
مسحت الألبوم كله من التليفون، مسحت كل صورة، وكأن كل مسحة كانت بتنزع حتة من روحي. بس المسح ما رجّعش العفش مكان، ولا رجّع صوت ابني وهو بيضحك في اللي فوقي، ولا مسح الكسرة اللي سبتها في قلب مراته. قعدت على السيراميك البارد في شقته الفاضية، الصوت جوايا كان صراخ مكتوم، والعمارة كلها ساكتة زي القبور.
مرت شهور، العيد جه وعدى وأنا قاعدة بين أربع حيطان، لا بابي خبط، ولا تليفوني رن بصوت ابني يقولي “كل سنة وانتِ طيبة يا أمي”. الفلوس كانت بتنزل في الحساب زي الساعة، بس الفلوس كانت طالعة زي الجمرة في إيدي، تفكير إنه بيبعتهالي كأنه بيخلص ذمته من ربنا، من غير نفس ولا كلمة، كان بيدبحني كل يوم ألف مرة.
أهل العمارة خلاص نسيوا الموضوع وبطلوا يتكلموا، بس النظرات اتغيرت؛ بقت نظرات تجنب وتحاشي، كأني مريضة بمرض معدي. حتى أم أحمد اللي كنت بفتكرها صديقتي، بقت لما تشوفني في الشارع تغير طريقها وتاخد شارع تاني. بقيت أخرج الصبح بدري أشتري طلبتي قبل ما حد يصحى، وأرجع أقفل عليا الباب بالترباس، أعيش مع الندم اللي بقى ياكل في جسمي لحد ما خست ونحلت، ووشي بقى زي العضم.
في يوم، وجسمي مش شايلني، جاتلي حمى شديدة. الحرارة رفعت وكنت في ومش قادرة أمد إيدي أجيب كباية مية. التليفون كان جنب السرير، مسكته وإيدي بتترعش، وطلبت رقم ابني. الرقم رن.. رن.. ورن.. لحد ما قفل. طلبت تاني وتالت، وفي المرة الرابعة، جالي صوته، بس ما كانش صوته.. كان صوت جاف، بارد، خالي من أي لهفة: «خير يا أمي؟ المصروف وصلك ولا في مشكلة في الحساب؟».
دموعي نزلت حامية على الخد، وقلت بصوت مقطوع ومبحوح من العياط والمرض: «أنا تعبانة يا بني.. الحرارة واكلاني ومش قادرة أقوم من السرير.. تعالى طل عليا يا حبيبي، والله ما هجيب سيرة حاجة، بس أشوف وشك وأطمن عليك».
ابني اتنفس بصوت تقيل وقال: «أنا بعيد يا أمي.. بيني وبينك ساعتين في السكة، ومراتي تعبانة والولد عنده ميكروب في أذنه ومحتاجني جنبه. أنا هكلم البواب ينزل يجيبلك دكتور ويشتريلك الأدوية، وهبعتلك حد يعملك أكل.. بس أنا مش هقدر أجي النهاردة».
صرخت بكسرة: «تبعتلي البواب ودليفري يا بني؟! أُمك بتموت وعايزاك أنت! مش عايزة دوا ولا دكاترة، عايزاك أنت يا ابني!».
رد عليا بنبرة هدّت اللي فاضل مني: «أنتِ اللي عملتي الفجوة دي يا أمي.. أنتِ اللي خليتيني لما أسمع صوتك أفتكر الفضايح والخراب والدموع اللي مسحتها من عين مراتي بالعافية. أنا بخاف أجي، بخاف لو جيت الشكوك ترجع وتتهد حياتي تاني. خلي البواب يساعدك، وأنا هتابع معاه بالتليفون».
بعد أسبوعين، لما قدرت أقف على رجلي بالعافية، أخدت قرار مجنون. استجمعت قواي، ولبست أحسن هدوم عندي، ونزلت محطة الاتوبيسات، وركبت السفر للمحافظة اللي ساكنين فيها. ما كنتش عارفة عنوانهم بالضبط، بس كان معايا اسم الشارع والحي اللي حما ابني أجر فيه الشقة، من ورقة قديمة شفتها بالصدفة في حاجة ابني قبل ما يسافر.
وصلت المدينة الغريبة عليا بعد ساعتين وكسر. الشوارع واسعة وناسينها ما يعرفونيش، بس أنا كنت بفيض بالخوف والتردد. فضلت ألف وأسأل في الحي لحد ما دلني واحد على العمارة اللي ساكن فيها “الاستاذ” حما ابني وابنه.
وقفت تحت العمارة، الشقة كانت في الدور الثالث، والنور كان قايد، وصوت ضحك خفيف طالع من البلكونة. كان صوت ابني.. صوت ضحكته اللي انحرمت منها من سنة كاملة. عينيا اتملت دموع، وقفت ورا شجرة ف الميدان القدام العمارة، وبصيت فوق.
وفجأة، خرجت مراته للبلكونة وهي شايلة البيبي على كتفها وبتطبطب عليه، وابني خرج وراها وحط إيده على كتفها ومسك إيد الولد الصغير وبيقبهلا. كانوا عايشين في هدوء وسلام، شكلهم كان مرتاح ومبسوط، وكأن الكابوس اللي كان في عمارتنا اتمسح من حياتهم نهائياً.
وقف قلبي، وحسيت إني غريبة، إني العاصفة اللي لو قربت من الشجرة دي هتكسر أغصانها تاني. رفعت إيدي من بعيد، وبصيت على حفيد اللي عمري ما مسكته في حضني ولا شميت ريحته. كنت هتقدم وأطلع السلم، بس افتكرت كلام ابني: «لو ظهرتِ، كل حاجة هتتهد للمرة الأخيرة».
في اللحظة دي، ابني وهو واقف في البلكونة، عينيه جات بالصدفة ناحية الشجرة اللي أنا واقفة وراها. اتسمر في مكانه، والضحكة اختفت من على وشه في ثانية. نزل إيده من على كتف مراته، وبصلي بذهول وصدمة، وشه اتغير ولونه اصفر زي يوم ما دخلت عليه بعلبة اختبار الحمل.




