Uncategorized

حكايات زهره الربيع 3

جريت في الشارع زي المجنون، المطر بيضرب في وشي والأرض بتتزحلق تحت رجلي، مش شايف قدامي غير جثتها المرمية على الإسفلت المبلول والكرتونة المتغرق أوراقها جنبها. وصلت عندها في ثوانٍ، رميت نفسي على الركبي في الشارع، وسحبتها من الأرض وحضنتها بكل قوتي.. الحضن اللي انحرمت منه سنة كاملة، الحضن اللي كنت بموت عشان ألمسه!

أنا بصراخ وبكاء هيستيري: “بنتي! قومي يا حبيبتي.. قومي يا قلب أباك! سامحيني يا رب، يا رب ما تاخدهاش مني، قومي عشان خاطري!”

كانت ساقعة زي الثلج، وشها أصفر زي الموت، وعينيها مقفولة تماماً. جسمها كان خفيف جداً في إيدي، كأني شايل ريشة، مش دي البنت اللي كانت مليانة صحة وحيوية في بيتي. مسكت وشها بإيديا اللي بترتعش، بقيت أبوس في جبينها وفي إيديها وفي شعرها المبلول بالمية، وأنا بصصرخ وبطلب المساعدة من أي حد في الشارع.

صاحب المكتبة خرج يجرِ على الصوت، ولما شافني ماسكها وبصرخ، اتخض وقال: “في إيه يا حاج؟! أنت مين؟! ابعد عنها!”

صرخت فيه والدموع مالية عيني: “أنا أبوها! الحقني يا بني، بنتي بتموت في إيدي! اطلب إسعاف بسرعة!”

الراجل اتصدم، وجري يجيب عربية. شلتها بين إيديا، وما كنتش مصدق إني شايلها تاني، بس المرة دي مكانتش طايرة من الفرحة وهي راجعة من مدرستها، المرة دي كانت غايبة عن الوعي ومجهدة لدرجة تخوف. دخلناها عربية صاحب المكتبة، وطار بينا على أقرب مستشفى حكومي في المحافظة.

طول الطريق، كنت ماسك إيدها الصغيرة الباردة، بضغط عليها وأحطها على قلبي، وأتوسل لربنا في سري: “يا رب خذ عمري واديلها، يا رب عقابك ليا كان كبير، بس بلاش هي.. بلاش تحرمني منها للأبد.”

وصلنا المستشفى، الدكاترة والممرضين جُم جري وسحبوها مني على التروللي، ودخلوها أوضة الطوارئ وقفوا الباب في وشي. قعدت على الأرض برة الأوضة، ضهري مفرود على الحيطة الساقعة، وهدومي مبلولة بتشر مية ومطر، وأنا بضرب راسي في الحيطة وببكي بصوت جاب كل اللي في الممر حواليا.

صاحب المكتبة جه وقعد جنبي، حط إيده على كتفي وقال باستغراب: “أنت أبوها بجد؟ البنت دي شغال معايا بقالها شهور، كانت بتقول إن ملهاش حد في الدنيا غير خالها، وكانت بتتعب وتقاوم وتقول لازم أعتمد على نفسي! أنت فين من زمان يا حاج؟ البنت دي كانت بتاكل لقمة ناشفة وبتنام أربع ساعات بس في اليوم عشان توفق بين دراستها وشغلها!”

كل كلمة كان بيقولها كانت بتنزل عليا زي ضربات الساطور. قفلت عيني وما قدرتوش أرد.. أقوله إيه؟ أقوله إني أنا اللي طردتها؟ إني أنا اللي بعتها عشان وحدة حية أكلت عقلي؟

بعد ساعة طويلة مرت كأنها ألف سنة، خرج الدكتور من الأوضة وهو بيمسح عرقه. اتنطرت من على الأرض ومسكت في بالديكتار: “طمني يا دكتور! بنتي جرالها إيه؟! أرجوك قولي إنها كويسة!”

الدكتور بصلي بأسى وتنهد: “هي عندها هبوط حاد في الدوره الدموية، وأنيميا شديدة جداً وصلت لمرحلة الخطر، ده غير إرهاق عصبي وبدني كامل. البنت دي مش بتاكل يا حاج، وجسمها مستهلك تماماً. احنا علقنا لها محاليل وأكياس دم، والحمد لله لحقناها في أخر لحظة.. بس هي محتاجة راحة تامة واهتمام، وإلا قلبها مش هيستحمل المجهود ده تاني.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى