Uncategorized

حكايات اسما 3

مرت أسابيع قليلة، والشركة كانت بتشهد طفرة غير مسبوقة. شراكاتنا الجديدة مع المجموعات الاستثمارية في لندن ودبي اتحولت لواقع ملموس على الأرض، وبقى اسمي مرتبط بأهم مشاريع التصميم المعماري الحديث والتطوير العمراني في المنطقة.

في يوم، كنت قاعدة في مكتبي براجع تصاميم الجناح الجديد لمؤتمر شرم الشيخ، ودخل مهاب وبإيده مجلة اقتصادية محلية شهيرة، وفتحها على صفحة الغلاف وحطها قدامي على المكتب بابتسامة واسعة.

بصيت للغلاف، ولقيت صورتي وأنا واقفة بثقة في قصر المعارض بباريس، وتحت الصورة عنوان بخط عريض: **”من ركام التحديات إلى قمة النجاح.. قصة صعود سيدة الأعمال التي أعادت كتابة قواعد التصميم في الشرق الأوسط.”**

قرأت السطور الأولى اللي كانت بتتكلم عن رحلة الكفاح، والإصرار، وإزاي البدايات البسيطة ممكن تتحول لإمبراطورية ناجحة لو وراها إرادة حقيقية. حسيت بغمرة سعادة وامتنان لكل لحظة تعب عدت عليا، لأنها هي اللي صنعت الشخص اللي أنا عليه دلوقتي.

مهاب قعد على الكرسي المقابل وقال بجدية لطيفة: “المقال ده عمل ضجة كبيرة في السوق، ومن الصبح والتليفونات ما بتبطئش اتصالات من وزراء ورجال أعمال كبار بيطلبوا تعاون حصري معانا في المشاريع القومية الجاية.”

ابتسمت وأنا بقفل المجلة بهدوء: “ده معناه إن المسئولية بقت أكبر يا مهاب، وإننا محتاجين نضاعف المجهود عشان نفضل عند حسن ظن الناس دي كلها.”

في اللحظة دي، تليفون المكتب الأرضي رن. رفعت السماعة، وسكرتيرتي قالت بصوت متردد شوية: “يا فندم، في شخص برّه في الاستقبال مصمم إنه يقابل حضرتك، وبيقول إنه محتاج دقيقة واحدة ضروري، واسمه… طارق.”

اسم طارق نزل على ودني وكأنه صدى من عالم بعيد. طليقي! الراجل اللي كان في يوم من الأيام بيحاول يكسر جناحاتي ويحطمني بكلماته المتعالية، بقى واقف برّه، ذليل ومنكسر، بيدور على طوق نجاة من نفس الست اللي كان بيستهتر بيها.

مهاب لاحظ تغير ملامحي البسيط، فبص لي وقال: “في حاجة؟ مين برّه؟”

هزيت رأسي بهدوء، ورجعت ضهري لورا على كرسي الإدارة، وبصيت من شواف مكتبي الواسع اللي بيكشف العاصمة الإدارية والتجمع الخامس كله قدامي.

قلت لصوت الهادئ والثابت: “قولي له يدخل يا فندم.”

الباب اتفتح ببطء، وظهر طارق واقف على عتبة المكتب. منظره كان مختلف تمامًا عن الشخص اللي شفته على الطيارة أو اللي كان بيتعالى عليّا زمان. البدلة اللي كان لابسها بقت باينة عليها علامات الإرهاق، وشعره متلخبط، وعينيه تايهة وخايفة تبص في عيني مباشرة. كان واقف قدامي كأنه ظل للشخص المغرور اللي كان فاكر إنه امتلك الدنيا.

فضل واقف مكانه لحظة مش عارف ينطق، لحد ما مهاب بص له برفعة حاجب وقال بنبرة رسمية: “أظن حضرتك في اجتماع مهم، والوقت محسوب بدقة. لو عندك طلب، ياريت تختصره.”

طارق بلع ريقه بصعوبة، ونقل عينه بيني وبين مهاب، وبصوت متردد ومهزوز قال: “أنا… أنا أسف إني جيت من غير موعد… بس مكنش قدامي أي حل تاني.”

قعدت على كرسي المكتب، وشبكت إيدي قدامي بهدوء تام، وبصيت له بنظرة ثابتة خالية من أي غضب أو تشفي، وقلت: “خير يا طارق؟ إيه اللي جابك هنا؟”

غمض عينه لحظة كأنه بيحاول يجمع ما تبقى من كرامته المهشمة، وقال بصوت مكتوم: “عرفت باللي حصل… وعرفت إن شركتك بقت هي المسيطرة على السوق، وإن اسمك بقى فوق الكل. أنا… أنا خسرت كل حاجة يا أماني. الشغل اللي برّه ضاع، والفلوس راحت، وراكمت ديون بالملايين، والناس اللي كنت فاكرهم أصحاب وقت الحبايب طاروا أول ما وقعت.”

سكت ثواني، وبعدين قرب خطوة لقدام ونبرة صوته اتحولت لتوسل: “أنا عارف إني ظلمتك زمان، وإني كنت قاسي وبشع في كلامي معاكي.. بس علشان أيامنا مع بعض، أرجوكِ… سامحيني، وساعديني ألاقي فرصة عمل في شركتك، أي منصب حتى لو صغير… أنا مستعد أشتغل عامل عندك، بس أنقذيني من السجن والضياع!”

المشهد كان قاسي، لكن الأقسى منه هو إن الواحد يشوف قدامه إنسان بنى حياته كلها على استصغار غيره، لحد ما الدنيا دارت ورمته تحت ترجل نفس الشخص. مهاب كان باصص له باستنكار، وسايبني القرار بالكامل.

رجعت بظهر لورا، وخدت نفس عميق، وبعدين بصيت لطارق نظرة أخيرة وقلت بهدوء شديد:

“يا طارق… أنت فاكر إن الانتقام هو إن الواحد يشمت فيك، بس الحقيقة عكس كده تمامًا. الانتقام الحقيقي هو اللحظة دي، وأنت واقف قدامي بتطلب فرصة من الست اللي كنت بتقول عليها زمان إنها مش هتوصل لحاجة.”

وشه اتقلب للون الأبيض، ونزل راسه في الأرض وهو حاسس بقمة الانكسار.

كملت كلامي بنبرة حازمة وحاسمة: “أما بالنسبة للشغل في شركتي، فشركتي دي اتبنت على أساسين أساسيين: الكفاءة العالية… والأخلاق والتقدير للناس. والاتنين دول عمرهم ما كانوا متوفرين عندك. الفرص في الدنيا بتيجي للناس اللي بتتعمل بجد، مش للناس اللي بتقعد تهدم في غيرها.”

وقفت من على الكرسي، ورفعت راسي بثقة، وبصيت لمهاب وقلت: “من فضلك يا مهاب، اطلب الأمن يوصلوا الراكب القديم ده لحد برّه… ورانا اجتماع مهم مع المستثمرين، ومش فاضيين نضيع وقت في الماضي.”

طارق ما نطقش ولا بحرف واحد. اتهزم تمامًا، ولف ضهره، وخرج بخطوات بطيئة وثقيلة، ودموعه سبقت خطاه، وهو واعي أخيرًا إن الحاجة الوحيدة اللي ضاعت منه للأبد، مش فلوسه ولا منصبه، دي كانت إنسانة حقيقية مكنش يعرف قيمتها غير لما بقت بعيدة عن سماه بكتير.

النهاية ما كانتش مجرد فصل اتقفل، دي كانت البداية الحقيقية لكل حاجة حلوة استاهلها بعد سنين التعب والصبر.

بعد مغادرة طارق، رجعت قعدت على كرسي الإدارة، ولقيت مهاب بيبصلي بابتسامة إعجاب واحترام وقال: “بصراحة؟ كنت مستني تشوفي الموضوع بكرامة أكتر، بس طريقتك في التعامل معاه كانت أقوى وأبلغ درس ممكن يتعلمه في حياته.”

ابتسمت بهدوء وقلت: “الناس اللي زي دول مش محتاجين عقاب.. كفاية عليهم إنهم يشوفوا الحقيقة اللي هما بنفسهم هربوا منها. يلا بينا، قاعة الاجتماعات مستنيانا، والمشاريع الجديدة اللي ورانا أهم بكتير.”

دخلنا قاعة الاجتماعات، وكان قاعد فيها كبار المستثمرين والمسؤولين عن أكبر مشاريع التنمية العمرانية والتصميم في مصر والمنطقة العربية. أول ما دخلت، الكل وقف باحترام وتقدير، وبدأت أعرض الرؤية الهندسية والفنية للمشروع القومي الجديد اللي شركتنا هتقوده بالكامل. كلامي كان واثق، ورؤيتي كانت واضحة ومحددة، وكل نظرة حواليا كانت بتعكس مدى الثقة الكبيرة اللي اتحطت في اسمي.

خلص الاجتماع بتوقيع العقود النهائية، وبقى اسم شركتنا هو العنوان الأبرز في كل المجلات والصحف الاقتصادية الكبرى.

مرت الأيام، وبقيت ببص من شباك مكتبي العالي على العاصمة الإدارية الجديدة، وأنا حاسة بسلام داخلي عميق. فهمت أخيراً إن الوجع اللي بندوقه في طريقنا مش بيكون عشان يكسرنا، بالعكس.. بيكون الحافز الأكبر اللي بيبني جوانا نسخة أرقى وأقوى بكتير من اللي كنا نتخيلها.

الحياة مش بتوقف عند شخص هان عليه تعبنا، ولا عند محطة ظننا في يوم إنها نهاية العالم.. الحياة بتستمر، وبتكافئ دايماً كل إنسان صبر واشتغل وآمن بحلمه لآخر لحظة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى