
مرت خمس سنوات كاملة منذ تلك الليلة البائسة التي غادر فيها أحمد شقتي منكسراً. خمس سنوات كانت كفيلة بأن تصنع معجزة حقيقية في حياتي. شركتي الصغيرة للتصميم والديكور الرقمي تحولت إلى وكالة استشارية كبرى يشار إليها بالبنان، وأصبح اسمي معروفاً في سوق العمل بفضل جودة أعمالي وإصراري على النجاح. أما ابني (يوسف)، فقد أصبح طفلاً ذكياً ووسيماً في الخامسة من عمره، يملأ البيت ضحكاً وحيوية، وكان سندي الحقيقي وأجمل تعويض من الله عن كل لحظة ألم وقهر عشتها في الماضي.
أما أمي الحبيبة، فكانت تقيم معي دائماً، تشاركني نجاحاتي وفرحتي بتربية يوسف، وكانت نظرات الفخر في عينيها أثمن ما امتلكت في هذه الدنيا.
وفي أحد الأيام، بينما كنت في مكتبي بالشركة أراجع بعض العقود الجديدة للعملاء، دخلت سكرتيرتي بثقة وقالت بابتسامة:
— استوديو التصميم الخارجي بيطلب مقابلة عاجلة مع حضرتك يا مدام مريم، ومعاهم عميل مهم جداً مصرّ إنه يعرض مشروعه بنفسه على الإدارة هنا.
رفعت عيني بهدوء من على أوراق العقود وقلت:
— تمام، دخليهم بعد عشر دقائق أكون خلصت المراجعة.
بعد دقائق معدودة، فتحت باب المكتب ودخل ممثلو استيو التصميم الخارجي، ومعهم شخص يبدو عليه الإرهاق الشديد والتعب. كان يرتدي ملابس بسيطة ومرتبة بعناية لكنها تبدو قديمة، ووجهه تحفره تجاعيد مبكرة وعلامات انكسار لا تخفى على عين.
فلما رفع عينيه ونظر إليّ، تجمد في مكانه…
لم يكن سوى أحمد!
لكنه لم يكن أحمد الذي أعرفه أو حتى أحمد الذي زارني مكسوراً قبل سنوات. كان شبح إنسان؛ نحيل للغاية، وشعره ابيض بالكامل، ويداه ترتجفان بشكل واضح وهو يحمل ملفاً ورقياً خفيفاً.
ممثلو الاستوديو نظروا باستغراب وقالوا باحترام:
— أهلاً يا فندم، إحنا أسفين للإزعاج، بس الأستاذ أحمد أصر بإلحاح شديد على حضور الاجتماع بنفسه لعرض فكرة مشروعه الصغير في الديكور والتنسيق، وهو عارف شركتكم كويس ومصرّ يتعاون معاكم.
نظرت إلى أحمد نظرة طويلة وهادئة، بلا أي شعور بالشماتة أو الغضب، بل بشعور عميق بالشفقة على إنسان اختار بمحض إرشاد طمعه وغروره أن يحفر قبره بيده.
أشارت بهدوء لممثلي الاستوديو أن يتفضلوا بالجلوس، وقلت بصوت هادئ وثابت:
— أهلاً بحضراتكم.. اتفضلوا استريحوا.
جلس الجميع، بينما ظل أحمد واقفاً لفترة قصيرة غير مصدق أنه يقف أمامي في هذا الموقف، كأن الفجوة بيننا أصبحت أوسع من أن تُردم. ثم جلس ببطء على أطراف الكرسي وهو يطأطئ رأسه نحو الأرض ولا يستطيع رفع عينيه ليواجهني.
بدأ ممثلو الاستوديو في عرض المشروع، وكان مشروعاً متواضعاً للغاية وبسيطاً، يكفي بالكاد ليعيد له جزءاً ضئيلاً من كرامته المهنية ويساعده على تكاليف حياته اليومية الصعبة، بعد أن ضاعت منه كل فرصة كبرى، وبعد أن توفيت أمه الحاجة نادية قبل عامين في عزلة تامة وبدون أن يجدوا حتى من يحضر عزاءها سوى القليل من الجيران.
عندما انتهى العرض، سكت الجميع في انتظار قراري الحاسم. نظر إليّ أحمد بعينين متوسلتين مليئتين بالدموع المكبوتة، وكأنه يترجاني بلا كلمات ألا أرفض مشروعه وألا أقطع عنه آخر خيط للنجاة في حياته.
فتحت الملف أمامي، وتصفحت الأوراق بهدوء، ثم نظرت إليهم جميعاً وقلت بصوت حاسم ورسمي:
— المشروع فكرته مقبولة، وإحنا في شركتنا بندعم دايماً الأفكار الجديدة والبسيطة.. الموافقة مبدئية، وهنتكفل بدعم التنفيذ بالكامل.
تهلل وجه ممثلي الاستوديو بفرحة عارمة، بينما غطى أحمد وجهه بيده المرتجفتين وانخرط في بكاء صامت وخجول، وهو يكاد لا يصدق أن من ظلمها ودمر حياتها وقسا عليها في عز ضعفها، هي نفسها اليوم من تمد له يد العون بكل شهامة وترفض أن تسحقه وهو في قاع القاع.
بعد أن انتهى الاجتماع وخرج الجميع، وبقي أحمد لوحده واقفاً في آخر المكتب بعد أن خرج باقي الوفد، اقترب بخطوات بطيئة ومرتجفة، ووقف على بعد خطوات مني، وقال بصوت مخنوق بالدموع:
— ليه يا مريم.. ليه بعد كل اللي عملته فيكي، لسه قلبك فيه رحمة وتوافقين على مشروعي؟ أنا مكنتش أستحق منك إلا القسوة والرفض.
وقفت من خلف مكتبى بكل ثقة، ونظرت إليه نظرة أخيرة خالية من أي ضغينة، وقلت له بحزم وهدوء:
— أنا لم أوافق من أجل أحمد الماضي.. بل وافقت لأنني أؤمن أن الله يرزق عباده، ولأنني نسيتك تماماً يا أحمد. الانتقام والكره يورثان المرض، أما التسامح والسلام فهما ما يبنيان الإنسان. أنا سامحتك للأبد، وفتحت صفحة جديدة لن تتقاطع أبداً مع حياتي الشخصية، فاعتبر هذه الفرصة بداية جديدة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في ما تبقى من عمرك، وابعد عن طريقنا تماماً.
هز رأسه بامتنان شديد، وعيناه تفيضان بالدموع، وانحنى باحترام بالغ دون أن ينطق بكلمة إضافية، ثم استدار وخرج بخطوات بطيئة وثقيلة من باب الشركة.
جلست على مقعدي، وفتحت نافذة المكتب لأستنشق الهواء النقي، وابتسمت وأنا أنظر إلى صورة ابني يوسف المحطوطة على حيّز المكتب. أدرت وجهي للسماء وشكرت الله تعالى على نعمة النجاة، والقوة، والقلب النقي الذي لم يُلوثه حقد الظالمين، وعرفت حينها أن من يتوكل على الله ويصبر، فإن الله يكتب له نهاية تليق بصدقه ونقاء سريرته مهما طال الزمن.
السابع، وقبل الختام…
بعد مرور أسبوعين على ذلك الاجتماع الفاصل في شركتي، وبينما كنت منهمكة في توقيع بعض المستندات، دخلت سكرتيرتي إلى مكتبي بملامح يكسوها التوتر والتردد. وقفت لثوانٍ قبل أن تقترب وتقول بصوت خافت:
— مدام مريم… في شخص بره، رافض يمشي نهائياً، ومصّر يشوف حضرتك ضروري. بيقول إنه مقرب جداً من الأستاذ أحمد، ومعاه رسالة أمانة لازم يوصلها بنفسه لكي.
عقدت حاجباي بدهشة، وسألت بفضول حذر:
— مقرب من أحمد؟! وإيه هي الأمانة دي؟ ومن امتى أصلاً بقى له ناس تيجي تسأل عنه بالطريقة دي؟
ردت السكرتيرتي بارتباك:
— والله يا فندم شكله غريب، راجل مسن وملامحه تعبانة، وكان بيترجاني بصوت مكسور، وحلف إن الموضوع ما يخصش الشغل خالص، وإنها وصية أخيرة أو حاجة تخص الماضي.
تنهدت بعمق، وشعرت بشيء من الفضول الممزوج بالقلق الخفي، فأشرت لها أن تتفضل بإدخاله فوراً.
بعد لحظات، فتح الباب ودخل رجل في أواخر العقد السادس من عمره، يرتدي جلباباً بلدياً بسيطاً يملؤه الغبار، ووجهه تحفره تجاعيد عميقة تعكس سنوات من الشقاء. كان يحمل بيده حقيبة جلدية قديمة ومتربة، وما إن وقعت عيناه عليّ حتى استند على عصاه بحذر، وتقدم بخطوات بطيئة ومرتجفة، ثم غلبت الدموع عينيه فوقف مطأطئ الرأس وقال بصوت مشهج:
— السلام عليكِ يا بنتي.. أنا عم إبراهيم، جار المرحومة الحاجة نادية، وجار أحمد في بيت البلد القديم.
أشرت له بهدوء أن يجلس على الكرسي المقابل لمكتبي، وقلت بنبرة هادئة ومطمئنة:
— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا عم إبراهيم. اتفضل استريح، واشرب كوباية مية الأول. قل لي، إيه اللي جابك لحد هنا؟ وخير إن شاء الله؟
هز رأسه بالنفي وهو يمسح دموعه بطرف ردائه، وفتح الحقيبة القديمة ببطء، ليخرج منها ظرفاً ورقياً كبيراً صفره الزمن وعليه آثار غبار ورطوبة، ثم وضعه بعناية فائقة على حافة مكتبي وقال:
— أنا ما جيتش عشان أحمد.. ولا عشان أطلب منك مصلحة له. أنا جيت عشان أؤدي أمانة ربنا يحاسبني عليها لو ما وصلتهاش لكي بيدي. الظرف ده.. سابته المرحومة الحاجة نادية معي قبل ما تموت بأيام قليلة، وقالت لي بالحرف الواحد: “يا عم إبراهيم، الست دي مظلومة، وابني وأنا ظلمناها ظلم كبير، وربنا عاقبنا في دنيتنا.. لو حصل لي حاجة ، خدي الظرف ده وديّه لمريم بنفسك، وقولي لها إن دي ورقة تبرئة ذمة واعتراف بكل اللي عملناه، يمكن تسامحنا”.




