قصص وروايات

طلب مني جوزي حكايات اسما 3

بعد طلاقي رسميًا، حسيت إن الهوا اللي بشمه بقى أنقى بكتير، وإن تذكرة الخروج من السجن الوهمي اللي كنت عايشة فيه كانت أثمن هدية ربنا كتبهالي. أهلي كانوا السند الحقيقي اللي قومني على رجلي تاني، وبدأت أركز في نفسي وفي شغلي اللي كنت مهمكاه طول سنين الجواز بسبب ضغط البيت ومشاكل إبراهيم.

في المقابل، إبراهيم كان بيدفع ثمن أفعاله غالي أوي. بعد ما خسر الشغل، وأمه، والخطوبة، الشقة اللي كان مفخرة بالنسبة له وباع فيها كل مبادئه بقت عليه كابوس. عرفت من ناس متعرفين بينا إنه حاول يرجع يكلم أمه كتير، لكنها كانت قافلة الباب في وشّه تماماً، وقالت له جملة واحدة فضلت رنين في ودانه: “اللي خان أصله، وخان مراته اللي استحملته في الضيق، ميستاهلش اسمي ولا أمومتي”. أما عن الزميلة أو خطيبته السابقة ياسمين، فكانت قد قدمت شكوى رسمية في الإدارة بسبب استغلالها وإساءة سمعتها، وده خلى مستقبله المهني في الحضيض وبقى مشي في السوق محطوط تحت علامات الاستفهام.

أنا بقى، ركزت في شغلي الجديد في شركة محترمة، وزملاي هناك كانوا ناس محترمة بيقدروا الكفاءة والاحترام. مع مرور الوقت، ثقتي في نفسي رجعت أحسن من الأول بكتير، وبدأت أحس إن اللي حصل ما هو إلا درس غالي علمني إني أصون نفسي وكرامتي قبل أي حد تاني، وإن الإنسان لما بيمشي في سكة الحق، ربنا بيعوضه بالأحسن دايماً.

في يوم من الأيام، كنت قاعدة في كافيه هادي بشرب قهوتي وبقرا كتاب جديد، ولقيت تليفوني بيرن. بصيت في الشاشة لقيت رقم أخت إبراهيم (عمتو صبيحة)، اللي كانت الوحيدة في عيلته اللي عمرها ما دخلت في تفاصيل حياتنا، وكانت دايماً طيبة معايا. ترددت لحظة، وبعدين فتحت الخط:

— ألو يا نوال.. ازيك يا بنتي؟

قلت بهدوء:

— أهلاً يا طنط صبيحة.. أنا الحمد لله كويسة. إزيك إنتي؟

قالت بصوت مكسور:

— أنا والله يا بنتي مش عارفة أقولك ايه، ولا أبص في وشك إزاي بعد اللي عمله أخويا.. بس أنا كلمتك عشان أطمن عليكِ، وعشان أقولك إن إبراهيم ربنا بين آثاره في كل خطوة بيمشيها.. الشقة اتقفلت عليه، وقاعد لوحده مكسور، وحالته تصعب على الكافر. بس ده جزاء اللي يبيع قلب صافي حبه بجد.

سكت لحظة، وبعدين رديت عليها بكل احترام:

— ربنا يعلم يا طنط إني مكنتش أتمنى له السوء، وكنت ببني معاه بيت وأحلام، بس هو اللي اختار الطريق ده بنفسه. الحمد لله على كل حال، وكل واحد بيعيش باللي زرعه.

قالت بندم:

— عندك حق يا بنتي.. ربنا يعوضك خير، ويبعث لك اللي يقدرك ويحطك جوه عيونه.

قفلنا الخط، وحست بالرضا التام بيملى قلبي. الحياة مش بتوقف على حد، والأسوار اللي اتهدمت مكانتش أصلاً مبنية على أساس صح. بقيت باصة لقدام، وعارفة إن القادم دايماً أجمل بكتير لمَن استغنى بالله عن كل كدب وخداع.

مرت السنة الأولى بعد طلاقي كأنها رحلة تطهير وإعادة بناء لنفسي. بعد ما قدرت أتخطى الصدمة، ركزت كل طاقتي في شغلي الجديد في شركة البرمجيات، وهناك التقيت بـ”زياد”.

زياد كان مدير القسم اللي انضمت ليه، ومن أول يوم لاحظت فيه الاحترام والمهنية العالية، والأهم من كده، الصدق الواضح في كل كلمة بتطلع منه. في الأول كانت علاقتنا رسمية جداً، مجرد شغل واجتماعات، لكن مع الوقت، بدأنا نقرب كأصدقاء. كان بيسمعني لما أكون متضايقة، وبيشجعني دايماً أطور من نفسي.

في يوم، واحنا قاعدين في استراحة الشركة بنشرب القهوة، بص لي بابتسامة هادئة وقال:

— يا نوال، أنا ملاحظ من اول ما جيتي الشركة وأنتِ دايماً شايلة هم كبير جوه عيونك.. مش عاوز أتدخل في خصوصياتك، بس لو حابة تحكي، أنا جاهز أسمعك كأخ أو صديق.

سكت لحظة، وحسيت إن قلبي ارتاح له، فحكيت له باختصار عن قصتي القديمة، وعن الجوازة اللي اتضحك عليا فيها سبع سنين. مكنتش خايفة من حكمه، بالعكس، كنت حاسة بصدق في عيونه وهو بيسمعني.

لما خلصت كلامي، بص لي بعيون مليانة تقدير وقال:

— الإنسان اللي ميعرفش قيمة الكنز اللي كان في إيده، هو الخسران الحقيقي يا نوال. العوض بيفضل ماشي في سكة الصح لحد ما يوصل لصاحبه، وأتمنى أكون جزء من العوض ده.

كلماته دخلت قلبي زي البلسم. العلاقات مش بالمدة الطويلة، بل بالصدق والأمان اللي بتحس بيه مع الشخص الصح.

بعد فترة، تقدم زياد رسمي لأهلي، وأول ما بابا وأخويا قعدوا معه، حسوا بالفرق الكبير بينه وبين الماضي. إنسان واضح، أهله ناس محترمين، وعينه مليانة حب وتقدير ليا.

عملنا خطوبة هادية وبسيطة في بيت أهلي، وسط ناس بنحبهم وبيحبونا، من غير أي كدب ولا تمثيل. وفي يوم الخطوبة، وأنا باصة في المرايا وشايفه نفسي بفستان الخطوبة البسيط والضحكة الصادقة على وشي، حسيت إن كل دمعة نزلت زمان كان ليها حكمة، وإن ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض باللي أحسن وأطهر بكتير.

اليوم ده، الشمس كانت طالعة بطعم تاني، كأنها بتغسل كل الظلمة والوجع اللي عشتهم سنين طويلة. قاعة الفرح الهادية والبسيطة كانت مليانة بالناس اللي بجد بيحبوني وبيخافوا عليّا؛ بابا اللي كان واقف جنبي وعيونه لامعة بدموع الفرح، وأخويا اللي كان مسندني وعمره ما ساب إيدي، وأمي اللي كانت بتدعي لي بكل قلبها وهي بتظبط لي طرحة الفستان الأبيض.

الفستان كان بسيط، لونه أبيض ناصع، من غير أي بهرجة كدابة. كنت باصة لنفسي في المرايا وأنا حاسة بسلام داخلي غريب.. سلام مكنتش أتخيل إني ممكن أحسه في يوم من الأيام.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى