
تجمدت في مكاني، ونظرت إلى الظرف القديم بشيء من الذهول. مددت يدي ببطء، وفتحته لأجد بداخله ورقة مكتوبة بخط يد الحاجة نادية نفسها، وإلى جوارها تسجيل صوتي صغير (مخزن على فلاشة قديمة)، ومجموعة من الأوراق الرسمية والمستندات.
بدأت أقرأ الخط المكتوب باهتزاز وتأثر شديد:
> “إلى ابنتي وبنت أصول، مريم…
> أكتب لك هذه الكلمات، ويدي ترتجف من الندم والخزي. أعترف أمام الله وأمامك أنني أنا من خططت لكل شيء، وأنا من أقنعت ابني أحمد بتمثيل حكاية الحادثة والغيبوبة المزعومة، لنهرب من مسؤوليتك ومسؤولية طفلك في عز ضعفك، ولنقضي إجازة رخيصة على شواطئ البحر بينما أنت تنزفين وتتعافين من عملية قيصرية قاسية. نحن لم نرحم ضعفك، وطردنا أمك الطيبة التي خدمتني برموش عينها تلاتين يوماً كاملة. وعاقبنا الله أشد العقاب؛ ضاع المال، وانهار البيت، وذهبت الصحة، وعزلتُ في بيتي القديم وحيدة كالمنبوذة بلا حبيب ولا حتى ابن يبرني كما ينبغي. أنا لا أطلب منك العفو، فذنبي أكبر من أن يُغتفر، لكني أرجو أن تبرئي ذمتي أمام الله وأمام نفسك، واعلمي أن الله مهلك الظالم ولو بعد حين…”
>
سكتُّ لبرهة طويلة، والكلمات ترتسم أمامي كأنها شريط سينمائي يعيد نفسه. رفعت عيني نحو عم إبراهيم، فوجدته ينظر إليّ برجاء وترقب.
قلت بصوت خفيف وخنقته العبرة:
— أنا سامحتها يا عم إبراهيم.. سامحتها من زمان، لأن الحقد ما بينضفش القلوب، والحمد لله الذي أظهر الحق ونصرني.
تنفس عم إبراهيم الصعداء، وانفرجت أساريره وكأن جبلاً هائلاً قد انزاح عن صدره. وقف باحترام شديد، وقال وهو ينحني برأسه:
— جزاكِ الله خيراً يا بنتي.. قلبي كان مرعوب أموت ووصيتها في رقبتي. دلوقتي ارتحت، وربنا يعوضك عن كل دمعة شفتيها خير وفرح.
ودعته، وخرج بخطوات هادئة ومريحة، بينما بقيت وحدي في المكتب، أحدق في تلك الورقة. أدرت وجهي نحو النافذة حيث كانت شمس الظهيرة تضيء أرجاء المدينة، وشعرت بسلام داخلي عميق لا مثيل له.
لم يبقَ من حكاية الماضي سوى العبرة والدرس؛ فالظلم مهما علا، كذب مهما زُخرف، نهايته الزوال، والصبر والنقاء هما وحدهما من يصنعان النهايات السعيدة والحقيقية.
الخاتمة…
مرت الشهور بعد زيارة عم إبراهيم وتسليمه أمانة الحاجة نادية، وكأن صفحة الماضي قد أُغلقت نهائياً وأُحكم قفلها إلى الأبد. لم يعد للوجع أو الذكريات المريرة أي مكان في حياتي، فقد تحولت تلك المحنة القاسية إلى درع قُدّ من الصبر والصلابة، وباتت دليلاً حياً على أن الإنسان إذا توكل على الله وفوّض أمره إليه، فإن النصر يأتي ولو بعد حين.
في يوم هادئ ومشرق، كنت أقف في حديقة بيتي الجديد الواسع، أراقب ابني يوسف وهو يجري ويلهو بضحكاته البريئة التي تملأ المكان بهجة ونوراً. كانت أمي الحبيبة تجلس بجواري على الشرفة، ترتشف قهوتها بابتسامة رضا هادئة تزين محياها، بعد أن عوّضنا الله عن كل لحظة تعب وسهر بسلام لا يقدر بثمن.
أما شركتي للاستشارات والتصميم الديكوري، فقد أصبحت واحدة من أكبر الشركات وأكثرها نجاحاً، ويقصدها كبرى العملاء، ليس فقط لكفاءة العمل، بل لقصة نجاحي التي أصبحت ملهمة لكل امرأة واجهت القسوة والظلم واستطاعت أن تبني إمبراطوريتها من ركام الخذلان.
وعن أحمد… فقد علمت فيما بعد أنه غادر البلدة تماماً وسافر للعمل في إحدى المحافظات النائية، بعد أن باع ما تبقى من حطام حياته لسداد ديونه، باحثاً عن بداية جديدة في مكان لا يعرف فيه أحد ماضيه المؤلم. لقد تركته أفعاله وحيداَ، ليتعلم بالطريقة الصعبة أن الكذب والغرور لا يبنيان بيوتاً، وأن حقوق العباد لا تضيع أبداً.
نظرت إلى السماء الصافية، وأغمضت عيني لأستنشق نسمات الهواء العليل، وشعرت بغمرة عميقة من الامنان واليقين.
أدركت حينها تماماً أن نهاية الظالم دائماً هي الخراب والندم، وأن نهاية الصابر هي النور الحقيقي، والبدايات الأجمل التي تستحق كل تعب.
انتهت الحكاية، ولكن الحياة بحلوها وخيرها وما تخبئه من أقدار منصفة.. لا تزال في البداية.




