قصص وروايات

حكايات اسما 1

اتجوزت مريضتي وأنا عارف إنها فاضل لها 3 أيام بس وتفارق الحياة… وبعد جنازتها، أختها جتلي ومعاها صندوق صغير، وقالتلي جملة خلت قلبي يقف من الخضة: أختي وصّتني ما أديكش الصندوق ده غير بعد وفاتها!

أنا دكتور عندي 30 سنة، ومن وأنا صغير كان حلم حياتي إني أبقى طبيب.

أهلي كانت ظروفهم المادية صعبة، ومقدروش يساعدوني في مصاريف دراستي، فكنت بقضي الأسبوع كله في المذاكرة، وأشتغل في الإجازات علشان أقدر أصرف على نفسي وأكمّل تعليمي.

وبعد سنين من التعب والسهر، ربنا كرمني وحققت حلمي وبقيت دكتور.

لكن عمري ما تخيلت إن في يوم من الأيام هدخل المستشفى علشان أعالج مريضة… وأخرج منها وأنا شايل ذكرى زوجة عمري اللي ما عشتش معاها غير يومين!

كل حاجة بدأت لما دخلت حياتي بنت عندها 18 سنة.

كانت جميلة بشكل يخطف القلب، لكن أجمل حاجة فيها كانت روحها وضحكتها اللي عمرها ما كانت بتفارق وشها.

رغم مرضها الشديد، ورغم إن العلاج كان بيتعبها جدًا، كانت أكتر واحدة بتنشر البهجة في المستشفى.

كانت بتهزر مع الممرضات، وتضحك مع الدكاترة، وكل ما أدخل أطمن عليها تفضل تحكيلي مواقف مضحكة، وتعاكسني بالكلام علشان تخليني أضحك.

وفي يوم، أول ما دخلت أوضتها، بصتلي وقالت: يا دكتور، هو حضرتك تعرف إن الضحك ببلاش؟!

بصيتلها باستغراب وقلت:— وإيه مناسبة السؤال الغريب ده؟

ضحكت وقالت= أصل حضرتك داخل عليّا بوش كأنك جاي تحصّل مني إيجار المستشفى!

غصب عني ضحكت.فقالت بانتصار:

— أهو كده! أخيرًا اكتشفنا إن الدكتور بيعرف يضحك!

ومع مرور الأيام، بقيت بستنى أشوف ابتسامتها، وأسمع هزارها اللي كان بيهون على كل اللي حواليها.

لكن للأسف، جه اليوم اللي كنا كلنا خايفين منه.

نتائج الفحوصات أكدت إن العلاج مبقاش بيجيب نتيجة، وإن حالتها وصلت لمرحلة مفيش فيها علاج يقدر ينقذها.

والأصعب من كل ده إن الوقت اللي فاضل لها كان قليل جدًا.

ورغم إنها عرفت الحقيقة، فضلت محتفظة بابتسامتها.

وفي يوم، وأنا قاعد جنب سريرها بطمن عليها، بصتلي بنظرة مختلفة تمامًا عن كل مرة، وقالت بصوت هادي:— يا دكتور… ممكن أطلب منك طلب؟

قلت:— طبعًا، اطلبي اللي إنتِ عايزاه.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:— أنا عندي أمنية أخيرة نفسي أحققها قبل ما أموت.

حسيت بغصة في قلبي، لكن حاولت أتماسك وسألتها:وإيه هي أمنيتك؟

بصتلي في عينيّ، وابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت: نفسي أتجوزك!افتكرتها بتهزر كعادتها.قلت وأنا بحاول أضحك:إنتِ لسه عندك طاقة للهزار؟

لكنها هزت راسها وقالت: المرة دي مش بهزر… أنا بجد نفسي أتجوزك.

وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة وأضافت: يعني معقول أمشي من الدنيا دي من غير ما ألبس فستان فرح ولو مرة واحدة؟!

فضلت باصصلها ومش عارف أقول إيه.كنت عارف إن قدامها أيام معدودة، وإن طلبها مش مجرد هزار، لكنه حلم أخير لبنت صغيرة كانت نفسها تعيش حياة طبيعية، وتفرح زي أي بنت في سنها.

 

وفي النهاية، وبعد ما اتأكدت إن ده قرارها الحقيقي، وافقت.

 

وتاني يوم، عملنا فرح صغير جدًا جوه المستشفى، بحضور أهلها وبعض العاملين، وبعد استكمال الإجراءات اللازمة.

 

قلعت البالطو الأبيض، وسيبت السماعة الطبية، ولبست قميص وكرافتة.

 

واحدة من الممرضات عملتلنا خاتمين رمزيين من شرائط ضمادات نظيفة.

 

أما هي، فكانت لابسة طرحة بيضا رقيقة فوق راسها اللي فقدت شعرها بسبب العلاج، وكانت مبتسمة كأنها أسعد عروسة في الدنيا.

 

أختها جابتلها بوكيه ورد صغير.

 

وكل الموجودين كانوا بيحاولوا يخفوا دموعهم.

 

لكن هي كانت بتضحك.

 

طول الحفل ما بطلتش ابتسامتها، وكأنها قررت إن آخر ذكرياتها في الدنيا لازم تكون مليانة فرحة.

 

وبعد يومين بس من جوازنا… فارقت الحياة.

 

رحلت بهدوء، وسابت جوايا وجع عمري ما كنت متخيل إني ممكن أحسه.

 

يوم جنازتها، وقفت جنب عربيتي بعد ما الناس بدأت تمشي، ولسه عقلي مش قادر يستوعب كل اللي حصل.

 

إزاي بنت دخلت حياتي من أيام قليلة قدرت تسيب الأثر الكبير ده كله في قلبي؟

 

وإزاي بقيت زوج، وبعد يومين بس بقيت أرمل؟

 

كنت واقف سرحان، وفجأة سمعت صوت حد بينادي عليّا.

 

التفت، فلقيت أختها جاية ناحيتي بسرعة، وماسكة في إيديها صندوق صغير.

 

وقفت قدامي، وعينيها مليانة دموع، وقالت:

 

— استنى يا دكتور… أختي سابتلك حاجة قبل ما تموت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى