
فتحت الباب ببطء، وكانت الشوكة قلبي من جديد حين وجدت طفلة صغيرة لا تتعدى العاشرة من عمرها تقف بمفردها على عتبة الشقة، ترتدي معطفًا ثقيلًا، وفي يدها الصغيرة مظروف أبيض يحمل اسمي بخط أنيق ومألوف تمامًا.
نزلت على ركبتي ليكون مستواي بمستواها، وسألتها بصوت متهدج بالكاد يخرج:
— مين حضرتك يا حبيبتي؟ وإيه ده؟
نظرت إليّ بابتسامة هادئة تشبه تمامًا تلك الابتسامة التي غادرت عالمي قبل أسابيع، وقالت بصوت بريء:
— أنا بنت جيران عمتي.. وهي طلبت مني أسلمك الظرف ده دلوقتي بالظبط، وقالت لي إن الدكتور هيعرف كل حاجة لوحده.
قبل أن أستطيع نطق حرف واحد، استدارت الطفلة بخطوات سريعة ونزلت على الدرج، تاركة إياي وحدي في منتصف الممر. أغلقت الباب بعنفوان هادئ، وعدت إلى داخل الشقة ويدي ترتجف بشدة. مزقت الظرف بلهفة، وأخرجت منه ورقة بيضاء طويلة مطوية، مع مفتاح معدني صغير لم أره من قبل.
بدأت أقرأ الكلمات المكتوبة بخط يدها الذي حفظت تفاصيله عن ظهر قلب:
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنك فتحت الصندوق، وأدركت جزءًا صغيرًا من حكايتي.. ولكن يا رفيق عمري القصير، هناك سرّ أخير أخفيته عنك وعن العالم أجمع، سرّ يتعلق بيومنا الأول ويومنا الأخير، وبالمكان الذي وُلد فيه حبنا.”
توقف نبض قلبي وأنا أتابع القراءة:
“تعلم جيدًا أنني قضيت سنوات طويلة في هذا المستشفى، لكن ما لا تعرفه هو أنني لم أكن مجرد مريضة نتلقى العلاج، بل كنت أرتبط ارتباطًا وثيقًا بكل زاوية فيه. قبل أن تتخرج وتصبح طبيبًا، وقبل أن أرى وجهك للمرة الأولى، كنت قد تبرعت للجناح الطبي للأطفال المرضى بكل ما أملك من مدخرات عائلتي الصغيرة، وكتبت وصية قانونية خاصة لدى محامٍ صديق لعائلتي.”
أخذت نفسًا عميقًا وعيناي تجولان في أرجاء الغرفة، بينما استمرت الكلمات في كشف الحقيقة الصادمة:
“الوصية لم تكن أموالاً يا دكتور.. الوصية كانت تخص شقة صغيرة تقع على مقربة من المستشفى، شقة ورثتها عن أمي الراحلة، وكنت أحلم طوال فترة مرضي أن أعيش فيها معك، أن أعد لك القهوة كل صباح وأنت تستعد لذهابك إلى العمل، وأن تنتظرني في المساء لنضحك معًا. لكن المرض لم يمهلني، ولم يترك لنا متسعًا من الوقت لنحقق هذا الحلم على أرض الواقع.”
انهمرت دموعي بغزارة على الورقة، وأنا أتحسس المفتاح المعدني البارد في كفي.
“المفتاح الذي بين يديك الآن هو مفتاح تلك الشقة. العنوان مكتوب في ظهر هذه الورقة. لقد أردت أن أترك لك بيتًا يجمعنا، مكانًا لا توجد فيه جدران بيضاء للمستشفيات، ولا رائحة مطهرات، ولا أجهزة إنذار تنذر بالنهاية. مكان تستطيع فيه أن تتذكرني وأنت جالس على الأريكة التي اخترتها بنفسي وأنا أتخيلك معي.”
قلبت الورقة ببطء، ووجدت عنوان الشقة مدونًا بدقة في الأسفل.
وقفت هناك، والنظرة معلقة بين المفتاح وبين الكلمات الأخيرة التي ختمت بها رسالتها:
“لا تبكِ يا دكتور.. فأنا لم أرحل حقًا. أنا أعيش في كل ضحكة زرعتها في قلوب مرضاك، وفي كل نبضة حياة أعدتها لهم بابتسامتك. اذهب إلى بيتنا.. وافتح الباب.”
ظللت واقفًا لدقائق طويلة أتأمل المفتاح الصغير بين أصابعي، وكأن الزمن قد توقف بي عند تلك اللحظة. الكلمات كانت تدور في رأسي بلا توقف، وصوتها الدافئ يكاد يتردد في أرجاء الشقة الهادئة. لم أتردد لحظة واحدة؛ ارتدوت معطفي بسرعة، وأخذت المفتاح وعنوان الشقة المكتوب على الورقة، ونزلت إلى الشارع متوجهًا نحو العنوان الذي حفرته في ذاكرتي.
كانت الشחنة باردة وليلة هادئة، بينما سيارتي تشق الشوارع الخالية حتى وصلت إلى الحي الهادئ القريب من المستشفى. توقفت أمام البناية القديمة ذات الطابع العريق التي طالما مرت عيناي بجانبها دون أن أعرف أنها تحمل جزءًا من قدري. صعدت السلم بخطوات متسارعة حتى وصلت إلى الطابق الثالث، ووقف أمام الباب الخشبي الذي يحمل الرقم الذي أبحث عنه.
مددت يدي ووضعت المفتاح في القفل. التفت المفتاح بسلاسة وكأنه كان ينتظرني منذ سنوات طويلة، وانفتح الباب بصرير خفيف. دفعت الباب ودخلت إلى الداخل، وحين أضاءت النور، أخذت أنظري تتجول في المكان بذهول تام.



