
طلعت على شقتي وأنا مكسورة من القهرة، رميت بواقي الأكل في الزبالة، وعقلي فضل يودّي ويجيب.. الأفكار والهواجس بقت تاكل في دماغي وتلف حوالين نفسها: هي جابت فلوس منين أصلاً؟ وبتصرف على عيالها منين وهي مرتبها ضعيف كده وبقالها شهر ماخدتش مني حاجة؟.. ده أنا من شهر بس، لما كنت أروح لها بالعلبة، العيال كانوا بيجروا عليّ ويشدوا العلبة من إيدي من شدة الاحتياج، ودلوقتي بيرفضوا الأكل بكل كبرياء وبيقفلوا الباب في وشي!
قعدت على الكنبة وأنا حاطة إيدي على رأسي، والشك رجع يوسوس لي بأفكار جديدة.. معقول لقت حد ثاني يساعدها؟ ولا اشتغلت في السر؟ ولا يمكن حد من الجيران بيقف جنبها وبيساعدهم؟
كل فكرة كانت أصعب من التانية، ولقيت الغيظ والفضول بياكلوا في قلبي.. مبقاش همي هي زعلت ولا لأ، بقيت عايزة أعرف هي جابت العز ده منين وبتصرف على عيالها إزاي وهي بقالها شهر من غير مساعدتي!
وأول فكرة هجمت عليّ كانت: “تلاقيه جوزي! أكيد هو اللي من ورايا بيبعت لها فلوس وأكل عشان يطيب خاطرها ويظهر قدامي في دور البطل على حسابي!”.
بدأت أراقب جوزي بحذر.. أستغفله وهو نايم وأدور في موبايله، وأفتش في جيبه من غير ما يحس، وأراقبه وهو نازل وطالع وعينه رايحة فين، وأركز في كل حركة وكل كلمة بيقولها.
لكن بعد مراقبة وتفكير استمروا أيام، اتأكدت تمامًا وبما لا يدع مجالًا للشك إنه ملوش أي يد في الموضوع.. الراجل لا بيبعت لها حاجة، ولا بيدخل في سكتها أصلًا، وطلعت ظنوني وشكي فيه كلها غلط.
وقفت مع نفسي وقفة، ولقيت الفضول والغيظ بيأكلوا في قلبي: “أمال مين؟ جابت منين وبتصرف على العيال إزاي؟”.
قررت ساعتها إني مش هسكت، وإني أفضل وراها لحد ما أعرف الحقيقة وأفهم هي جابت الفلوس أو الأكل ده منين.. بقيت أراقب شقتها بعيوني، وأستنى أي حركة أو فرصة تدلني على الحقيقة اللي مجننانِي.
مقدرتش أستحمل الأسئلة اللي بتدور في عقلي، ولقيت نفسي باخد القرار الصعب.. خلاص، مفيش قدامي غير إني أواجهها بنفسي وأعرف السر ورا اللي بيحصل ده.
لبست هدومي بسرعة، ونزلت استنيتها تحت الشارع قدام البيت على الناصية، واقفة مدارية ورا عربية عشان محدش ياخد باله مني، وعيني لازقة في أول الشارع مراقبة اللي رايح واللي جاي.
الساعة بقت تمانية بالليل، وأنا واقفة على أعصابي، دقات قلبي سريعة وكلها غيظ وفضول، مستنية لحظة ما تظهر عشان أوقفها وأعرف هي جابت الفلوس وسترت عيالها منين!
وفجأة.. لقيتها طالعة من أول الشارع وماسكة في إيديها شنط خضار وطلبات كتير شكلها يوزن، وخطواتها رغم التعب كانت سريعة وفيها لهفة.
في اللحظة دي، بصيت لفوق لقيت ولادها واقفين في البلكونة بيبصوا تحت بعيون مليانة لهفة وفرحة، وأول ما شافوها هللوا، ونزلوا يجروا على السلم ورا بعض زي العصافير، وفتحوا باب البيت وجريوا عليها.
اتنافسوا بحب مين فيهم اللي يشيل الشنط الكتيرة من إيديها.. كل واحد خطف شنطة بفرحة كأنهم لاقيين كنز، وهي كانت بتبصلهم بحنان دافئ وابتسامة تعبانة بس مليانة رضا، ومدت إيدها ومسحت على شعرهم بحب.
استنيتها لحد ما طلعت السلم ودخلت شقتها هي وولادها، وطلعت وراها بخطوات بطيئة والخوف والفضول بياكلوا في قلبي.
لقيت باب الشقة مردود ومقفلش كويس، وقفت ثواني أخد نفسي، وبعدين زقيت الباب ودخلت وراها من غير استئذان، وعيني بتلف في الشقة وعايزة ألقط أي إجابة تطفي النار اللي في صدري!
أول ما دخلت وخبطت عيني في الصالة، لقتها وقفت مكانها فجأة وبصتلي باستغراب شديد ودهشة مالية عيونها، وقالت بصوت ناشف وحاد:
— إيه جابك هنا؟ في حاجة ولا إيه؟!
بلعت ريقي بتوتر، وداريت ارتباكي وبصلتلها وقلت بصوت عالي شوية وفيه نبرة تحقيق:
— لا أبدًا.. لقيتك اختفيتي وبطلتي تظهرِي خالص، فجيت أسأل عنك.. عايشة إزاي بقى الفترة دي كلها؟ وبتاكلي إنتي وعيالك منين وبتجيبي الخير ده كله منين وإنتي قاعدة من الشغل؟!
بصتلي ببرود عجيب، ورفعت حاجبها وسابت الشنط من إيدها على الترابيزة، وقالت بصوت هادئ وموجع:
— وهيفرق معاكي في إيه أصلًا.. تفرق معاكي في إيه عايشة ولا مش عايشة؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع حتت كبريائي المكسورة وأنا بقولها بنبرة مصطنعة فيها شوية من حنية زمان:
— في الأول والآخر إنتي أختي يا شيماء.. ولحمي ودمي، ويهمني أمرك، وأي مشكلة أو تصرف منك ممكن يأثر علينا إحنا الاتنين قدام الناس!
كلمتي نزلت عليها بقوة.. لقيتها بصتلي بابتسامة سخرية وجع ماليها، عيونها لمعت بدموع قهر محبوسة، وقالت بصوت ثابت وحاد قطع قلبي:
— متخافيش على نفسك أوي كده وما تقلقيش، أنا مربية عيالي كويس ومابعملش حاجة غلط تكسف أو تجيب سيرتك.
كلماتها خبطت في صدري، بس فضولي كان مسيطر عليّ خالص، مكنتش قادرة أتقبل إنها استغنت عني وعدت الأزمة لوحدها.
وقفت قدامها وابتسمت بسخرية مريرة، وفضلت أزن عليها وأزن كأني بحاول أفهم الحقيقة:
— بتعملي إيه يعني يا شيماء عشان تجيبي الشنط دي كلها لوحدك؟ من غير الشغل القديم ومن غير مساعدتي؟! فهميني بتجيبي الفلوس منين؟ بتشتغلي إيه؟ عيب عليا لما أكون أختك وما أعرفش ظروفك الجديدة جاية منين!
شيماء سابت الشنط اللي في إيدها على الأرض، واتعدلت في وقفتها، وبصتلي بنظرة كلها ثقة وقوة غريبة أول مرة أشوفها في عينيها.
مكنتش الضعيفة المكسورة اللي بتترعش من شهر.. الوجع والقهرة صنعوا منها ست تانية خالص.
قربت خطوة مني، وقالت بصوت هادئ وثابت خلى ريقي ينشف:
— عايزة تعرفي بشتغل إيه وبجيب فلوس منين يا هبة؟ تعالي.. ادخلي شوفي بنفسك!
وقبل ما ألحق أرد، مسكت إيدي وشدتني وراها لحد أوضة الصالون، فتحت الباب وراحت على الركن البعيد وشالت غطاء قديم كان مفرود على ترابيزة صغيرة.
فتحت عيوني على آخرها من الصدمة والذهول.. لقيت ترابيزة متروسة علب بلاستيك فيها مخللات متنوعة، وورق عنب محشي ومجهز، وعلب تانية فيها أكلات منزلية ومخبوزات مجمدة، وجنبها مجموعة من أكياس التوابل المعطرة والمرتبة بعناية، وفوق الحيطة كيس كبير متعلق فيه بطاقات صغيرة عليها اسمها وأرقام التليفونات!
بصتلها ولساني انعقد ومش مصدقة نفسي، لقيتها بتقولي بنبرة جافة وكلها عزة نفس:
— من يوم ما طردتيني وقلتيلي “دي مشكلتك”، ومن يوم ما كرامتي اتأذت بسبب احتياجي للأكل.. قعدت مع نفسي وقلت مستحيل أسيب أولادي محتاجين ولا أطلب المساعدة كل مرة.
— نزلت اشتغلت في تجهيز طلبات أكل بيتي ومجمدات منزلية لجيران المنطقة والموظفات اللي زي حالاتي، اللي بينزلوا شغلهم الصبح ومش بيلحقوا يطبخوا.. بقيت أعمل ده كله بالليل وأنا تعبانة، وببيع للناس اللي بتقدر تعبي وتحترم شغلي، مش بتمن عليّ بالمساعدة!
كلماتها نزلت على دماغي زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتميد بيا، وإني قدام صمودها وقوتها بقيت أصغر إنسانة في الدنيا، وإني بإيدي هدمت سندي وضيعت أختي.
لكن كلام أختي اللي قالته بعد كده، واللي حصل بعدها، خلاني أفوق.



