
بصيت لحماتي بثبات شديد، وبكل برود وقفت مسندة على إفريز الباب وقلتلها:
— إنتِ زي أمي فعلاً يا حماتي، وعشان إنتِ في مقام أمي، أنا نزلت بأهلي تحت وسترت عليكي وما رضيتش أكسرك قدامهم وأقولهم إن الأكل اللي بتعزموهم عليه أنا اللي واقفة طول النهار بطبخ فيه على رجلي ورخامتي وأنا جوه الحمام!
حماتي اتسمرت مكانها، عينيها وسعت وشفايفها بدأت تترعش من كتر الغيظ والتفاجؤ من رد فعلي. كانت فاكرة إنها لما تطلع وتهاجمني وتعمل نفسها الزعلانة أنا هترعب وأبوس إيدها وأتأسفلها، لكن هي ما كانتش حسابة حساب للثبات اللي بقيت فيه.
قالتلي وهي بتحاول تعلي صوتها عشان ترهبني:
— إنتِ بتسمي مساعدتي ليكي وسرقتي للأكل يا قليلة الأدب؟! أنا كنت عايزة أوجب مع أهلك وأكبر بيكي وأخليهم ياكلوا في بيتي الكبير تحت، تقوم تصغريني وتدخلي مطبخي تطنشي وجودي وتاخدي الصواني من الفرن كأني شغالة عندك؟!
ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلتلها:
— توجبي معايا؟ التوجيب يا حماتي بيكون بالاستئذان.. مش تدخل الشقة بالمفتاح الاحتياطي من غير ما أعرف، وتشيلي الشقا والتعب كله وتنزلي بيه، وتسيبيني أخرج من الحمام أفتكر إن جالي آلزهايمر أو إن شقتي اتقرأت! لو كنتِ استأذنتي، كنت هعمل حسابك وحساب البيت كله تحت.. لكن تدخلي شقتي غفلة وأنا جوه أستحمى؟ دي اسمها حاجة تانية خالص أنتِ عارفاها كويس، وأنا لولا إني بأمن لعشرة ابنك، كنت عملت مشكلة قدام أهلي تخلي البيت ده كله سيرته على كل لسان!
حماتي وشها جاب ألوان، ومن كتر ما اتقهرت إن حيلتها ما جابتش نتيجة، زقت الباب بأيدها وكانت عايزة تعدي وتدخل الشقة بالعافية وهي بتزعق:
— أنا أدخل شقة ابني وقت ما أنا عايزة! الشقة دي بنيناها بفلوسنا، والمفتاح ده معايا من يوم ما اتجوزتي، ولا إنتِ فاكرة إنك لما تفتحي شقة فوق هتعملي عليا ملكة؟!
وقفت في وشها على الباب وما سمحتلهاش تخطي خطوة واحدة جوه، وقلتلها بصوت واطي بس يرعب:
— الشقة دي شقة ابنك وبفلوسه، بس حرمتها وحرمة ناسي فيها بوجودي أنا! وخطوة واحدة جوه الشقة دي من غير إذني مش هتحصل.. والمفتاح الاحتياطي اللي معاكي ده، خلاص.. مابقاش ليه أي لازمة من النهار ده.
في اللحظة دي بالذات، سمعنا صوت خطوات سريعة وطالعة على السلم بنرفزة.. جوز حاتم (جوزي) كان وصل!
دخل وطالع يجري، ووراه راجل شايل شنطة أدوات متينة.. النجار!
حماتي أول ما شافت ابنها وشافت النجار وراه، شهقت بتمثيل وحطت إيدها على قلبها وبدأت تصوت بصوت واطي:
— تعالي شوف مرتك يا حاتم! تعال شوف اللي جايبة راجل غريب على السلم وجايبة نجار عشان تغير كالون الشقة اللي أبوه بانيها من عرق جبينه! بتطردني من شقتك يا ابن عمري؟!
حاتم كان بينهج، بص لأمه وبصلي، وكان باين عليه التشتت والضغط النفسي الرهيب. أمه بتعيط وبتمثل مظلومية، وأنا واقفة متسمرة بموقفي وببصلهم بمنتهى الهدوء.
حاتم قرب مني وقال بنبرة حادة محاولة منه لإثبات شخصيته قدام أمه والنجار:
— إيه يا فلانة اللي بيحصل ده؟! إنتِ طلبتِ نجار بجد؟ إزاي تطلبي طلب زي ده وتعملي مشكلة وأنا مش موجود؟! وموضوع الأكل ده إيه الهبل ده، أمي تأخد الأكل ليه يعني؟!
أنا ما اتوترتش، ولا عليت صوتي. بصيت للنجار وقلتله بصوت محترم:
— اتفضل يا أسطى اتفضل استنى ثانية في الصالة.
وبعدين بصيت لحاتم وقلتله ونبرتي ثابتة زاي الصخر:
— حاتم.. إنت راجل البيت، وأنا احترمتك وما عملتش دوشة قدام أهلي ولا فضحت الحركة دي قدامهم.. أمك دخلت شقتنا بالمفتاح اللي معاها وأنا جوه الحمام بتدش، أخدت كل الصواني والغدا اللي طبخته لأهلي ونزلته تحت في فرنها، وسابتني أخرج ألطم وأحار في أمري قدام أهلي اللي كانوا على الباب! ولما نزلت لقيت الأكل مستخبي في الفرن تحت وصواني في مطبخها! لو أنت شايف إن ده عادي، وإن شقتك وحرمة مراتك اللي جوه الحمام تتفتح وتتسرق كده عيني عينك.. يبقى النجار ده مالوش لازمة فعلاً، بس أنا شنطتي جاهزة وهنزل معاه دلوقتي حالا على بيت أهلي ونسيبلك البيت بالطول وبالعرض!
حاتم اتصدم ووقفت الكلمة في زوره. بص لأمه وقالها بذهول وصدمة:
— أمي.. الكلام ده حصل بجد؟! إنتِ دخلتي الشقة وهي جوه الحمام وأخدتي الأكل كله نزلنيه تحت؟!
حماتي ارتبكت ولجلجت في الكلام:
— يا بني أنا.. أنا كنت عايزة أجمعهم تحت ونغديهم سوا، وقيلت بدل ما تتعب فوق تنزل الأكل..
حاتم قاطعها بصوت حزين ومصهود من الإحراج:
— تنزلي الأكل من غير ما تعرفيها وهي في الحمام؟! تأخدي صوانيها وتسيبها تحتار قدام أهلها؟! ليه يا أمي كده؟! دي كانت عزومة أهلها هي! إنتِ كده بتصغريني أنا قبل ما تصغريها هي!
حماتي لما لقيت ابنها مش واقف في صفها، تحولت للغة الهجوم والندب:
— بقى كده يا حاتم؟! بتصدق مرتك وتوقفها قصاد أمك اللي ربتك؟! عشان حتة أكل وشوية بشاميل تبيع أمك؟! ماشي يا حاتم.. الشقة دي ماعدتش داخلتها، والمفتاح أهو!
رمت المفتاح الاحتياطي على الأرض بغل وبصتلي بصة كلها شر وقالتلي:
— افتكري إنك قومتِ الابن على أمه يا هانم.. والبيت ده مش هيعدي فيه يوم حلو بعد النهار ده!
نزلت حماتي وهي بتدب برجلها على السلم وبتدعي وتزعق.
حاتم بص للمفتاح المرمي على الأرض، ونزل جابه وهو حاسس بقلة الحيلة والكسرة، وبعدين بص للنجار وقال بقلة حيلة:
— اتفضل يا أسطى.. غير الكالون وركب الترباس.
النجار غير الكالون وركب ترباس حديد متين من جوه. حاتم دفعله وقفل الباب وقعد على الكنبة وحاطط إيده على راسه ومخنوق.
أنا دخلت المطبخ عملت كوباية شاي وجبتها وحطيتها قدامه، وقعدت جنبه وقلتله:
— أنا ما قومتكش على أمك يا حاتم.. أنا دافعت عن كرامتي وكرامتك وعن بيتنا. اللي حصل النهار ده لو كان عدى، كان بكرة هيدخلوا ياخدوا هدومنا وأسرارنا من الشقة وأحنا نايمين.
حاتم بصلي وقال بنبرة مليانة قلق وخوف من اللي جاي:
— إنتِ فاكرة إن الموضوع خلص بتركيب الكالون ده يا فلانة؟ إنتِ ما تعرفيش أمي لما بتزعل أو تحس إن كبرياءها اتقصر بتعمل إيه.. هي مش هتسكت، وسلفتك وعمتك وكل البيت تحت هيتقلبوا علينا، واللي هيحصل الفترة الجاية هيدوقنا المر!
ابتسمتله بثبات وقلتله:
— اللي عنده حق ما ببيخافش.. وأنا مستعدة لأي حاجة.
لكن الكلام اللي حاتم قاله، ما كانش مجرد كلام خايف منه..
لأن تاني يوم الصبح على الساعة 8 صباحاً، صحينا على صوت خبط ورزع مرعب على باب العمارة تحت، وصوت صريخ وجيران طالعة.. ولما بصيت من البلكونة أشوف إيه اللي بيحصل، اتصدمت من المنظر اللي شفته تحت في الشارع!
يا ترى إيه اللي حماتي عملته تاني يوم الصبح عشان تنتقم وتكسر مناخيري قدام المنطقة كلها؟
بصيت من البلكونة وقلبي بيخبط في أضلعي، وكانت الصدمة اللي أربكت العمارة والشارع كله!
حماتي كانت واقفة في نص الشارع تحت، جايبة أختها (عمت جوزي) واثنين من جاراتنا الكبار في المنطقة، وواقفة بتصرخ وتبكي بحرقة وتلطم على خدودها بتمثيل متقن جداً، وتقول بصوت عالي جايب آخر الشارع:
— الحقوني يا ناس! تعالوا شوفوا ابن عمري اللي ربيته وكبرته، مراته قست قلبه عليا من شقته! جايبة نجار وغيرت الكالون في وشي وكأني غريبة، وقالتلي ما تحطيش رجلك هنا تاني! بقى بعد العمر ده كله أتهان في بيتي وبيتي ابني؟!
الشارع كله بدأ يتجمع، والناس تطلع في البلكونات يتهامسوا ويصورا بالموبايلات. سلفتي كانت واقفة جنبها بتحاول تهديها، بس حماتي كانت بتزود في الصريخ عشان تفضحنا وتصغرنا قدام المنطقة كلها، وتجبر حاتم إنه ينزل يبوس إيدها قدام الناس ويجبر بخاطرها، ويعاقبني أنا قدام الكل!
حاتم صحي من النوم مرعوب على الصوت، جرى على البلكونة وشاف المنظر.. وش أصفر كأنه دم، وايديه بقت ترعش من الخزي والإحراج. بصلي بعيون مليانة قهر وقال:
— شفتِ؟ شفتِ وصلت بينا لإيه؟ أنا الشارع كله دلوقتي بصصلي إني ابن عاق! أقول للناس إيه دلوقتي؟ أقولهم أصلها أخدت صواني البشاميل والجلاش من المطبخ؟! حد هيصدق الكلام ده ولا هيقولوا عليا بعت أمي عشان أكل؟!
مسكت إيد حاتم بقوة، وقلتله بثبات لوهلة ذهلته:
— حاتم! أنت راجل، وما عملتش حاجة غلط.. أومال لو ما كنتش سترت عليها قدام أهلي وداريت خيبتها كانت عملت إيه؟ إياك تنزل وتوطي راسك، أو تبان إنك مكسور! لو نزلت اتأسفتلها دلوقتي بغير حق، هتفضل طول عمرك مكسور وهي اللي هتمشي البيت ده بريموت كنترول!
حاتم بصلي وقال بصوت مخنوق:
— طب والناس اللي تحت والفضايح دي؟ هسيبها تصرخ وتلم علينا أمة لا إله إلا الله؟!
قلتله بمنتهى الهدوء:
— لأ.. إحنا ننزل سوا، وبكل هدوء وكرامة، والناس كلها هتفهم الحقيقة من غير ما نوطي صوتنا ولا نرد بالإهانة!
لبست طرحتي، ونزلت أنا وحاتم على السلم خطوة بخطوة. كل ما بنقرب من الباب الخارجي، صوت دوشة الشارع بيزيد. أول ما فتحنا باب العمارة وخرجنا، الشارع كله سكت لحظة، وحماتي أول ما شافتنا زادت في البكاء وقالت:
— أهو شفتوا؟ نازلين لي سوا! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بنت فلان، حرمتيني من ابني!
حاتم كان هيتكلم، بس أنا حطيت إيدي على كتفه بثبات، وخطيت خطوتين لقدام. بصيت لحماتي وللستات الكبار وللجيران اللي واقفين، وقلت بصوت واضح، هادي، وثابت يسمعه كل اللي واقفين:
— يا جماعة.. يا أهل الشارع والمتربيين على الأصول.. بقى يصح برضه ست كبيرة وفي مقام أمي زي حماتي، تقف في الشارع وتدعي على ابنها اللي شايلها فوق رأسه؟ بقى حاتم اللي بيتقال عليه العاق، عشان خاف على حرمة شقته ومراته؟!
عمة جوزي اتدخلت بعصبية وقالت:
— حكايات إيه وحرمة إيه يا فلانة؟! إزاي تجيبوا نجار وتغيروا الكالون أم جوزك من الشقة؟! هي دي الأصول؟!
رديت عليها بعين قوية ومن غير ما أعلي صوتي:
— الأصول يا عمتي.. إن لما أكون واقفة من الصبح أطبخ عزومة لأهلي، وأدخل أستحمى، أخرج ألاقي الشقة متفوحة بالمفتاح الاحتياطي والأكل كله مسروق ومشفوط من على الرخامة والصواني من الأفران! الأصول إن حماتي تاخد الأكل وتخفيه في فرنها تحت، عشان لما أهلي ييجوا تنزلهم عندها وتكسر نفسي وتخليني أبان مقصرة قدام أمي وأخويا! الأصول إن لما أنزل ألم الدور وأستر عليها وأخد صوانيي وأكل أهلي من غير ما أنطق بكلمة واحدة تخصها قدامهم، تطلع تاني يوم تشتكي وتعمل الفضيحة دي في الشارع؟!
الشارع كله اتهز بصمت رهيب! الستات الكبار بصوا لبعض بذهول، وعمة جوزي بصت لحماتي وقالتلها باستغراب:
— إيه الكلام ده يا أم حاتم؟! الكلام ده حصل بجد؟! أنتِ أخدتي أكل عزومة أهلها وهي جوه الحمام ورزلتِ عليها؟!




