
— أخويا عايش؟! عمر عايش وبيكلمني بنفسه؟! طب إزاي؟! وإنتوا كنتوا مخبيينه فين تسع سنين؟!
صرخ آدم الشاذلي وهو واقف في المخزن القديم، ماسك موبايله بإيد بتترعش، ودموعه نازلة على وشه لأول مرة من سنين.
كان لسه سامع صوت أخوه عمر في التسجيل.
نفس الصوت اللي افتكره نسيه.
نفس الصوت اللي كان بيناديه بيه وهو صغير:
“آدم… أخويا.”
كريم قرب منه وقال بقلق:
— آدم بيه، لازم نتصرف بسرعة. الطفل اتاخد من المستشفى، ومش عارفين مين اللي ورا الموضوع.
آدم مسح دموعه بعنف.
— اتصل بالشرطة حالًا، وابعتلهم التسجيل والرسائل، واطلب منهم يحافظوا على تسجيلات كاميرات المستشفى.
كريم هز راسه.
— حاضر يا فندم.
آدم بص للصندوق الحديد اللي قدامه.
كان مليان أوراق ومستندات وصور قديمة، وكل ورقة فيه ممكن تقلب حياة عيلة الشاذلي كلها.
وفجأة موبايله رن.
الرقم كان باسم أبوه.
آدم رد بعصبية:
— إنت عايز إيه تاني؟!
فؤاد رد بصوت هادي على غير عادته:
— عرفت إنك وصلت للمخزن يا آدم.
آدم اتجمد.
— وإنت عرفت منين؟!
— أنا عارف كل خطوة بتعملها.
آدم صرخ:
— فين عمر؟! وفين الطفل؟!
فؤاد سكت لحظة.
وبعدين قال:
— لو عايز تنقذ اللي باقي من عيلتك، ارجع القاهرة وتعالى قابلني.
— مش هقابلك غير في القسم!
فؤاد اتنهد.
— إنت فاكر إن الموضوع بالبساطة دي؟ فيه ناس أخطر مني بكتير دخلت في الحكاية.
آدم رد بحدة:
— وإنت كنت فين لما أخويا اختفى؟! لما بنته كانت بتشحت علبة لبن؟! لما سلمى كانت بتموت من الجوع؟!
فؤاد قال بصوت مكسور لأول مرة:
— أنا عملت غلطات كتير يا آدم… بس مش كل اللي حصل كان بإيدي.
آدم ضحك بمرارة.
— دلوقتي بقيت ندمان؟!
— أنا مستعد أقول الحقيقة كلها… بس لازم تسمعني.
آدم رد:
— هتقولها قدام النيابة، مش قدامي لوحدي.
وقفل المكالمة.
في القاهرة، كانت سلمى قاعدة على سرير المستشفى، بتعيط بانهيار.
مريم واقفة جنبها، ماسكة طرف الملاية، وياسين قاعد على كرسي صغير مش فاهم ليه الكل متوتر.
— ماما، هو آدم الصغير راح فين؟
سلمى حضنت بنتها.
— هنرجعه يا حبيبتي… إن شاء الله هنرجعه.
مريم بدأت تعيط.
— أنا السبب! أنا اللي فتحت الباب للست!
سلمى بصتلها بسرعة.
— ست مين يا مريم؟!
— واحدة لابسة أبيض، قالتلي إنها دكتورة، وإنها هتاخد آدم يعمل تحليل وترجعه.
سلمى اتجمدت.
— شكلها كان إيه؟
مريم حاولت تفتكر.
— شعرها بني، وكانت لابسة نضارة، وفي إيدها خاتم كبير لونه أخضر.
سلمى حطت إيدها على بقها.
— خاتم أخضر؟!
مريم هزت راسها.
— أيوه يا ماما.
سلمى همست:
— ناهد!
كانت ناهد مرات فؤاد الشاذلي التانية.
الست اللي اتجوزها بعد وفاة أم آدم وعمر.
واللي طول عمرها بتحاول تخلي ابنها الوحيد، شريف، هو الوريث الأساسي لمجموعة الشاذلي.
سلمى مسكت موبايلها واتصلت بآدم.
أول ما رد، قالت بسرعة:
— آدم! أنا عرفت مين اللي خد الطفل!
— مين؟!
— ناهد… مرات أبوك!
آدم وقف مكانه.
— ناهد؟! إنتِ متأكدة؟!
— مريم وصفتلي الخاتم اللي في إيدها. ناهد عندها خاتم زمرد كبير، عمرها ما بتقلعه.
آدم سكت ثواني.
وبعدين قال:
— سلمى، لازم أسألك سؤال، ومحتاج إجابة واضحة.
— اتفضل.
— الطفل آدم… اسمه الحقيقي عمر؟
سلمى بدأت تعيط.
— آدم، أرجوك، مش وقته!
— أمال إمتى يا سلمى؟! الطفل اتخطف، وأخويا طلع عايش، وأبويا متورط في كارثة! أنا محتاج أعرف الحقيقة علشان أقدر أحميه!
سلمى أخدت نفس طويل.
وبعدين قالت:
— الطفل اسمه في شهادة ميلاده عمر… عمر شريف الشاذلي.
آدم اتجمد.
— شريف؟! أخويا شريف؟!
— أيوه.
آدم حس إن دماغه هتنفجر.
— إزاي ابن شريف عندك؟!
سلمى ردت بصوت مكسور:
— علشان شريف نفسه سلّمهولي من سبع شهور، وطلب مني أحميه من أمه ناهد!
قبل سبع شهور…
كانت سلمى قاعدة في شقتها القديمة، لما سمعت خبط عنيف على الباب.
فتحت، ولقت شريف الشاذلي واقف قدامها، شايل طفل رضيع ملفوف في بطانية.
كان وشه شاحب، وعينيه حمرا من العياط.
— سلمى… ساعديني!
سلمى اتخضت.
— شريف؟! إنت بتعمل إيه هنا؟!
شريف دخل بسرعة.
— أرجوكي، أنا مليش غيرك.
سلمى بصت للطفل.
— مين البيبي ده؟
شريف قال:
— ابني.
— ابنك؟! إنت اتجوزت؟!
شريف هز راسه.
— اتجوزت في السر من بنت اسمها هاجر، كانت ممرضة في مستشفى تابع للشركة.
سلمى اتصدمت.
— ومراتك فين؟
شريف دموعه نزلت.
— ماتت بعد الولادة بأيام، وأنا اكتشفت إن أمي كانت بتحاول تخبي الجواز علشان خايفة على الميراث.
سلمى بصتله باستغراب.
— وليه جايلي أنا؟
شريف قال:
— علشان عرفت إنك ربيتي بنت عمر، وإنك عمرك ما بعتي أمانة.
سلمى سكتت.
شريف قرب منها وقال:
— أمي عايزة تسجل الطفل باسم عيلة تانية، وتخليني أنكر جوازي، علشان جدي كان سايب وصية بتدي لكل حفيد نصيب مستقل من أسهم الشركة.
سلمى اتصدمت.
— يعني عايزة تحرم ابنك من نسبه وحقه؟!
شريف هز راسه.
— وأنا رفضت… بس أمي هددتني إنها هتضيع كل حاجة لو ما سمعتش كلامها.
سلمى بصت للطفل.
كان نايم ببراءة، مش عارف إن فيه حرب على اسمه قبل ما يكمل أسبوعين.
مدت إيديها وشالته.
— وإنت عايز مني إيه؟
شريف قال:
— خليه عندك فترة، لحد ما أقدر أثبت جوازي وأحميه.
سلمى ردت:
— بس لازم نعمل ده بشكل قانوني. مينفعش نخبي طفل ونغير هويته.
شريف هز راسه.
— معايا شهادة ميلاده وعقد جوازي، والمحامي هيجهز إجراءات الرعاية المؤقتة.
سلمى وافقت بعد ما اطمأنت إن فيه مستندات تثبت هوية الطفل، وإن الرعاية هتكون بعلم الجهات المختصة.
ومن يومها، بقى الطفل في بيتها.
كانت بتناديه آدم علشان تبعد الأنظار عنه، لكن اسمه الرسمي فضل عمر.
ومع مرور الشهور، شريف اختفى عن التواصل معاها.
وسلمى فضلت شايلة مسؤولية الطفل مع مريم وياسين، لحد ما الفلوس خلصت، وصحتها انهارت.
آدم سمع الحكاية وهو مش قادر يصدق.
— يعني الطفل ده ابن شريف… وناهد خطفته علشان تمنع ظهور الحقيقة؟
سلمى ردت:
— أنا مش عارفة هي ناوية على إيه، بس لازم نلحقه.
آدم قال بحسم:
— هنرجعه يا سلمى.
وقفل المكالمة.
بص لكريم.
— غير الخطة. هنرجع القاهرة فورًا، ونسيب موضوع مطروح للشرطة والمحامي.
كريم سأله:
— وعمر بيه؟
آدم بص للصورة اللي على موبايله.
— مش هنساه… بس دلوقتي فيه طفل رضيع في خطر.
بعد ساعات، كانت الشرطة بتراجع تسجيلات كاميرات المستشفى.
ظهر في التسجيل ست لابسة بالطو أبيض، دخلت أوضة الأطفال، وخرجت شايلة الرضيع.
الكاميرا صورت وشها بوضوح.
كانت ناهد فعلًا.
لكن المفاجأة إن ناهد ما خرجتش من المستشفى لوحدها.
كان مستنيها راجل عند الباب الخلفي.
راجل لابس جاكيت رمادي، وماشي وهو بيعرج برجله الشمال.
أول ما آدم شاف صورته، اتجمد.
— منصور!
كريم بصله.
— مدير أمن والد حضرتك؟
آدم هز راسه.
— أيوه.
المحامي طلب من آدم يسيب التحقيق للجهات المختصة، وقدم التسجيلات والرسائل وكل المعلومات اللي جمعوها.
وبعد تتبع العربية الظاهرة في الكاميرات، وصلت الشرطة لعنوان مزرعة قديمة على أطراف القاهرة.
كانت المزرعة مسجلة باسم شركة تابعة لناهد.
آدم وصل مع المحامي بعد ما الشرطة بدأت إجراءاتها.
وقف قدام البوابة الحديد، وقلبه بيدق بعنف.
بعد دقائق، خرج أحد الضباط.
— الطفل بخير، ولقيناه مع سيدة كانت بتعتني بيه.
آدم حس إن روحه رجعتله.
— الحمد لله… الحمد لله!
لكن الضابط كمل:
— وفيه شخص تاني موجود جوه، محتاج حضرتك تتعرف عليه.
آدم بصله باستغراب.
— مين؟
الضابط قال:
— راجل في الأربعينات، قاعد على كرسي متحرك، وبيقول إنه أخوك عمر الشاذلي.
آدم اتجمد.
— عمر؟!
دخل آدم المكان بخطوات مترددة.
كل خطوة كانت كأنها سنة من عمره.
لحد ما وصل لأوضة واسعة في آخر المبنى.
الباب اتفتح.
وعلى كرسي متحرك جنب الشباك…
كان قاعد راجل نحيف، شعره دخل فيه الشيب، ووشه مليان آثار تعب السنين.
آدم وقف مكانه.
الراجل رفع عينيه.
وبصله.
وفجأة ابتسم ابتسامة صغيرة.
— كبرت يا آدم.
آدم حط إيده على بقّه.
— عمر؟!
الراجل مد إيده المرتعشة.
— تعالى يا أخويا.
آدم جري عليه، ونزل على ركبه قدامه، وحضنه وهو بيعيط بحرقة.
— إنت عايش؟! إنت عايش يا عمر؟! أنا دفنتك بإيديا! أنا كنت بروح أزور قبرك!
عمر حضنه بقوة على قد ما يقدر.
— عارف يا حبيبي… عارف.
آدم بعد عنه وبصله.
— عملوا فيك إيه؟! وليه مستخبي طول السنين دي؟!
عمر مسح دموعه.
— أنا ما كنتش مستخبي بمزاجي يا آدم.
— يعني إيه؟
عمر أخد نفس طويل.
— ليلة الحادثة، كنت رايح أقابل محامي علشان أسلمه مستندات تثبت إن فيه تزوير حصل في عقود الشركة.
آدم سكت.
عمر كمل:
— العربية اللي كنت راكبها اتخبطت من عربية تانية، واتقلبت. صحيت بعد أيام في مستشفى بعيد، ومش فاكر اسمي ولا أنا مين.
آدم بصله بصدمة.
— فقدت الذاكرة؟!
— أجزاء كبيرة منها. وكان عندي إصابة في العمود الفقري أثرت على حركتي. فضلت سنين بتعالج، وفي ناس كانت بتقول للمستشفى إن ماليش أهل، وإنهم المسؤولين عني.
— مين الناس دي؟!
عمر بص ناحية الباب.
— منصور… وناس تانية.
آدم حس بالغضب.
— وأبويا؟!




