
—” اسمعي يا بنت الناس… أني ما أطلب حرمة مرتين، وإنتِ الليلة دي قدامك اختيارين ما لهن ثالث… يا تقبلي تدخلي داري وتكونين مرتي بعقد شرعي وبكامل حقوقك… يا تقبلي تظلي بحمايتي وعلى أرضي كـ حرمة ابن عمي… وفي الحالتين خروج من هالديرة ومغادرة أرضي ما في!”
رفعت عينيها له بصدمة، ونبضات قلبها ضاربة في طبول رعب، مش مصدقة إن الراچل اللي واقف قدامها بيخاطبها بالنبرة دي وبكل البرود ده، كأنه بيخيّرها بين حاجتين أحلاهما مر، والنبرة اللي في كلماتها خلت الدم يهرب من وشها.
— “إنت بتقول إيه؟! إنت فاكر نفسك مين عشان تتكلم معايا بالطريقة دي وتحطني قدام اختيارين زي دول، وتمنعني أخرج من هنا؟!”
ما اتحركش من مكانه، فضل واقف بطوله المهيب، عقاله الأسود مثبت فوق شماغه، وعينيه الغامقتين مستقرتين عليها بنظرة تخلي أي حد يعيد حساباته قبل ما يفتح بقه قدامه.
لكنه ما كانش يعرف إنها مش من النوع اللي ينساق بسهولة ولا يستسلم لاستعراض هيبته.
— “أني مين؟!”
قالها وهو يميل برأسه قليلًا، وظهرت على طرف فمه ابتسامة باردة ما وصلتش لعينيه:
— “أني راچل لو قال كلمة، ڕچال تقف تسمعها وكلمتي ما تطيح الأرض. ولو فتح باب، محدش يدخله إلا بإذنه. وإنتِ صحيتي ولقيتي حالك بأرضي، ومعاكي وِلد صغير مالوش في الدنيا غيرك… ولا تحسبي إن حكيي معاكي هيدخل فيه أخذ ورد، أو إنك تقدرين تعصين لي أمر وأني ساكت!”
شدّت ابنها لحضنها أكتر، وبصت له بتحدٍّ رغم الرجفة اللي حاولت تخبيها في صوتها:
— “ابني مش حجة تستخدمها عشان تتحكم فيا، وأنا مش جارية عندك عشان تقولي أعصى أمرك وما أعصاش! أنا جاية آخد حقي وحق ابني، مش جاية أطلب منك صدقة ولا جاية أفرض نفسي عليك!”
اتبدلت ملامحه في ثانية، وكأن كلمتها لمست كبرياءه البدوي اللي ما يقبلش المساس.
— “صدقة؟! إنتِ شايفاني ممكن أمد إيدي لـ وِلد ابن عمي وأحسب عليه لقمة؟! ولا تحسبي إن شيخ القبيلة يطمع في حرمة أخت رجال بالحرام؟! أني لما قلت داري وذمتي، قصدت إن الحرمة التي تدخل ذمتي لها قدرها وكرامتها بالشرع، لكن ظنك السوء ده يلزمك تتعدلي في الكلام زين!”
سكت ثانية، وبعدين أشار ناحية الباب بنبرة حاسمة:
—” بيتك مفتوح، وأكلك وشربك على حسابنا، وِلدك له حق في كل شبر من الأرض دي. محدش هيقرب منكم ولا يمس شعرة منكم طول ما أني عايش… بس رجلكم ما تتعدى حدود الديرة دي أبدًا.”
— “وأنا مش عايزة أعيش هنا!”
خرجت منها الجملة بأعلى صوتها، وهي بتترعش من كم الضغط والصدمة:
—” أنا عايزة أرجع بيتي! عايزة أعيش من غير ما كل نفس آخده يبقى بإذن حد. مش عايزة حمايتك، ولا أرضك، ولا أوامرك، ومش هتقدر تحبسني هنا!”
قرب منها خطوة… خطوة واحدة بس، خلت هيبته تقفل عليها المكان، لكنها رفعت دقنها بعناد أكبر ورفضت ترجع لورا رغم إن قلبها كان بيدق بعنف.
—” وإنتِ فاكرة إن الدنيا برّه هتسيبك في حالك؟ الديون اللي چوزك خلّفها ورا ضهره مش هتختفي عشان إنتِ مش عايزة تسمعي عنها. والرچال اللي كسروا باب شقتك في مصر وكنتم هتروحوا في إيديهم لولا دخلتي أني ورچالي… هيرجعوا تاني. والمرة الجاية مش مضمون تلاقي حد يلحقك.”
بهت وجهها، وضمّت ابنها كأنها بتحاول تحميه حتى من مجرد ذكرى الهجوم المرعب اللي حصل في شقتها قبل ما يغيب وعيها وتصحى في الصحراء دي.
لكنه ما سابش لها وقت تستوعب، ووطى صوته لنبرة أخفض وأشد حسمًا:
—” أني مش هفضل طول عمري أبعث ڕچالي وراكي يحرسونك من بعيد… وعشان إكده، فيه حل واحد يقطع كل الألسنة، ويضمن حق الوِلد، ويخليكِ في حمايتي جدام العرب كلهم…”
ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوت أنفاسه القريبة بقى بيتردد في أذنها:
—” إيه هو؟”
ثبت عينيه في عينيها بنظرة اخترقتها، وقال من غير تردد:
—” تبقي حرمتي… وتدخلين بيتي بعقد شرعي.”
ساد صمت ثقيل بين الجدران الطينية للغرفة الواسعة، صمت لم يكسره سوى صوت أنفاس الطفل المنتظم وهو نائم بعمق بين ذراعي أمه، غير آبه بما يدور حوله من عواصف.
رفعت عينيها إليه، وكان الغضب والذهول يتصارعان في وجهها، لكنها قبل أن تستجمع قواها لتصرخ في وجهه رافضة هذا الطرح تماماً، تقدم خطوة أخرى وكأنه يقرأ أفكارها وقطع الطريق على حروفها.
— “لا تستعجلين بالرفض، ولا تظنين إن كلامي جايبه من فراغ أو مجرد فرض سيطرة… أني شيخ هذي القبيلة، وكلمتي ترجع بالحق مش بالظلم. تدبرين حالك زين، وتفكرين في العواقب. الديون اللي تركها زوجك الله يرحمه في مصر مش شوية، والناس اللي يطالبونه فلوسهم ما ترحم حرمة بروحها ومعاها طفل صغير. وإنتِ شايفة بنفسك، لو ما كنا حاضرين بالوقت المناسب، وش كان صار فيكِ إنتِ وولدك؟”
هزت رأسها بحدة، والدموع تتجمع في عيونها وهي ترد بصوت منخفض لكنه محمل بالقهر:
— “وأنت مين فوضك تحكم حياتنا؟ مين أعطاك الحق تتصرف فينا كأننا أملاك تخصك؟! أنا ما طلبت منك تحميني، ولا طلبت منك تسدد ديوني، رجعني لمصري، لبيتي، وخليني أواجه قدري بنفسي.. أنا مش ضعيفة!”
ابتسم بابتسامة خفيفة، لكنها كانت محملة بالمرارة والثقة المطلقة معاً:
— “ضعيفة ولا قوية… الواقع في الديرة هني غير شوارع مصر اللي جيتِ منها. هني، القوي ياكل الضعيف لو مالوش سند، والولد هذا هو ابن عمي، يعني دمه من دمي، ومستحيل أرضى يتربى بعيد عن أهله أو ياكل لقمة من طين العوز. زواجنا مش استعباد، هو الحصن اللي يحميكِ ويحمي حق ولدك، وفوق هذا كله… يرضي العرب ويقفل كل باب للحديث عن وجودك بداري.”
استدار دون أن ينتظر منها رداً إضافياً، واتجه بخطوات واسعة وثابتة نحو الباب الخشبي العتيق. وقبل أن يخرج، توقف برهة والتفت إليها بطرف عينيه، ليقول بصوته الأجش:
— “الباب مفتوح لكِ داخل الدار، والجار له حق، لكن طلوع بر حدود أرضنا.. أنسي الموضوع نهائياً. ارتاحي الليلة، وبكرة لكل حادث حديث.”
خرج وأغلق الباب خلفه بإحكام، لتدوي عتمة الليل وسكون الصحراء في المكان، وتتركها وحدها مع طفلها وأفكارها التي تكاد تفجر رأسها.
مرت الساعات بطيئة وثقيلة كأنها دهور. جلست على حافة السرير الخشبي، تضم ولدها لصدرها بقوة، تتفقد أنفاسه لتتأكد أنه حقيقي وليس كابوساً. كانت الغرفة مفروشة بأبسط الأثاث البدوي الأصيل، سجاد يدوي الصنع، ووسائد مزخرفة بنقوش عربية عريقة، ورائحة البخور العطري تفوح في الأرجاء، كأنها محاولة لتهدئة روع المكان، لكن قلبها ظل مشتعلاً.
كيف تقبل أن تكون زوجة لرجل لا تعرف عنه شيئاً سوى أنه “شيخ القبيلة”، وأن ظروفاً قاسية جمعتهما؟ وكيف ترفض، وهي تعلم تماماً أن خروجها من هذه الديرة المعزولة مستحيل في ظل سيطرته ورجاله المنتشرين في كل مكان؟
في الصباح، مع أول شعاع شمس ذهبي شق طريقه عبر النوافذ الخشبية الصغيرة، سمعت طرقات خفيفة على الباب، يتبعها صوت نسائي ناعم يستأذن بالدخول.
انفتح الباب ودخلت امرأة في العقد الثالث من عمرها، ترتدي ثوباً بدوياً مطرزاً بألوان زاهية، وعلى رأسها وشاح أسود يلفه بوقار. كانت تحمل صينية عليها إفطار ساخن من الخبز البدوي، والجبن، والشاي الأحمر المعطر بالمرمية.
ابتسمت المرأة بحنان وقالت بصوت هادئ:
— “صباح الخير يا أم البطل.. عساكِ نمتي زين الليلة؟ الشيخ أمرني أجيب لك الفطور وأطمن عليكِ.”
نظرت إليها بصدمة، ثم سألت بصوت خافت يملؤه التوجس:
— “مين أنتِ؟ وإيش تبين مني؟”
وضعت الصينية بحذر على الطاولة الصغيرة وقالت وهي تجلس بقربها:
— “أنا (وضحة)، زوجة عم الشيخ.. لا تخافين يا بنتي، كلنا هني ناس نعرف الأصول، والشيخ (فواز) ما يأمر بشي إلا وفيه مصلحة للجميع. هو رجال شديد نعم، وكلمته ما تثنيها الريح، لكنه عمره ما ظلم حد، وخاصة إذا كان من دمه ولحمه.”
أخذت نفس عميق وقالت بحدة مكتومة:
— “هو بيفرض عليّ زواج.. فاهمة يعني إيه؟ يخيرني بين أكون مرته أو أبقى محبوسة هني طول عمري! هذي مش حماية، هذا سجن.”
أمسكت وضحة يدها بحنان وقالت بصوت مواسٍ:
— “يا بنتي، افهمي عقل رجال الصحراء.. هني العادات تحكم، والوجودك لوحدك بهالديرة وبدون زلمة يحميكِ يعرضك لكلام الناس، والديون اللي وراكِ والرجال اللي طاردوكِ بمصر.. الشيخ شايف أبعد مما أنتِ شايفة. الزواج منه مش سجن، هو العز بعينه. تكونين حرمة الشيخ، لكِ الكلمة والجاه، وولكِ يتربى بين أهله وناسه مرفوع الهامة.”
سحبت يدها ببطء، وابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر إلى طفلها النائم بسذاجة. هل حقاً لا يوجد خيار آخر؟ هل ستستسلم لمشيئة هذا البدوي القاسي؟
مرت الأيام الثلاثة التالية كأنها سنوات طويلة. خلالها، لم تره وجهاً لوجه، لكنها كانت تسمع أصوات رجاله وتحركاتهم في الساحة الخارجية. كانت تخرج مع وضحة لتشم بعض الهواء داخل سور الدار الواسعة، وترى كيف يحترم الجميع فواز ويجلونه، وكيف كانت نظراتهم لها مليئة بالفضول ممزوجة بالهيبة.
في اليوم الرابع، بينما كانت تغسل وجه ابنها، دخل فواز إلى الغرفة دون أن تنتبه لوجوده إلا عندما انعكس ظله الطويل على الجدار.
وقفت بسرعة، ووضعت ابنها خلفها بحركة دفاعية، ورفعت عينيها لتلتقي بعينيه الحادتين اللتين كانتا تقرآن كل تفصيلة فيها.
تقدم خطوتين، ووقف بوقاره المعتاد، وكتفاه العريضتان تملآن المكان هيبة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل حسم الأوامر:
— “ثلاث أيام مرت، وأظنك فكرتِ زين في الكلام اللي قلناه.. الوقت ما يرحم، والناس بدت تسأل، وأني ما أقدر أخلي الوضع معلق أكثر من كذا. وش هو قرارك؟”
شعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، لكن كبرياءها منعها من أن تبدو ضعيفة أمامه. رفعت رأسها وتحدثت بصوت ثابت رغم رجفته:
— “وقراري لو كان الرفض؟ هل بتقدر ترميني أنا وابني للصحراء، ولا بتسجنا للأبد؟”
ابتسم بابتسامة خفيفة، لكن نظراته حملت شيئاً من الإصرار العميق:
— “أني ما أجبر حرمة على داري بالقوة، لو كنت أبغى أفرض أمري عليكِ، كنت سويتها من أول يوم دخلتِ هني.. لكن لأنك أم وِلد عمي، ولأنك حرمة حرة، أبغى موافقتك برضاكِ. وإذا اخترتِ الرفض.. فاعرفي زين إنك بتظلين بهالديرة تحت حمايتي، لكن بدون اسمي، وبدون ما تقدرين تغيرين واقع إنك زوجة أخو ولد عمي المتوفى، وهذا بيخليكِ عرضة لكلام الناس، والدين اللي وراكِ بيبقي مطاردك.. اختاري، وكلمتي هي ميثاق.”
ظلت صامتة، تنظر إلى وجهه الحاد وملامحه التي لا ترضى بأنصف الحلول، ثم التفتت إلى ولدها النائم، وأدركت بمرارة أن المعركة خاسرة منذ البداية، وأن هذا الرجل لم يترك لها ثغرة واحدة لتنجو منها بمفردها.
اغرورقت عيناها بالدموع التي رفضت أن تسقط، وألجم الحزن لسانها قبل أن همست بصوت مسموع بالكاد:
— “وافقت…”
تغيرت نظرة عينيه في تلك اللحظة، وبرز فيها شعور خفي بالانتصار الممزوج بالمسؤولية الجسيمة، وقال بصوت عميق استقر في أعماق المكان:
— “على بركة الله.. من الليلة، تبدأ حياتك الجديدة، ومحدش على وجه الأرض يقدر يمسك بسوء وأنا حي.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




