قصص وروايات

حكايات بسمه 2

إيد طارق اتمسكت في الهوا قبل ما تلمس الورقة، والمفاجأة الأكبر إن اللي مسك إيده جامد وشدّه لورا ما كانش حد غريب.. دي أخته “سمر” بنفسها!

سمر كانت واقفة على السلم وراهم، وعينيها حمرا من العياط والذهول، وبصّت لأخوها بصوت مكسور وبنبرة كلها صدمة:

—يعني إيه يا طارق؟ يعني الشقة اللي كتبتهالي عشان “تأمّن مستقبلي”، طلعت دافع مقدمها من فلوس مرتك.. وكمان متجوز عليا.. قصدي متجوز عليا إنتَ وسارة بالسر ومن غير ما نعرف حاجة؟ ومصسود بفلوس مين كمان؟ من فلوس البيت الثاني اللي فتحته للست الجديدة؟!

حماتي لطمت على وشها وقالت بصوت مسموع هزّ المدخل كله:

—يانهارك أسود يا طارق! متجوز في السر؟! ومنين يا حسرة؟ من فلوسنا اللي ضيعتها على ستاتك وبلاويك؟!

الوضع تحول في ثواني لساحة معركة عائلية؛ طارق تاه في وسط صراخ أخته وذهول أمه اللي اكتشفت إن ابنها البار اللي كانت بتدافع عنه بكل قوة، طلع ضحك عليها هي كمان وسحبها في مؤامرة وهي مش دريانة بالبلاوي التانية.

بصيت لطارق اللي بقى واقف زي المذنب وسط الكل، وعدّلت شنطتي على كتفي وقلت له بصوت حاسم:

—قضية النشاعة وبيت الطاعة اللي كنت جاي تهددني بيها دي، هتروح تُلغيها حالا وأنت واقف، والورقة الرسمية بتاعة قسيمة جوازك السري دي معاها نسخة تانية مع محامي، ونسخة تالتة هتوصل لكل الناس لو ما تمش طلاقي بهدوء.. وبدون أي قضايا تنازل مني عن حقوقي.

طارق بصّ لي نظرة ترجي وانكسار، وقال بصوت متقطع:

—سارة.. أرجوكِ.. متدمرينيش، أنا كنت..

قاطعته بقوة وقهر السنين اللي فاتت:

—إنت اللي دمرت نفسك بنفسك يا طارق، وطماعتك وأكاذيبك هم اللي جابوك للوقفة دي. قدامك ساعتين بالظبط، يا إما نتقابل في المحكمة وهناك الحساب هيكون أثقل بكتير، ومستحقاتي كلها هتطلع من عينك بالقانون.

سيبتهم واقفين في المدخل، أمي نزلت من فوق وسحبتني من إيدي ودخلنا الشقة وقفلت الباب وراها. قعدنا جوه على الترابيزة، وسامعين أصوات خناقتهم وصراخ حماتي وهي بتلومه في الشارع تحت. حسيت إن تكلّفة السكوت والضغط على نفسي طول الأربع سنين اللي فاتوا دفعتاها غالي، بس في اللحظة دي.. أنا استرديت جزء كبير من روحي.

تليفوني رن بعد ساعة بالظبط. كان رقم محامي طارق، بيكلمني بصوت مهذب جداً وبيقولي:

—يا مدام سارة، الأستاذ طارق موافق على كل شروطك.. الطلاق هيتم ودياً بكره الصبح، وكل المستحقات والفلوس اللي طلبتيها هتكون محولة على حسابك البنكي بالكامل قبل ما نمضي ورقة الخلع أو الطلاق.

قفلنا الخط، وبصيت لأمي، لقيتها بتضحك وبدموع الفرحة حضنتني وقالت:

—حقك ما يضيعش أبداً يا بنتي.. ربنا أظهر الحق في الوقت المناسب.

بس الحكاية لسه ما خلصتش.. لأن بكرة الصبح في المحكمة، كان في مفاجأة تانية خالص مستنيانا.. مفاجأة غيرت مجرى حياتي للأبد!

التانية إلا ربع الصبح.. الموبايل جنب مخي رن رنة واحدة وقطع. فتحت عيني والنور الأبيض الضعيف من شباك أوضة أمي كان ضارب في السقف. قلبي دق جامد؛ اليوم ده مش أي يوم، ده يوم المهدد المفصلي، يوم ما هقعد على الكرسي قدام المأذون أو المحامي عشان أخلص من كابوس أربع سنين.

قمت بهدوء عشان مصحشيش أمي اللي نامت متأخر وهي ماسكة إيدي وبتدعيلي. دخلت الحوض اتوضيت وصليت ركعتين في الصمت، حسيت بروح غريبة بتملا قلبي، طمأنينة مش طبيعية كأن الملائكة ماسكة روحي.

الساعة تسعة الصبح كنت قدام محكمة الأسرة بوسط البلد. الجو كان زحمة كالعادة، صوت العربيات والباعة الجائلين، وريحة القهوة العتيقة اللي طالعة من القهاوي البلدية اللي حوالين المحكمة. كنت لابسة بدلة رسمية سوداء وتحتها قميص أبيض، حاطة نظارة شمسية مدارية بيها عيوني السهرانة، ورافعة راسي لفوق. معتز، المحامي اللي وكلته وخلص كل الإجراءات بسرعة الصاروخ، كان واقف قدام البوابة ببدلته الأنيقة وماسك ملف جلد أسود تخين.

أول ما شافني، جه نحوي وابتسم بثقة:

—صباح الخير يا مدام سارة.. جاهزة؟ جوزك وأهله جوه من بدري، وشكله كده دايق طعم الصدمة بجد.

هزيت راسي بهدوء:

—صباح النور يا استاذ معتز.. أنا مستعدة لأي حاجة، ويلا بينا نخلص.

دخلنا ممر المحكمة الضيق اللي ريحته ورق قديم وحبر. وصلنا للغرفة المخصصة لجلسات التسوية والطلاق الاتفاقي، ودخلت ومعايا محامي.

كان طارق قاعد على الكرسي اللي بره، ووشه أصفر لدرجة تخوف، عينه تحتها هالات سوداء كأنه ما نامش سنين. جنبه كانت قاعدة أخته “سمر” اللي كانت مبطلة عياط بس ملامحها مكسورة وساكتة تماماً، وحماتي كانت قاعدة بعيد شوية، أول ما رأتني دخلت، دارت وشها الناحية التانية بكبرياء مكسور وكأنها مش قادرة تبص في عيني بعد كل البلاوي اللي ظهرت.

أول ما طارق شافني، قام بسرعة وجري ناحيتي، وصوته كان متهدج وبيترعش:

—سارة.. ارجوكِ.. اسمعيني ثواني بس..

معتز المحامي وقف قدامه بكل حزم ووقفه مكانه:

—استاذ طارق، ممنوع الكلام المباشر هنا. أي كلام يكون من خلالي أو جوه قدام الموثق وبشروط موثقة. لو سمحت ابعد.

طارق بلع ريقه وبص لي بنظرة كلها رجاء وتوسل، وقال بصوت واطي:

—أنا حولت الفلوس كلها للحساب.. بصي على الموبايل.. الشغلانة خلصت، بس بالله عليكي بلاش تفضحي موضوع رشا وتخربي بيتي التاني.. البنت ملهاش ذنب، وأمي.. أمي هتموت من القهر.

قبل ما أرد عليه، الباب اتفتح وطلع الموظف المختص ونادَى بأسمائنا:

—طارق إبراهيم.. وسارة محمود.. اتفضلوا جوه.

دخلنا القاعة الصغيرة، ريحة الخشب القديم والتراب كانت مالية المكان. قعدت على الكرسي، وقعد طارق قدامي، والمحامي والموثق على الجنب.

الموثق بص للورق وقال بصوت عملي جاف:

—الاستاذ طارق قدم إقرار بالتنازل عن دعوى النشوز، وتم سحبها بالكامل، وفي نفس الوقت تم تحويل مبلغ وقدره مليون ومئتين ألف جنيه مصري لحساب المدعية سارة محمود، اللي هو إجمالي مستحقاتها وتعويضها عن الأربع سنين اللي فاتوا شاملين أصل المبالغ وتحويلاتها البنكية بالفوائد والأضرار.. مظبوط يا مدام سارة؟

طلعت تليفوني وفتحت تطبيق البنك، لقيت الرسالة قدامي: “تم إيداع مبلغ 1,200,000 EGP في حسابك الجاري”. رفعت عيني للموثق وهزيت راسي بثبات:

—مظبوط يا فندم.. الفلوس وصلتني كاملة.

الموثq كمل ببرود:

—تمام.. بناءً على طلب الطرفين، وعلى رغبة المدعية في الانفصال للضرر، هيتم توثيق الطلاق للضرورة ودياً، من غير قضايا خلع أو محاكم تانية. جاهزين للمضي؟

طارق كان ماسك القلم وإيده بتترعش جامد لدرجة إن القلم وقع من إيده على الترابيزة. انحنى جابه، وبص لي نظرة أخيرة كأنه لسه مش مصدق إن دي سارة الهادية الطيبة اللي كانت بتستحمل منه كل كلمة وكل ضغط عشان “حلم الشقة”.. سارة اللي اتحولت بسبب قسوته وظلمه لواحدة صلبة قادرة تاخد حقها تالت ومثلث.

مضى على الورقة الأولى، وبعدها ورقة الطلاق. وأنا.. مسكت القلم بثبات وبكل عزم، ومضيت اسمي ثلاثي على أوراق حريتي.

في اللحظة اللي الموثق ختم فيها الورق وقال بصوته المجلجل:

—أنتِ طالق يا سارة، طلاق بائن بينونة صغرى.. وعصمة نفسك بقت في إيدك.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى