Uncategorized

ابني قالي: «مفيش مكان ليكي 3

رفضت سعاد مقابلة محامي كريم بمفردها، وطلبت منه التوجه مباشرة إلى مكتب الأستاذ عبد العزيز في المنصورة. كانت السماء تمطر بغزارة في ذلك المساء، ورائحة الأرض المبتلة تعيد لسعاد ذكريات سنوات طوال قضتها بجانب زوجها الراحل حسن، الرجل الذي كان يعمل ليل نهار ليؤمن لها ولابنهما حياة كريمة، ولم يكن يخطر بباله يوماً أن الشجرة التي غرسها وسقاها بعرقه ستثمر شوكاً يدمي يد زوجته.

في مكتب الأستاذ عبد العزيز، كان المحامي الجديد الشاب يجلس والتعرق يكسو جبهته. جلب معه ملفاً ضخماً حاول أن يبسطه على الطاولة، موجهاً حديثه بثبات مصطنع نحو سعاد التي كانت تجلس بثوبها الأسود وشالها الموف، هادئة كالماء الساكن، وقوية كالجبل.

مقالات ذات صلة

بدأ محامي كريم حديثه بنبرة استعطاف مجهزة:

— “يا سعاد هانم، أنا مش جاي بصفتي محامي الخصم، أنا جاي بصفتي رجل قانون يقدر قيمتك ويحترم كبر سنك ومكانتك. كريم موكلي في حالة نفسية وصحية صعبة جداً في التخشيبة. الولد نادم، وبيبكي دم بدل الدموع. نيرمين ووالدها هما اللي جرّوه للمستنقع ده، وهو استوعب الدرس. إحنا المعروض من ناحيتنا مش مجرد تنازل بسيط، كريم ومستعد يكتب لك شقة التجمع بالكامل باسمك، ويتنازل عن أي حق في تركة والده، مقابل إنك تقدمي طلب تنازل عن الشق الجنائي في قضية التزوير ومحاولة الاقتحام والشروع في الحجر.”

ابتسم الأستاذ عبد العزيز ابتسامة ساخرة وهو يقلب أوراق الملف، وقال دون أن ينتظر رد سعاد:

— “عرض لطيف يا أستاذ، بس أنت عارف وأنا عارف إن شقة التجمع عليها أقساط متأخرة وديون للبنك، وحضرتك عايز تورّط سعاد هانم في ديون كريم بعد ما سرقها! ثانياً، قضية التزوير والشروع في الحجر وإصدار تقرير طبي مزور دي قضايا فيها شق عام ومساس بالأمن والمؤسسات الطبية، والتنازل فيها مش بالبساطة اللي أنت متخيلها. كريم ونيرمين ووالدها متهمين في جناية مكتملة الأركان.”

التفتت سعاد إلى المحامي، ونظرت في عينيه مباشرة، وقالت بصوت هادئ هز أركان الغرفة:

— “أستاذ.. أنت بتقول كريم نادم؟ كريم الندم ما جاش في قلبه لما سابني في الشارع وقال لي مفيش مكان ليكي في العربية. كريم الندم ما جاش في قلبه لما مضى على الورقة اللي بتقول يفتشوا أوضتي ويترد الباب عليّ في دار رعاية وأنا بكامل عقلي! الندم اللي في عين كريم دلوقتي اسمه ‘خوف من السجن’، ومش هو ده الندم اللي يرجع الحقوق. تنازل مش هتنازل، والقانون ياخد مجراه لحد آخر نفس في عمري.”

خرج المحامي يجر أذيال الخيبة، تاركاً خلفه إنذاراً صريحاً بأن القضاء هو الفيصل الوحيد.

خلال الأيام التالية، بدأت الاستعدادات لأولى جلسات محكمة الجنايات بالتجمع الخامس. كانت القضية قد تحولت إلى حديث الساعة في أروقة المحاكم، نظراً لبشاعة التهم الموجهة للابن وزوجته ووالدها، واجتماع خيانة الأمانة مع التزوير والتآمر العائلي.

في يوم الجلسة، امتلأت القاعة بوالدي نيرمين، وأقارب حسن الذين حضروا من المنصورة والمحلة لدعم سعاد، بجانب وسائل الإعلام والمحامين المتضامنين.

أُدخل المتهمون إلى قفص الاتهام. كان كريم يرتدي ملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب، وشعره غير مرتب، ينظر إلى الأرض بعار. أما نيرمين، فقد فقدت كل مظاهر التأنق والكبرياء، وكانت تجلس في زاوية القفص تبكي بهستيريا، بينما كان والدها يقف واجماً ينظر إلى الفراغ بعد أن أدرك أن ثروته ومكانته المالية قد انهارت بالكامل عقب التحفظ على أمواله وممتلكاته.

أنصتت المحكمة برئاسة المستشار إلى هيئة الدفاع. وقف الأستاذ عبد العزيز، وألقى مرافعة تاريخية هزت أركان القاعة:

— “سيادة الرئيس، حضرات المستشارين الأجلاء.. إننا لا نقف اليوم أمام جريمة مالية مجردة، ولا أمام اختلاف على إرث أو عقار. إننا نقف أمام أبشع صور الخيانة الإنسانية؛ ابن استبدل أحضان أمه ببرودة السجن، وباع شرف الرحم من أجل لعاعة من الدنيا. استغل كبر سنها، وحبها اللامحدود له، ليحيك مع زوجته ووالدها مؤامرة شيطانية هدفها ليس فقط سلب أموالها، بل سلب عقلها وكرامتها وإلقاؤها في طي النسيان في دار رعاية وهي بكامل قواها العقلية! إن التقرير الطبي المزور المطروح أمامكم لم يكن مجرد ورقة، بل كان مقصلة أرادوا بها إعدام هذه السيدة الفاضلة حية!”

قدم عبد العزيز التسجيلات، والرسائل الصادرة من تطبيق العيلة، وكشوف التحويلات البنكية، وشهادة الأطباء الذين أثبتوا سلامة القوى العقلية لسعاد، بجانب الاعترافات التفصيلية التي أدلى بها المتهمون في تحقيقات النيابة.

حين جاء دور كريم للحديث أمام القاضي، خرج من القفص مكسوراً، وتلعثم صوته بالبكاء:

— “يا سيادة القاضي.. أنا غلطت، شيطاني وزوجتي ووالدها ضللوني.. أنا بطلب العفو من أمي، رجليها فوق رأسي، مستعد أكون تحت جزمتها طول عمري بس تسامحني وما تخلينيش أضيع بعيد عن عيالي!”

نظر القاضي إلى سعاد المتواجدة في مقاعد المجني عليهم، وسألها بوقار:

— “هل لديكِ كلمة أخيرة تودين إضافتها يا حاجّة سعاد؟”

وقفت سعاد بكل هيبة، ونظرت إلى ابنها في القفص، ثم وجهت كلامها للقاضي:

— “سيادة القاضي.. أنا أم، وقلب الأم ما بيكرهش ابنه. بس أنا اليوم مش جاية بصفتي أم كريم، أنا جاية بصفتي سعاد، الست اللي عاشت بشرف، وحفظت مال جوزها المرحوم حسن، والست اللي اتهانت وأتقال لها مالكيش مكان معانا. أنا سبت حقي لحكمكم العدل، عشان يكون درس لكريم ولغير كريم، إن الأم مش ورقة يتمسح بيها الوسخ وبعدين تترمى في الزبالة.”

عم الصمت القاعة، وأُعلنت رفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم.

في الاستراحة، اقتربت نيرمين من سعاد تحت حراسة الشرطة، وحاولت تقبيل يدها وهي تنتحب:

— “يا طنط سعاد، عشان خاطر يوسف وملك! بلاش تدمري مستقبلي ومستقبل كريم! العيال بيموتوا كل يوم من غيرنا!”

سحبت سعاد يدها بهدوء وقالت:

— “يوسف وملك في عينيا وفي أمان معايا ومع أهل حسن، هيرتبوا ويتعلموا الأصول اللي أنتِ وكريم ما عرفتوش تعلموها لهم. بلاش تتاجري بالعيال دلوقتي، لأنك لما كتبتي الورقة بتاعة التفتيش والدار، ما فكرتيش في العيال ولا في مشاعرهم.”

وبعد ساعتين من المداولة المعقدة، عادت الهيئة إلى المنصة. وقف الجميع في القاعة في حالة حبس أنفاس شاملة.

نطق رئيس المحكمة بحكمه التاريخي:

* السجن المشدد 7 سنوات لكريم حسن، عن تهم التزوير في محررات رسمية، وخيانة الأمانة، والشروع في سلب الحرية.

* السجن المشدد 5 سنوات لنيرمين أحمد، بتهمة الاشتراك والتزوير والاستيلاء على أموال بطرق احتيالية.

* السجن المشدد 3 سنوات لوالد نيرمين، بتهمة التستر والتزوير والمشاركة في استيلاء على أموال غير مشروعة.

* إلزام المتهمين متضامنين برد مبلغ المليون و600 ألف جنيه، بالإضافة إلى رد كافة المستندات والوثائق المالية الخاصة بتركة المرحوم حسن، مع التحفظ النهائي على قطعة الأرض لصالح سعاد.

* إلغاء كافة العقود والتوكيلات الصادرة باسم كريم أو نيرمين والمتعلقة بأي ممتلكات تخص سعاد.

انهارت نيرمين وسقطت مغشياً عليها فور سماع الحكم، بينما أجهش كريم بالبكاء وهو يصرخ باسم أمه التي التفتت بخطوات ثابتة وغادرت القاعة دون أن تنظر للخلف.

عادت سعاد إلى المنصورة، فتحت حساباً بنكياً جديداً، وأعادت تسوية أموالها ووثائق الاستثمار التي تركها زوجها الراحل حسن. قامت بتعيين وصاية قانونية لحماية أحفادها يوسف وملك، ونقلتهم للعيش معها في المنصورة ليتلقوا تعليمهم ورعايتهم تحت مظلتها.

في إحدى الأمسيات الشتوية، كانت سعاد تجلس في صالة شقتها بالمنصورة، يوسف يجلس بجوارها يراجع دروسه، وملك تجلس على الجانب الآخر تبتسم وهي تساعدها في غزل الصوف.

نظر يوسف إلى جدته وقال بصوت دافئ:

— “تيتة.. أنتِ مش زعلانة مننا؟”

ضمت سعاد يوسف وملك إليها، وقالت وهي تنظر إلى صورة حسن المعلقة على الحائط:

— “أنا عمري ما أزعل منكم يا حبيبي.. أنا بس زعلت إن الوقت فات قبل ما تفهموا إن البيت اللي ما فيهوش بر للوالدين، هو بيت ملوش سقف يحميه من المطر.”

لكن ورغم صدور الحكم وتنفيذ الأحكام القضائية، ورد كافة الحقوق المالية لسعاد، تلقت بعد عدة أشهر خطابات غير متوقعة من إدارة السجن تنبئ بمستجدات جديدة تخص وضع كريم الصحي، وتطورات درامية لم تكن في الحسبان…

استلمت سعاد الخطاب الصادر من إدارة سجن طرة عبر البريد المسجل. كانت يدها ترتجف وهي تفتح الظرف الأسمر، بينما كان الأستاذ عبد العزيز يجلس أمامها في شقة المنصورة، يتابع ملامح وجهها بقلق.

كان الخطاب يحمل إخطاراً رسمياً من المفتش الطبي للسجن، يفيد بنقل كريم إلى مستشفى السجن في حالة صحية حجة، إثر إصابته بنوبة قلبية حادة وفشل كلوي مفاجئ، وأن حالته تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً وتوفير دعامات باهظة الثمن، فضلاً عن حاجته لغسيل كلي دوري. وفي ختام الخطاب، أرفق كريم رسالة بخط يده الضعيف المرتعش، يسترحم فيها أمه ويطلب رؤيتها للمرة الأخيرة قبل إجراء العملية التي أكد الأطباء أن نسبة نجاحها لا تتعدى ثلاثين بالمئة.

في تلك الأثناء، كانت نيرمين تقضي عقوبتها في سجن النساء بالقناطر، وقد وصلتها أخبار تدهور حالة زوجها. أرسلت عبر محاميها الجديد استغاثة ملحة لسعاد، ترجوها فيها أن تستخدم نفوذها المالي والجامعي لعلاج كريم، وتطلب منها الصفح والتنازل عن باقي التعويضات المالية لتوفير مصاريف العلاج.

نظر الأستاذ عبد العزيز إلى سعاد وقال بنبرة هادئة:

— “يا سعاد هانم، القانون نُفذ وكريم بياخد عقوبته. لكن الإشراف الطبي في السجن محتاج موافقتك ومساعدتك المالية لو عايزة تنقليه لمستشفى خاص تحت الحراسة. القرار ده بتاعك إنتِ وحدك كأم.”

أغمضت سعاد عينيها لثوانٍ طويلة. مرت أمام ذاكرتها صور كريم الصغير، صرخاته الأولى حين ولد، وابتسامته وهو يركض نحوها بعد المدرسة، ثم تداخلت الصور مع مشهد ليلة المشويات، وكلامه القاسي: «مفيش مكان ليكي في العربية»، والورقة الخبيثة التي كتب فيها «نفتش أوضتها قبل ما نخرج».

قالت سعاد وهي تنهد بعمق:

— “عبد العزيز.. أنا أخذت حقي بالقانون وما ظلمتوش، بس أنا مش ربنا عشان أحرمه من العلاج أو أخليه يموت من غير ما يشوف ولاده. أجهز السفر للقاهرة فوراً.”

في اليوم التالي، وصلت سعاد برفقة الأستاذ عبد العزيز والأحفاد يوسف وملك إلى مستشفى السجن بالقاهرة. كانت أجواء المستشفى كئيبة، ورائحة المعقمات تملأ المكان. سمحت الحراسة لسعاد بالدخول بمفردها أولاً إلى غرفة العناية المركزة.

كان كريم يرقد على السرير الأبيض، أجهزة التنفس الاصطناعي تحيط به من كل جانب، ووجهه الشاحب الغائر لا يحمل أي ملمح من ملامح ذلك الشاب المغرور الذي كان يلف مفاتيح السيارة بيده.

حين فتح عينيه ورأى أمه تبكي بهدوء عند رأس كرسيه، انفجر في البكاء وصوته يخرج متقطعاً من تحت القناع:

— “ماما.. إنتِ جيتي؟ بعد كل اللي عملته فيكي جيتي؟”

لم تتكلم سعاد في البداية. وضعت يدها الدافئة على جبينه المبتل بالعرق الشديد، ونظرت في عينيه بحنان الأم الذي لم يستطع السجن أو الغدر أن يمحوه بالكامل، وقالت بصوت خفيض:

— “جيت يا كريم.. جيت عشان أنا أمك، وعشان حسن الله يرحمه ما كانش يرضى يسيبك كده.”

قال كريم وهو يمسك يدها بكل ما تبقى له من قوة:

— “سامحيني يا ماما.. والله العظيم نيرمين وأبوها غما عينيا، بس أنا اللي أذنبت في حقك.. أنا اللي كتبت الورقة بإيدي.. أنا اللي قلت لك مفيش مكان في العربية.. ودلوقتي أنا ماليش مكان في الدنيا كلها غير تحت رجليكي.”

ردت سعاد بثبات:

— “أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا كريم على حقي الشخصي.. بس الدرس كان لازم تاخده. الفلوس اللي أخذتها هتدفع منها مصاريف مستشفاك وعلاجك، ولادك في عينيا وفي أمان، وبيدرسوا ومبسوطين معايا في المنصورة.”

دعت سعاد يوسف وملك للدخول. انهمرت الدموع في الغرفة وحضن كريم أولاده وهو يعتذر لهم عن العار والغياب الذي تسبب فيه لهما.

في نفس اليوم، وقّعت سعاد على جميع الأوراق المالية اللازمة لنقل كريم إلى مركز جراحة القلب المتخصص تحت الحراسة، وتكفلت بجميع المصاريف من أموال التركة التي استردتها.

وبينما كان كريم يُجهز للدخول إلى غرفة العمليات الكبرى بين الحياة والموت، تلقت سعاد اتصالاً هاتفياً مفاجئاً من محامي نيرمين، يبلغها بشرارة درامية جديدة: نيرمين في السجن قررت التفاوض مع النيابة وتقديم أوراق سريّة جديدة تتهم فيها والدها وشقيقها بتدبير عمليات اختلاس أكبر وتوريط كريم دون علمه بكافة التفاصيل، ممثلة كارت الضغط الأخير لإعادة محاكمتهم جميعاً!

حبست سعاد أنفاسها وهي تستمع لنبرة المحامي الشاب عبر الهاتف، لكنها هذه المرة لم تشعر بأي ارتباك أو خوف. كانت المستندات السرية التي قدمتها نيرمين للنيابة بمثابة رصاصة الرحمة على المخطط بأكمله؛ فقد كشفت التحقيقات الجديدة أن والد نيرمين وشقيقها استغلا ضعف كريم وجهله بالقوانين لتوريطه في توقيع إيصالات وأوراق مالية جعلته يبدو كمخطط رئيسي، بينما كانت الاستفادة الكبرى والأموال المنهوبة تتسرب لجيوبهم الخاصة.

بناءً على هذه الأدلة الجديدة، قامت محكمة النقض بإعادة توزيع المسؤوليات القانونية؛ فتم تغليظ العقوبة على والد نيرمين وشقيقها، بينما خُففت العقوبة عن كريم ونيرمين نظرًا لرد الأموال بالكامل وتقديم المستندات التي كشفت الشبكة الإجرامية.

مرت الأشهر ثقيلة، لكنها كانت محملة بالشفاء والتطهير. نجحت عملية كريم الجراحية بفضل التجهيزات الطبية التي وفرتها له سعاد من أموال التركة. وفي غضون عامين، وبعد قضاء فترة العقوبة المخففة وتحسن حالته الصحية، خرج كريم من السجن إنسانًا آخر؛ انسانًا كسر السجن غروره، وصقلت النكبات روحه، وأعادته المعاناة إلى رشد الحقيقي.

خرج كريم من بوابات السجن متوجهًا مباشرة إلى المنصورة، لا يملك من حطام الدنيا شيئًا سوى ندامته ورغبته في الغفران.

في عصر يوم جمعة مشمس، كانت سعاد تجلس في بلكونة شقة المنصورة القديمة، ويوسف وملك يلعبان في الصالة بصحبة الأستاذ عبد العزيز الذي أصبح بمثابة العراب والعائل الحامي للعائلة.

طرُق الباب بهدوء. فتح يوسف الباب ليجد والده يقف عند العتبة، نحيفًا، حاسر الرأس، يحمل في يده باقة صغيرة من الزهور المفضلة لأمه، وعيناه تغرقان في الدموع.

ركض يوسف وملك إلى حضنه، لكن كريم جثى على ركبتيه فورًا واعتصرهم في عناق طويل، ثم تقدم بخطوات بطيئة نحو البلكونة، وسقط عند قدمي أمه سعاد، يمرغ وجهه في يدها وبكاؤه يتردد في أرجاء المنزل:

— “سامحيني يا ماما.. رجعت لك من غير مال ولا جاه ولا عربية.. رجعت لك ابنك اللي ولدتيه من جديد.”

وضعت سعاد يدها على رأسه، ومسحت على شعره بنفس الحنان الذي رافقه طفلاً، وقالت بصوت هادئ ومفعم بالحكمة والسكينة:

— “قم يا كريم.. اللي فات مات، والقانون أخد حقه، والدنيا علمتك الدرس اللي كان لازم تتعلمه. الفلوس بتروح وترجع، بس الكرامة والرحمة لو راحوا مابيرجعوش.”

انضمت نيرمين بعد انقضاء عقوبتها إلى الأسرة في المنصورة، ولكن بشروط سعاد وقواعدها؛ بيت يتأسس على الاحترام، والبر، والرضا، وطي صفحة الجشع والطبقية الزائفة إلى الأبد.

في ليلة رأس السنة الجديدة، اجتمعت العائلة كلها في صالة شقة المنصورة. كان كريم يجهز العشاء بنفسه، ونيرمين تساعد سعاد في تحضير الشاي، والأحفاد يضحكون ويلتقطون الصور.

وقف كريم ومسك هاتفه ليلتقط صورة العائلة. هذه المرة، لم ينسَ أحدًا. كانت سعاد تجلس في المنتصف، ترتدي بلوفرها الموف الفاتح، تحيط بها ذراع ابنها وأحفادها، وابتسامتها الصافية تملأ الكادر.

نظر كريم إلى أمه وابتسم وهو يلف مفاتيح الشقة في يده، ثم قال بصوت يملؤه الامتنان والدفء:

— “يا ماما.. العربية والشقة والعمر كله.. مفيش فيهم مكان أغلى ولا أهم من مكانك.”

ابتسمت سعاد، ونظرت إلى السماء ممتنة لرحلة الألم التي أعادت لها ابنها وعائلتها بلحمة أقوى وصفاء خالص، وتأكدت أن الحق وإن تأخر، فإنه دائمًا يجد طريقه إلى النور.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى