
صرخة وفاء في الصبحية شقت هدوء بيت “حاج متولي” وزلزلت الحارة كلها. نزل حسام جري على السلم، قلبه بيدق زي الطبول، ودخل شقة زينب. الأوض فاضية، الملايات متسوية، وشنط الهدوم مش موجودة. وعلى سفرة الصالة، كان في ورقة مطوية جنب مفاتيح الشقة وصورة المرحوم محمد.
مسك حسام الورقة ببرود أطرافه، وقرأ بصوت يترعش:
* “سامحني يا حسام.. سامحيني يا وفاء. أنا لو فضلت أكتر من كده، البيت ده هيروح، وأنتوا هتتفرقوا بسببي. الحاجة فاطمة مش هترتاح إلا لو أنا اختفيت، وأنا مش هقبل أكون السبب في خراب بيتك ولا في إن إخواتك يلطخوا سمعتك. أنا أخدت البنات ومشيت، ما تدوروش عليا.. اعتبروني مت، وركز في بيتك وولادك. البنات أمانة في رقبتي وهربيهم على ذكرى أبوهن وجميلك اللي في رقبتنا لحد ما نموت.”
حسام ضرب بيده على الحيطة ضربة هدت حيله، وبص لوفاء اللي وقعت في الأرض تبكي بحرقة وتلطم على خدودها:
* “ضيعوها! أقسم بالله إخواتي وأمي ضيعوا الستر والبركة من البيت! هتروح فين بالبنات في وسط الليل والبرد يا حسام؟! الست دي ملهاش حد!”
نزل حسام الدور الأول زي المجنون، دخل على الحاجة فاطمة الأوضة، رمى الورقة في وشها وقال بصوت زلزل البيت:
* “ارتاحي يا حاجة فاطمة! ارتاحي يا أم محمد! زينب سابت البيت ومشت بالبنات في نص الليل! ارتاحي وفرحي إخواتي الأندال اللي ملاوا راسك! لو جرى للبنات ولا لزينب حاجة، ذنبهم في رقبتك ليوم الدين، ولا أنا ابنك ولا أعرفك من النهاردة!”
الحاجة فاطمة اتخضت، عينيها اتفتحت على آخرهم، والسبحة وقعت من إيدها. هي كانت فاكرة إن زينب هتستسلم أو إن حسام هيطلقها وتقعد تحت طوعها، لكنها ما تخيلتش إن زينب تاخد بناتها وتهرب في الظلمة.
خرج حسام على الحارة زي المجنون، ندى على العمال بتوعه والتجار القريبين منه:
* “زينب والبنات اختفوا من امبارح بالليل! أي حد يشوفهم أو يعرف طريقهم يبلغني فوراً!”
خلال ساعات، الخبر انتشر في حارة “العطارين” زي النار في القش. الجيران اللي كانوا بالأمس بيصدقوا كلام مجدي وسامح، بدأوا يلوموا العيلة: “ازاي ست وحيدة ببنتين تتطرد في نص الليل؟”، “حسام كان ساترهم، وأعمامهم طمعوا في الشقة”، “الحاجة فاطمة خرفت وضيعت لحم ابنها المتوفي!”.
مجدي وسامح أول ما عرفوا بالخبر، جوم جري على بيت العيلة، بس مش عشان يدوروا على البنات، لكن عشان يضمنوا إن حسام ما يغيرش كوالين الشقة!
مجدي دخل على حسام وقال بنبرة فيها لؤم:
* “جرى إيه يا حسام؟ أنت عامل هيصة ليه؟ هي اللي مشيت بمزاجها، تلاقيها راحت لبيت أختها في الأرياف ولا عند حد من قرايبها.. المهم الوقتي الشقة دي تتفضي ونقفلها، والبنات لما يظهروا يبقوا ييجوا تحت ولايتنا!”
حسام مسك مجدي من جلابيته وعصره في الحيطة، وعيونه طالع منها الشرار:
* “أقسم بالله يا مجدي، لو لسانك نطق كلمة ثانية عن الشقة أو الورث قبل ما أطمن على البنات، لأكون النهاردة في الحارة وقافل بيتك! أنتم مش بني آدمين، أنتم دياب لابسة هدوم بني آدمين!”
الناس اتجمعت وفرقت بينهم، وحسام ركب عربيته وبدأ يلف في كل مكان يخطر على البال. راح لمواقف الأتوبيسات، محطات القطار، أقارب زينب القدام في الصعيد والأرياف، بس الكل أجمع إن محدش شافها ولا يعرف عنها حاجة.
مرت ثلاثة أيام.. ثلاثة أيام والبيت زي القبر. لا أكل ولا شرب ولا رزق يدخل. وفاء محبوسة في شقتها تبكي وتدعي، ولاد حسام السبعة بيسألوا كل دقيقة: “فين جنى؟ فين مليكة؟ فين ماما زينب؟”.
والحاجة فاطمة قعدت في الصالة تحت، الهدوم السودا عليها، والندم بدأ ياكل في قلبها. عينيها بقت متثبتة على الباب، كل ما خبط حد تتنطر وتقول: “البنات رجعوا؟ زينب جت؟”. كانت فاكرة إنها بتاخد تار ابنها الميت، بس اكتشفت إنها بتموت ولاده المتقيين.


