Uncategorizedقصص وروايات

اسمعي يا بنت الناس 2

لم تكد كلمة “وافقت” تغادر شفتيها حتى شعرت بثقل الجبال قد أُلقي على كاهليها، وكأنها وقفت على حافة هاوية لا رجعة فيها. أما هو، فبدت على محياه ملامح الرضا والصرامة في آن واحد، كمن حسم معركةً طويلة دون إراقة قطرة دم واحدة.

تقدم خطوة إضافية نحوها، وعيناه الغامقتان تلمعان بضوء خافت يعكس هيبة نادرة، وقال بصوت عميق هادئ:
— “القرار اللي خذيتيه اليوم، يا بنت الناس، هو أضمن طريق يستر عليكِ ويحفظ حق وِلدك. ومثل ما قلت لك، حرمة فواز ما ينقصها شيء، وداري بتكون دارك وعزك.”

استدار دون أن ينتظر منها رداً آخر، وأشار لامرأة من بعيد دخلت بسرعة مططأطة الرأس، وبصوت حازم قال:
— “وضحة.. رافقيهَا وجهزوا كل شي. الليلة تجمعون الأصول، والعقد ينكتب بحضور عّمامي والرجال، وما أبي نقص في شي.”

هزت وضحة رأسها بطاعة عمياء:
— “تامر يا شيخ.. من عيوني.”

غادر الغرفة بخطوات واسعة وثابتة، تسبقه هيبته وتتبعها هيبة كلمته التي لا تُرد. وما إن اغلق الباب خلفه حتى سقطت الدموع التي كانت تحبسها في عينيها طوال الأيام الماضية، واقتربت منها وضحة بسرعة، تحيط كتفيها بحنان وأمومة.
— “لا تسوين في نفسك جذي يا بنتي.. والله إنك ما خسرتي شي، فواز صحيح رجال شديد وما يرضى بالخطأ، لكنه من نسل شيوخ، يعرف قدر الحرمة اللي تدخل بيته. ارفعي راسك، اليوم تبدأ صفحة جديدة.”

مسحت دموعها بعنفوان، وكأنها تعيد ترتيب كبرياءها المكسور، وقالت بصوت مختنق بالمرارة:
— “مش قصة خسارة يا وضحة.. قصة إني حسيت حالي ورقة بملف يقلبه على كيفه، بلا إرادة وبلا اختيار حقيقي. أنا غريبة عن هالديرة، وعن تقاليدها، وعن هالرجل اللي فجأة صار مالك أمري.”

— “بكرة تتعودين، وتعرفين إن هالسجن اللي تشوفينه اليوم هو الحصن اللي يحميكِ من ذئاب برا.”

مرت ساعات النهار بسرعة كأنها برق خاطف. في الساحة الخارجية للدار الكبيرة، بدت الحركة غير معتادة؛ ذبائح تُنحر، وأواني قهوة عربية تُجهز على نيران الحطب، وأصوات الرجال تعلو بالترحيب والتحضير لمجلس العقد. كان الخبر قد انتشر في الديرة كطيف ربيع فاجأ الصحراء، فالشيخ فواز، الذي لم يسبق له الزواج بهذه الطريقة، يتزوج أرملة ابن عمه حمايةً وحفظاً للحقوق والنسل.

في الغرفة، ساعدت وضحة العروس على ارتداء ثوب بدوي فاخر مطرز بخيوط الفضة والذهب، مع وشاح أسود مطرز يلف رأسها ويزيد من سحر ملامحها الحزينة. كانت تبدو كملكة متوجة رغماً عنها، تقف أمام المرآة القديمة لترقب امرأة لا تعرفها، امرأة باتت اليوم “حرمة الشيخ”.

قبل غروب الشمس بقليل، فتح الباب ودخل رجل كبير في السن، يبدو عليه الوقار والحكمة، وبجانبه اثنان من شيوخ العائلة. ابتسم الرجل العجوز بحنان وقال:
— “السلام عليكم يا بنتي.. لا تخافين، إحنا اليوم جايين نثبت حقك وحق وِلدك بالشرع والعرف، ومبارك عليكِ مقدماً.”

نظرت إليهم بخوف مكتوم، وأومأت برأسها بصمت. بدأت مراسم كتابة العقد الشرعي بصوت مسموع من خلف الباب المفتوح جزئياً، حيث كان الشيخ فواز جالساً في المجلس الخارجي يوقع على الوثيقة بنفسه، وتحت شهادة كبار القبيلة ورجالها، لتصبح تلك الورقة صكا رسمياً يربط مصيرها بمصير هذا البدوي المهيب.

بعد أن انتهت الإجراءات، وغادر الرجال المكان، عادت وضحة ومعها صينية طعام فاخرة، ووضعتها أمامها بقلق:
— “كلي لقمة يا بنتي.. الليل طويل والشيخ بياخذ وقته بالمجلس مع الضيوف، لكنه أكيد بيجيكِ بعد ما يخلص.”

هزت رأسها برفض قاطع: مالها نفس للطعام، وكل ذرة في كيانها كانت تترقب وتتوتر لما سيأه بعد قليل.

الليل ألقى بظلامه الدامس على الصحراء، ولم ينير المكان سوى نجوم السماء ومصابيح الغاز المعلقة على جدران الدار الطينية. سكنت الأصوات الخارجية تدريجياً، وبدأت حركة الأقدام تقترب من الغرفة شيئاً فشيئاً حتى توقف النبض في صدرها حين سمعت صوت خطواته المميزة، خطوات حاسمة وثقيلة.

انفتح الباب ببطء، ودخل فواز. كان قد أخلع شماغه وعقاله، وشعره الأسود الكثيف منسدلاً قليلاً على جبينه، وعيناه تحملان نظرة هادئة ومختلفة عن تلك الحِدّة التي قابلهَا بها في المرات السابقة. أغلق الباب خلفه بإحكام، واستند بكتفه إليه لحظات يرمقها بنظرة فاحصة ومطولة.

وقفت من مكانها على حافة السرير، ودموعها جفت، وبدت عيناها كأنها تحارب بقوة لكي لا تبدو منكسرة أمامه.
تقدم منها بخطوات بطيئة، وعندما أصبح على مسافة قصيرة منها، توقف وقال بصوت هادئ ومطمئن يختلف عن نبرة الأوامر التي اعتادتها:
— “مبروك عليكِ الدار يا أم الوِلد.. من الليلة، هذي الغرفة وكل ما فيها لكِ، ومحدش يقدر ينطق بحرف واحد ضدك طالما أنا حي.”

رفعت ذقنها بتحدٍ خفيف، وقالت بصوت مرتعش لكنه صارم:
— “مش معناه إني قبلت بالزواج إني نسيت اللي صار، ولا إني صرت جارية عندك يا شيخ.. أنا جيت هني عشان أحمي ابني من الديون ومن ضياع حقه، مش عشان كلامك العذب.”

ظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة عريضة وواثقة، ولم تغضب، بل زادته وقاراً:
— “وأني ما طلبت منك تكونين جارية، الحرمة اللي تدخل ذمة فواز تكون قرة عينه وعز بيته. ولو كنت أبغي أستعبدك، ما كنت كتبت كتابك قدام شيوخ القبيلة وعطيتك مهرك وحقك شرعاً وقانوناً. ارتاحي يا بنت الناس، الدرب قدامنا طويل، وبكرة تشوفين بنفسك مين هو فواز.”

استدار بحركة سريعة وابتعد عنها قليلاً، متوجهًا نحو الأريكة القريبة ليخلع عباءته الثقيلة، تاركاً إياها تقف في مكانها، تتنفس بعمق، مدركة تماماً أن حياتها قد انقلبت رأساً على عقب، وأن هذا الرجل الغامض قد فتح باباً لن تستطيع إغلاقه أبداً.

مرت الأيام الأولى من حياة الزواج الجديدة كأنها سير على حبل مشدود فوق هوة عميقة. كانت تتعامل مع فواز بحذر شديد، محاطة بهيبة الدار ورجالها، وكأنها في معسكر مغلق لا تملك فيه سوى نفسها وابنها. كان فواز يحرص على تأمين كل متطلباتها ومتطلبات الصغير بنفسه، دون أن يفرض عليها تدخلاً مباشراً في تفاصيل يومها، لكن ظلال وجوده وثقله في المكان كانا يملأان الزوايا كافة.

في صباح اليوم العاشر، بينما كانت تجلس في فناء الدار الداخلي تهدهد طفلها، دخلت وضحة ووجهها يحمل بشائر قلقة ممزوجة بالجدية. اقتربت منها وقالت بصوت خافت:
— “يا أم الوِلد.. الشيخ فواز منتظرك بالمجلس الخلفي. يقول إن فيه موضوع مهم يخصك يبي يناقشه معك وجهاً لوجه.”

رفعت عينيها بقلق، وتصاعدت دقات قلبها. هل هناك جديد بخصوص ديونها في مصر؟ أم أن هناك خطراً يلوح في الأفق؟
— “خير يا وضحة؟ تدرين وش يبي مني؟”

هزت وضحة رأسها بقلة حيلة:
— “ما علمنا بشي، بس عاد تدرين بطبعه؛ ما يفتح موضوع إلا وله تالي. توكلي على الله وروحي، تراه ما يضرّك.”

أخذت نفساً عميقاً، وسلمت ابنها مؤقتاً لوضحة، ثم سارت بخطوات مترددة نحو المجلس الخلفي. طرقت الباب بخفة، وجاءها صوته الأجش يأذن لها بالدخول.
فتحت الباب ودخلت. كان المجلس واسعاً، مفروشاً بأفخم السجاد البدوي، وجلس فواز بوقاره المعهود على الأريكة، يرتدي ثوباً بيضاء ناصعاً وفوقه عباءة سوداء فاخرة، وشماغه مثبت بعقاله المذهب. أشار لها بيدها لتجلس على المقعد المقابل له.

جلست بهدوء، ورفعت عينيها لتلتقي بنظراته الثاقبة التي لا تخيب أبداً:
— “طلبتني يا شيخ؟ خير إن شاء الله؟”

تأملها لحظات بصمت، وكأنه يزن كلماته بميزان دقيق، ثم قال بصوت عميق:
— “الخير بوجهك.. جمعتك اليوم لأن وصلتنا أخبار من مصر. رجالي اللي هناك استقصوا عن الديون والرجال اللي هجموا على شقتك قبل ما تهربين.”

بهت وجهها، وانقبض قلبها خوفاً، وسألت بصوت مرتعش:
— “إيش… إيش صار؟ هل لقوهم؟ هل هما جايين هنا؟”

هز فواز رأسه نفياً، وظهرت على شفتيه ابتسامة ثقة وحسم:
— “اطمني، الديرة هذي مو سهل دخولها، ومحد تجرأ يوصل أرضنا. بس اللي لازم تعرفينه إن الديون اللي تركها زوجك الله يرحمه تسببت فيها شركة تجارية نصبوا عليه فيها، والرجال اللي هجموا مو رجال قانون، بل عصابة استغلت وفاته عشان تاخذ مستندات تخص ورقة أرض كانت ملك أبوه.”

فتحت عيونها على مصراعيها بذهول:
— “أرض؟! أي أرض؟ زوجي ما كان عنده أرض بمصر!”

أخذ فواز ورقة مطوية من على الطاولة ومدها إليها بهدوء:
— “هذا تقرير رجالي.. زوجك كان شاري قطعة أرض صغيرة بصعيد مصر، وكان نابني عليها بناء بسيط، لكنه توفى قبل ما يسجل العقود رسمياً، والعصابة كانت تبي تسرق الأوراق وتنسبها لهم. واليوم.. رجالي خلصوا الموضوع قانونياً وشرعياً باسم وِلدك.”

غرقت عيونها بالدموع، هذه المرة ليس قهراً بل صدمة وامتنان لم تتوقع يوماً أن تشعر به تجاه هذا الرجل. نظرت إليه بصوت متقطع:
— “إنت… أنت سويت كل هذا عشاني وعشان ولدي؟ وليش؟ مع إني دخلت دارك غصب عني ورفضتك بكل الطرق؟”

مال برأسه قليلًا، وظهرت في عينيه نظرة دافئة لم تلاحظها من قبل:
— “لأنك صرتي حرمة فواز، وولدك من دمي. وحق ولد عمي ومرته ما يضيع وأنا حي. حقك رجع كامل، ومحد يقدر يمسك بكلمة بعد اليوم.”

شعرت أن الجليد الذي كان يغلف قلبها نحوه بدأ يذوب تدريجياً، وأدركت أن هذا البدوي القاسي في مظهره، كان يحمل شهامة ووفاءً يفوقان كل ما عرفته في مدينتها.

تابع بصوت أكثر حزماً:
— “والحين.. صار عندك خيار ثاني. الديرة آمنة، وحقك رجع، ومستقبل ولدك انحفظ. إذا تبين ترجعين مصر، أقدر أجهز لك حراسة توصلك لبيتك مكرمة معززة.. وإذا تبين تبقين، فمكانك محفوظ بصطوة العز والجلال.”

نظرت إلى الأرض صامتة لبرهة، ثم رفعت عينيها وابتسمت بمرارة خفيفة، وأدركت أن أقدامها لم تعد ترغب في الرحيل عن هذا المكان الذي وجدَت فيه حمايتها رغم كل قسوته.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى