عام

حكاية فرح وزياد الجزء 1

حكايات الكاتبة ملك إبراهيم
الفصل الأول
“يابنات.. يابنات.. إلحقوا.. في ظابط زي القمر هنا في الجامعة بيحقق مع كل الدفعة”

واحدة من البنات سألت: “ليه ؟”
البنت: “عشان اختفاء روز زميلتنا.”

الكلمة نزلت زي القنـ بلة، البنات كلها اتلمت، اللي كانت قاعدة قامت، واللي كانت بتشرب قهوتها شرقت. روز.. روز بنت العيلة الكبيرة اللي باباها رجل أعمال معروف، مختفية بقالها يومين، موبايلها مقفول، وأهلها قالبين الدنيا، والجامعة كلها عمالة تقول كلام، اللي تقول مخطو فة واللي تقول هر بت مع ولد.

وفي وسط الزحمة دي كلها، كانت واقفة فرح.

فرح بنت صعيدية، جاية من قنا تدرس في القاهرة، ساكنة عند خالتها، بنت جميلة جمال هادي، عيونها واسعة وفيها دايما قلق، لابسة عباية شيك بس محتشمة، وطرحتها مظبوطة، ومسكة كتبها كأنها بتحتمي بيهم. أول ما سمعت كلمة ظابط وبيحقق، قلبها وقع في رجلها. هي أصلا بتترعب من سيرة الشرطة، وأبوها قبل ما يسيبها تيجي القاهرة كان ماسكها من دراعها وباصص في عينيها ومحذرها “بصي يا فرح، أنا سامحلك تكملي تعليمك بشرط واحد، مفيش مشاكل، مفيش كلام كتير، مفيش حوارات في الجامعة، لو سمعت ان اسمك جه في مشكلة هرجعك الصعيد في نفس اليوم ومش هتشوفي تعليم تاني، فاهمة؟”

كانت واقفة وسط شلة

بنات وبتحاول تداري توترها، إيدها عمالة تعرق وبتفرك في طرف طرحتها.

وفجأة الصوت سكت.

زياد كان داخل عليهم.

ظابط مباحث، طويل وعريض، لابس قميص أسود وبنطلون أسود، ونضارة شمس سودا مخبية عينيه، دقنه خفيفة ومظبوطة، وهيبته داخلة قبل منه. ماشي ووراه اتنين أمناء، وكل البنات أول ما شافوه فتحوا بقهم. واحدة همست للي جنبها “يالهوي على الجمال” والتانية قالت “ده ظابط ده ولا ممثل تركي؟”

زياد شال نضارته ببطء، وبان عينيه، عيون بني غامق حادة ومركزة، وبدأ يسأل البنات واحدة واحدة بلهجة عملية جدا “آخر مرة شفتوا روز إمتى؟ كانت مع مين؟ حد لاحظ عليها حاجة غريبة اليومين اللي فاتوا؟”

البنات كلهم بيردوا بدلال وبهيام وبيحاولوا يطولوا في الكلام، إلا هي.

فرح كانت بتبص في الأرض، عينيها بتهرب منه، جسمها كله بيترعش رعشة خفيفة مش باينة غير للي يركز. زياد لاحظها على طول، خبرة سنين في المباحث علمته ان اللي بيهرب بعينيه ده يا خايف يا مخبي حاجة. قرب منها خطوتين والبنات وسعوا له.

وقف قدامها بالظبط وقال بصوت واطي بس مسموع “إسمك إيه؟”

فرح رفعت وشها فجأة، عينيها جت في عينيه، حست ان الدنيا بتلف بيها، نفسها اتقطع، ضربات قلبها بقت طبلة في ودنها، حاولت ترد بس لسانها اتربط، شافت وش أبوها وهو بيقولها

هرجعك الصعيد، شافت نظرة خالتها، وفجأة كل حاجة اسودت قدامها وقالت بصوت مش طالع “أنا…” وبعدها وقعت.

الدنيا اتقلبت “الحقوا البنت أغمى عليها!” بنت صرخت.

زياد اتصدم بجد، لحقها قبل ما دماغها تخبط في الأرض، شالها بين إيديه، كانت خفيفة زي الريشة، ووشها أصفر ومخطوف. هو شايلها وبيجري ناحية عيادة الجامعة وهو بيزعق “وسعوا.. وسعوا طريق!”

نقلوها بسرعة على سرير الكشف في أوضة الدكتور، والدكتور دخل يقيس لها الضغط، وزياد واقف برا في الطرقة، مربع إيديه وصدره طالع نازل من العصبية، بس جواه حاجة غريبة، شكوكه زادت أكتر، ليه أغمى عليها أول ما سألها اسمك إيه؟ معقول تعرف حاجة عن اختفاء روز وخايفة تتكلم؟

وفجأة تليفونه رن، بص على الشاشة لقى اللواء مدحت.

رد بسرعة “أيوه يا فندم.. أيوه أنا في الجامعة لسه بحقق.”

اللواء رد من الناحية التانية بصوت مقفول “خلاص يا زياد لم الليلة، والد روز لسه قافل معايا حالا وسحب البلاغ.”

زياد اتصدم وقال “سحب البلاغ إزاي يا فندم؟”

اللواء قاله ” الهانم بنته رجعت، طلعت مسافرة الساحل مع شلة من صحابها من ورا أهلها وقافلة تليفونها عشان باباها ميتخانقش معاها، لعب عيال، إنت عارف ولاد الأكابر.”

زياد حس بدمه بيغلي ، كل القلق والتحقيق والجامعة اللي مقلوبة

دي عشان بنت بتدلع في الساحل، قفل مع اللواء وهو بيبرطم “إستهتار والله.”

بس رجع بص على باب الأوضة، طب ودي مالها؟ ليه أغمى عليها لو ملهاش دعوة بالموضوع؟ الفضول أكله.

الدكتور خرج في اللحظة دي وقال “هي كويسة، ده هبوط من الحر والتوتر والقلق، ضغطها وطي مرة واحدة، خمس دقايق وتفوق.”

زياد هز راسه ودخل عندها.

فرح كانت فايقة، قاعدة على السرير ووشها لسه مخطوف، ومسكة إزازة المية بإيد بتترعش، أول ما شافته داخل عليها اتنفضت ومسكت الطرحة تعدلها بتوتر.

زياد قرب ووقف على مسافة محترمة وقال بهدوء عكس صوته الحاد برا “حمد لله على السلامة.”

فرح بصت له بسرعة ونزلت عينيها وقالت بصوت واطي مهزوز “الله يسلمك.”

هو استغرب توترها الزيادة ده وسألها بجدية بس مش تخويف “إنتي خايفة من إيه؟ أنا معملتلكيش حاجة، أنا بس سألتك اسمك إيه.”

فرح بلعت ريقها وجمعت كل شجاعتها وقالت مرة واحدة “أنا.. أنا مبحبش الظباط.”

زياد سكت ثانيتين وبعدين انفجر ضحك، ضحكة عالية طلعت منه غصب عنه، أول مرة من الصبح يضحك، وقال “يا ستي شكرا.. كتر خيرك.. المهم حمد لله على السلامة، كويس إنك بخير.” وبص لها بصة أخيرة فيها استغراب وفضول وخرج وسابها.

فرح فضلت باصة على الباب المفتوح وقلبها لسه بيدق بسرعة، بس المرة دي

مش خوف بس، كان في كسوف كمان.
روايات الكاتبة ملك إبراهيم

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى