صحة و جمال

حكاايات امانى السيد 3

السؤال فضّل معلّق في الهواء كأنه ضباب تقيل مالك ؛ هاني في مش قادر يتحرك، وجسمه مكسر من الحادثة، والدكاترة أقروا إن فترة العلاج الطبيعي والتأهيل هتطول لشهور طويلة ومش هينفع يقف على رجله ولا يمارس أي شغل قبل سنة على الأقل.

مراته كانت قاعدة جنبه، ماسكة كباية المية وبتسقيه بالراحة، عينيا كانت بتتنقل بينه وبينها وبين حماها اللي كان واقف جنب الشباك بيفكر وسرحان. الخوف كان بياكل في قلبي؛ يا ترى هينقولوه شقتهم الإيجار في البلد الغريبة دي ويقفلوا الباب عليهم؟ ولا مراته وأهلها هيحسوا إنه محتاج خدمة ومراعاة أمه اللي ملهاش شغلانة في الدنيا دلوقتي غير إنها تفديه بروحها؟

طلبت من مراته تنزل تستريح في الكافتيريا تحت الشوية دول وتتغدى هي وأهلها وتاخد الولد، وقلت لها برجاء ودموعي في عيني: «سيبيني جنبه يا بنتي الشوية دول.. والله ما هعمل حاجة تزعله ولا تضايقه، سيبيني أخدمه وأغير على جروحه تحت إشراف الممرضة».

مراته بصت لي بصة هادية ومفهاش أي أثر للغل القديم، وبصت لزوجها، لقته بيهز لها راسه بابتسامة خفيفة. طبطبت على إيدي وقالت: «الشقة شقتك والأوضة أوضتك يا طنط.. ده ابنك قبل ما يكون جوزي، وأنا عارفة إنك أكتر واحدة هتاخدي بالك منه».

أول ما الباب اتقفل وخلت الأوضة عليا أنا وهاني، قربت الكرسي جنب رأسه. مسكت فوطة بلبلتها مية وصرت أطبطب على وشها ورقبته عشان أخفف عنه حرارة السخونية. هاني كان بيبص لي بسكوت، عيونه المجهدة كانت بتتكلم كلام كتير من غير ما ينطق.

«أمي..» قالها بصوت وطي وبحّة المريض.

«عيون أمك يا روح أمك.. قول يا بني، حاسس بوجع؟ أطلب الدكتور؟»

غمض عينيه ورد عليا: «أنا حاسس بوجع في قلبي أكتر من رجلي يا أمي.. أنا بقالي سنتين تايق.. بتخبط بين إني أرضي مراتي وأحمي بيتي، وبين إني حاسس إني بعتك وقسيت عليكِ. أنا الحادثة دي كانت قرصة أذن ليا من ربنا عشان أعرف إن الحياة مقفولة من غير رضاكي، بس في نفس الوقت.. أنا خايف».

تنهد بوجع وقال: «أنا شغلي في الشركة هنا اتوقف بسبب الإجازة الطويلة، والشقة الإيجار اللي هنا إيجارها غالي قوي عليا وأنا مفيش دخل طالع لي غير القرشين اللي حوشتهم.. ومستحيل أقدر أتحمل مصاريف المستشفى والعلاج الطبيعي الشهور الجاية دي كلها وأنا قاعد من غير شغل. حمايا عرض عليا أروح أعيش معاهم في بيتهم الكبير.. بس أنا مش هقدر أقبلها على نفسي يا أمي، مش هقدر أكون عالة على أهل مراتي وأنا راجل البيت».

سكت لحظة وكأني أخيرًا لقيت السكة اللي أقدر أصلح بيها خرابي القديم. مسكت إيده وقربت منها وقلت بثقة وقوة عمرهم ما يجوا لي قبل كده: «تبيت في بيت حماك ليه وأنت عندك بيت شقاك وعمرك؟ الشقة اللي فوقي اللي بعتها.. المشتري بتاعها أنا عرفت إنه محتاج فلوس وعارضها للبيع تاني من شهر، وأنا معايا القرشين بتوع مؤخري وبيت أبوك القديم اللي بعته وركنت فلوسه في البنك للزمن! أنا هروح بكرة أشتري الشقة دي من الراجل وأكتبها باسمك وباسم ابنك! ترجع شقتك يا بني، عزز مكرّم، لا تدفع إيجار ولا تشيل هم مصاريف.. وأنا هكون تحت أمركم، أطبخ وأغسل وأشيل الولد، ومراتك ست الشقة والبيت، وأنا مجرد جارة في الدور اللي تحت، ومش هعتب شقتكم إلا بإذنها وموافقتها!».

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى