي يريد امتلاكها.
رأت رجلًا بدأ يفهم معنى أن يتحمل نتيجة أفعاله.
لكن الطريق بينهما كان طويلًا.
وطويلًا جدًا.
خصوصًا أن نادر لم يكن يعرف بعد أن قرارًا واحدًا سيتخذه في اليوم التالي…
سيجعل هبة تنظر إليه بطريقة مختلفة تمامًا.
لأن الطفل الذي اكتشف أنه ليس ابنه…
كان على وشك أن يفقد كل من ينتمي إليهم.
وسيكون نادر نفسه هو الشخص الوحيد القادر على إنقاذه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






