
وقفت قدامها ودموع الندم محبوسة فى عيونى، وبصتلها بكسرة وأنا مش مصدقة حجم الظلم والقسوة اللى ارتكبتهم فى حقها. بصتلى بهدوء، وملامح وشها كان فيها رضا وشموخ يكسف، وقالت بصوت دافئ كله ثقة وعزة نفس:
— “استغربتي وجيتي تدوري عليا وفاكرة إني هضيع من بعدك؟.. أحب أطمنك يا هبة، ربنا سبحانه وتعالى أرحم بكتير على عباده وكان رحيم بيا. الناس الغريبة هى اللى وقفت جنبى وسندتني.. بتاع الخضار، وبتاع الفراخ، والجزار، وحتى جيرانى اللى هنا.. كلهم عاملونى بما يرضى الله، إدوني الحاجة اللى طلبناها وحاسبونى عليها بالآجل وبراحتي، من غير ما يذلوني بكلمة!”
سكتت ثوانى تاخد نفسها، وكملت وهى باصة لى بعيون لامعة:
— “ومرة فى مرة.. الحمد لله ربنا كرمنى، وبقيت أعمل أوردراتى وأكسب، وبقيت أنا وولادي بناكل أحلى وأطيب أكل من تعب إيدي وشغلى الحلال.. ده غير إنى سبت الشغل القديم اللى كنت بطلع روحي فيه بمقابل بسيط، واشتغلت فى مكان تاني أحسن بكتير بمرتب أكبر، وواحدة جارتنا هنا هى اللى دلتني عليه وساعدتنى أقدم فيه!”
ابتسمت بابتسامة وجع قديمة، وقالت وهى بتبص فى عينى دغري:
— “ويوم ما كنت عندك، ومشيت من بيتك وأنا منكسرة ومقهورة، وتعبانة وجسمي سخن من المرض، الجيران شافوني وأنا طالعة عيوني غرقانة دمع وشكلي يصعب على أي حد. ما استنوش ولا ثانية، عملولي أكل سخن ليا ولولادي وكفونا وزيادة عشان صعبت عليهم.. مش عشان باخد بواقي أكل وببص لها على إنها فضل!”
كلماتها نزلت على قلبى زى أقوى صدمة.. حسيت إنى أصغر مخلوق على وجه الأرض، وإني بدل ما أكون ضهرها وسندها، كنت أكتر إنسانة قست عليها وكسرتها.. بس للأسف، بعد ما فات الأوان وفهمت الدرس بالطريقة الصعبة.
وقفت مكانى، حاسة كأن جبل وقع فوق راسى.. الكلام نزل عليا تقيل ومؤلم. بصيت لها وهى واقفة قدامى بشموخها وعزتها اللى كبرت فى عينى أضعاف مضاعفة، وفى نفس اللحظة حسيت إن دموعى نزلت لوحدها على خدودى بلا كبرياء وبلا غرور.
حسيت إن لسانى اتقل فى بؤقى، ووقفت أبلع ريقى وأحاول أنطق بحرف واحد أتبرر بيه وأقول أى كلام يصلح شوية من القسوة اللى ارتكبتها، بس الحروف هربت منى ومكنتش عارفة أقول إيه ولا أبدأ منين.
قبل ما ألحق أطلع كلمة، لقتها كملت كلامها وهى باصة لى بعيون ثابتة، وقالت بصوت هادئ قطع قلبى:
— “دوري على تبريرات براحتك يا هبة، وماتتعبيش نفسك فى الكلام.. اللى بينى وبينك عضم التربة ودم أبونا وأمنا.. لكن أنا خلاص، مابقتش معتبراكى أختى، واللى اتكسر جوايا مش هيتصلح.. الغريب لما بيشوف حد مكسور بيحن عليه ويقف جنبه، لكن إنتى.. كنتِ أقرب الناس وكنتِ أقسى منهم كلهم!”
كلماتها نزلت على صدرى كأنها الحكم الأخير.. مكنش فيه كلام أقدر أرد بيه، ولا عذر يصلح اللى عملته، وخرجت من شقتها وأنا حاسة إن الندم والقهرة هما اللى هيخلصوا عليّ.
رجعت شقتى وأنا تايهة، كأن رِجلي مش شايلانى. بالليل، قعدت قصاد جوزى ودموعى على خدى، وحكيت له على كل اللى حصل وشافته عينى هناك.. من المفرزنات والشغل، لحد الكلمات القاسية اللى قفلت بيها الباب فى وشي.
بصلى بملامح لامة وجمود، وقالها بكل صراحة من غير مجاملة:
— “تستاهلى.. اللى زرعتيه حصدتيه بإيدك، وربنا جاب حقها وحق عيالها قدام عيونك عشان تحسى بالوجع اللى خليتيها تعيشه، بدل ما تكونى ستر وغطا عليها.”
الكلام كان قاسي، بس حقيقى. حاولت بعدها بكذا يوم أرجع لها تانى، أروح أخبط بحجة أتطمن، أو أبعت حاجة مع العيال، بس مكنتش بشوف منها غير صد وجمود، ونظرة ثابتة بتقولى: “ارتاحى، اللى اتكسر مات”.
بابها بقى يتفتح على جيرانها وناسها اللى عرفوا قيمتها، ويتقفل فى وشى أنا.
وقتها بس عرفت إني خسرت كل حاجة.. خسرت أختى، خسرت سندي الحقيقي، وخسرت راحة ضميرى بسبب حبة كبرياء وقسوة فارغة ما تسوش حاجة.
ومرت الأيام والشهور، وبيت شيماء بقى عامر بالخير والرزق.. بفضل تعبها وشقاها، شغلها فى المفرزنات والأكل البيتي كبر وبقى ليه اسم وسمعة وسط الجيران والمنطقة كلها، وبقت تنزل تودي الأوردرات بنفسها وهى مرفوعة الراس.
ولادها بقوا ماشيين فى الشارع مفتوحين العيون والقلوب، لابسين أحسن لبس وواكلين أحسن أكل، ومن غير ما يحتاجوا لقطمة عيش من مخلوق.
أما أنا.. ففضلت قاعدة فى شقتى، وسط نعيم ملوش أى طعم. كل ما أبص من البلكونة وأشوف زباين رايحين جايين على بابها، أو أسمع ضحكات ولادها وهما نازلين ورايحين مدارسهم بفرحة، أحس بحرقة فى صدرى.
جوزي بقى مبيكلمنيش تقريبًا إلا فى الضرورة، كأن النظرة اللى فى عينه ليا بقت كلها جفا، وإنه مش قادر يتعامل معايا بنفس الصورة بعد اللى شافه من قسوتى على أختى.
قالى:
— “إذا كان مابقيش فيكي خير فى أختك، هيكون ليكي خير فيا؟”
بقيت أشرب من كاس الندم لوحدي كل يوم.. عرفت ساعتها إن الفلوس والرفاهية بلا سند ولا أخ ولا رحمة، ما هى إلا سراب.
ضيعت أختي وضلعي الوحيد عشان شوية أكل وكلمات استعلاء فارغة، وبقيت غريبة فى بيتي، ماليش لا أخت تشيلني، ولا ضمير يرتاح، ولا حتى عذر أواجه بيه نفسي.
قدام مرايا الندم، فهمت أخيرًا إن أقسى خسارة مش خسارة المال، لكن خسارة الإنسان اللى كان ممكن يفضل سندك طول العمر.



