
هعيش في البيتين
الجزء الأول
جوزي رجع البيت وقال لي بكل هدوء:
— أنا وقعت في حب ست تانية… بس أنا لسه بحبك إنتِ كمان، علشان كده مش هسيبك. أنا هعيش في البيتين.
افتكرته بيهزر…
والله افتكرته بيهزر.
لحد ما شوفته بيفتح الدولاب، ويطلع شنطة السفر الصغيرة، ويبدأ يحط فيها هدومه.
ساعتها بس فهمت إن الراجل اللي عشت معاه تمن سنين، وأكلت معاه عيش وملح، وخلفت منه ابني الوحيد… واقف قدامي بمنتهى الجدية وبيطلب مني أقبل إني أبقى “نص زوجة”.
أنا وجوزي شريف متجوزين بقالنا تمن سنين.
وعندنا ابن جميل اسمه ياسين، عنده خمس سنين.
لو حد كان سألني قبل الليلة دي بساعات عن جوازي، كنت هقوله من غير تردد:
— الحمد لله… إحنا مبسوطين.
ماكنتش هقول إن حياتنا مثالية، لأن مفيش بيت من غير مشاكل.
كنا بنتخانق.
نزعل من بعض.
أنا أتعصب منه وهو يتعصب مني.
وبعدين واحد فينا يراضي التاني، والحياة تمشي.
لكن عمر ما جه في بالي إن فيه مشكلة بالحجم ده مستخبية جوه بيتي.
شريف كان أب حنين جدًا.
ياسين متعلق بيه بطريقة كبيرة.
كل يوم تقريبًا، أول ما يسمع صوت مفتاحه في الباب، يجري عليه وهو بيصرخ:
— بابا جه!
وشريف يشيله ويلف بيه في الصالة ويضحكوا سوا.
حتى أنا…
رغم ضغط الحياة والشغل ومسؤولية البيت، كنت لسه بحبه.
يمكن الحب بعد تمن سنين ما بقاش بنفس شكل أول سنة.
بس كان فيه عشرة.
أمان.
ذكريات.
بيت بنيناه سوا.
وابن كان بالنسبة لينا إحنا الاتنين أهم حاجة في الدنيا.
أو على الأقل…
أنا كنت فاكرة كده.
امبارح بالليل، كنت واقفة في المطبخ بجهز العشا.
ياسين كان نام بدري، وشريف رجع متأخر عن معاده بحوالي ساعة.
دخل المطبخ من غير ما يغير هدومه.
سحب الكرسي وقعد.
أنا بصيتله وقلت:
— مالك؟
قال:
— مفيش.
رجعت أكمل اللي في إيدي.
لكنه قال:
— سارة… سيبي اللي في إيدك واقعدي شوية.
نبرة صوته خلتني أبصله.
كان هادي زيادة عن اللزوم.
مسحت إيدي وقعدت قصاده.
— خير؟
شبك صوابعه في بعض وقال:
— محتاج أقولك حاجة… وعايزك تسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني.
ابتسمت بتوتر:
— خوفتني… قول.
أخد نفس طويل.
وبعدين قالها.
— أنا حبيت واحدة تانية.
فضلت باصة له.
ثانيتين.
تلاتة.
وبعدين ضحكت.
آه…
ضحكت فعلًا.
لأني كنت مقتنعة إنه بيعمل فيا مقلب سخيف.
قلت:
— بطل رخامة يا شريف.
لكنه ما ضحكش.
حتى ملامحه ما اتحركتش.
فضل باصصلي بنفس الجدية وقال:
— أنا مش بهزر.
الضحكة اختفت من على وشي.
— نعم؟
قال:
— عارف إن الكلام صعب، بس أنا مش عايز أكذب عليكي.
— من إمتى؟
— إيه؟
— من إمتى وإنت تعرفها؟
سكت.
وده كان كفاية.
لأن سكوت الراجل ساعات بيقول أكتر من أي إجابة.
قلت بصوت أوطى:
— من إمتى يا شريف؟
قال:
— حوالي سبع شهور.
سبع شهور.
الجملة فضلت تلف في دماغي.
سبع شهور وأنا بطبخله.
سبع شهور وأنا بستناه يرجع.
سبع شهور بنخرج أنا وهو وابننا.
سبع شهور بيقولي إنه اتأخر في الشغل.
سبع شهور…
وفيه ست تانية موجودة في حياته وأنا آخر واحدة تعرف.
قلت:
— سبع شهور وإنت بتكدب عليا؟
رد بسرعة:
— الموضوع ما بدأش بالشكل اللي إنتِ متخيلاه.
ضحكت بمرارة:
— أومال بدأ إزاي؟ خبطتوا في بعض في الشارع فوقعتوا في الحب؟
— سارة، بلاش سخرية.
— إنت جاي تقولي إنك بتحب واحدة غيري وعايزني ما أسخرش؟
هنا مد إيده ناحية إيدي.
أنا سحبتها فورًا.
قال:
— اسمعيني بس.
— اتفضل.
— أنا لسه بحبك.
بصيتله بعدم تصديق.
فكررها:
— والله بحبك… وإنتِ أم ابني، ومستحيل أتخلى عنك.
الجملة دي تحديدًا وجعتني أكتر من اعترافه الأول.
لأنه كان بيقولها كأنه بيمنّ عليا.
كأنه بيطمني إن بعد كل اللي عمله، قرر يتكرم ويحتفظ بيا!
قلت:
— يعني إيه؟
قال:
— يعني أنا مش عايز أهد البيت.
— وإنت شايف إن اللي بتعمله ده إيه؟
— أنا بحاول ألاقي حل.
— حل لإيه؟
قال بمنتهى الثقة:
— حل يرضي كل الأطراف.
حسيت للحظة إني في اجتماع شغل.
مش قاعدة مع جوزي اللي بيبلغني إنه قسم قلبه وحياته بيني وبين واحدة تانية.
سألته:
— وإيه بقى الحل العبقري؟
اعتدل في قعدته وقال:
— هعيش في البيتين.
ما رديتش.
كمّل:
— هقضي من أول الأسبوع لحد نصه هنا معاكي ومع ياسين، وباقي الأسبوع هقضيه عندها.
فضلت باصة له.
وهو كمل بمنتهى الهدوء:
— وبكده محدش يخسر حد.
سألته:
— هي عارفة إنك متجوز؟
— آه.
— وعارفة إن عندك ابن؟
— آه.
— وموافقة؟
سكت ثانية، ثم قال:
— إحنا اتكلمنا في كل حاجة.
ضحكت.
لكن المرة دي ضحكتي كانت موجوعة.
— جميل… يعني إنت وهي اتكلمتوا في كل حاجة، ورتبتوا حياتكم، وحددتوا الأيام كمان… وأنا جاي تبلغني بالجدول بعد ما خلصتوا؟
— ما تقوليش الكلام بالطريقة دي.
— أقول إيه؟ أشكرك إنك افتكرت تقول لي؟
اتنهد.
وبعدين حصل شيء عمري ما هنساه.




