
مرت ثلاثة أيام وندى عايشة في بيتها في المعادي بين شغلها في المستشفى ومتابعة القضايا مع الأستاذ فاروق المحامي. إبراهيم وشيماء كانوا لسة محبوسين على ذمة التحقيق، وتجديد الحبس نزل عليهم زي الصاعقة بعد ما النيابة اعتمدت تفريغ كاميرات المراقبة وتقرير المعمل الجنائي اللي أثبت وجود مادة البنزين السريعة الاشتعال في موقع الحادث.
صفية حماتها كانت رايحة جاية بين المحكمة وقسم الشرطة، تحاول تجيب واسطة أو توصل لندى عن طريق قرايب معارفها عشان تدفع فدية أو تبوس إيدها تتنازل، بس ندى كانت قافلة تليفونها في وش أي رقم غريب، ومكلّفة عم إبراهيم البواب والأستاذ فاروق بإن محدش يخطو خطوة واحدة جوة الشارع.
أما طارق.. فكان زي الفص الملح وذاب. أمر الضبط والإحضار الصادر ضده خلاه يختفي عن الأنظار، ما يروحش مقاهي المنطقة ولا زمايله في الشغل اللي اتفصل منه بسبب غيابه المتكرر والبلاغات المقدمة ضده.
بس ندى كانت عارفة كويس إن طارق مش من النوع اللي يهرب ويكتفي بالهزيمة.. طارق راجل كبريائه اتمسح بيه الأرض قدام أهله وناسه، وخسر شقته وفلوسه ومراته في ضربة واحدة، والن وع البني آدمين ده لما بيوصل للحيطة السد، بيتحول لوحش مجروح ما بيفكرش في العواقب.
في ليلة الأربعاء، كانت ندى راجعة من المستشفى الساعة تسعة بالليل بعد نوبتجية طوارئ ثقيلة. الجو كان فيه نغمة كتمة ورطوبة عالية، والشارع في المعادي كان ساكت تقريباً.
أول ما نزلت من التاكسي وقربت من بوابة الفيلا، لاحظت إن النور الكشاف الكبير اللي فوق الباب مقطوع، واللمبة الخضراء بتاعة الشارع اللي جنب السور كانت مطفية بشكل مش طبيعي، كأن حد كسرها قاصد.
ندى حطت إيدها جوة شنطتها فوراً، ومسكت جهاز الصاعق الكهربائي الصغير اللي كانت شرياه لحماية نفسها من يوم حادثة الجاز.
مشيت بخطوات بطيئة وحذرة ناحية الباب الحديد.
صوت خفيف جداً، زي صوت قدم بتدوس على ورق شجر ناشف، طلع من ورا شجرة الفيكس العالية اللي على سور الفيلا المجاورة.
وقفت ندى مكانها، وما دخلتش البوابة.
رفعت صوتها بثبات وقوة:
– “اطلع يا طارق.. أنا عارفة إنك واقف هناك. الحركة الرخيصة دي مش جديدة عليك.”
من بين الظل الأسود للشجرة، خرج خيال راجل طول بعرض، هدومه دبلانة ووسخة، ووشه مليان شعر مش محلوق، وعينيه غايرة وجوهة حمرا من الغل والسهر.
كان طارق.. بس مش طارق اللي بيلبس قمصان مكوية وبياخد فلوسها يتفشخر بيها. كان إنسان ضايع، شارب غل وكره، وماسك في إيد إيديه يمين سكينة مطبخ طويلة بتلمع تحت ضوء الموبايل.
طارق بص لندى وضحك ضحكة مجنونة بصوت واطي ومبحوح:
– “شاطرة يا ندى.. طول عمرك نبيهة وتعرفي حس الحركة. بس المرة دي النباهة مش هتفييدك بحاجة.”
ندى ما رجعتش خطوة واحدة لورا. مسكت الصاعق في إيدها الشمال، وحطت إيدها اليمين على تليفونها في الشنطة وفتحت زرار الاتصال السريع بـ النجدة والأستاذ فاروق.
وقلت ببرود صلب:
– “جايب سكينة يا طارق؟ جاي تقتلني عشان تاخد البيت؟ فاكر لما تقتلني البيت هيتحول باسمك؟ البيت مسجل وقف خيري لأبحاث السرطان في وصيتي المسجلة رسمياً لو مت في أي ظروف جنائية.. يعني حتى لو موتني، مش هتشوف منه زلطة واحدة!”
طارق اتفاجئ بالكلمة، وشة اتشنج، وقرب خطوتين السكينة بتهتز في إيدو:
– “أنا مش عايز البيت يا ندى! أنا عايز أكسر مناخيرك دي! عايز أشوفك بتترجيني وأنتِ تحت رجلي بتصرخي عشان أرحمك! أنتي دمرتي عيلتي.. حبستي أخويا وأختي، ورميتي أمي في الشارع، وخليتي طوب الأرض يضحك عليا ويقول مراته علمته الأدب وركبته!”
ندى بصتله بنظرة شفقة حادة:
– “أنت اللي دمرت نفسك يا طارق. جشعك وجشع أهلك هو اللي وصلكم للهوية دي. أنتوا فاكرين إن الست لما تسكت وتصبر وتصرف على جوزها تبقى غلبانة ومش عارفة حقها؟ أنا كنت ساكتة عشان أصول البيت اللي تربيت فيه.. ولما افتكرتوا سكوتي ضعف وممدتوا إيديكم على شقا أمي، كان لازم أقطع الإيد دي بالقانون!”
طارق صرخ بصوت هيستيري وهجم عليها بالسكينة:
– “ودلوقتي مش هيكون فيه قانون!”
في أقل من ثانية، ندى تفادت الضربة الأولى بحركة سريعة اتعلمتها في تدريبات الدفاع عن النفس لممرضات الطوارئ، السكينة قطعت قماش بالطورها الأبيض بس ما لمستش جلدها.
وفوراً، رفعت ندى إيدها الشمال وضغطت جهاز الصاعق الكهربائي بثبات تام على رقبة طارق مباشرة!
شرارة كهربائية زرقاء صرخت بصوت حاد (تتتتشش)، وطارق أطلق صرخة مكتومة ومرعبة! جسمه اتشنج بالكامل، والسكينة وقعت من إيده ورنت على سيراميك مدخل البوابة، ورجليه اتسحبت تحته ووقع على الأرض في الطين وهو بينهج وبيتنفض من أثر الكهرباء!
في نفس اللحظة، عم إبراهيم البواب وخرجان من البناية المجاورة جُم يجروا على صوت الصرخة، ومسكوا طارق وهو على الأرض وشالوا السكينة بعيد عنه.
ندى كانت واقفة، تنفسها سريع، بس حاطة رجليها جنب السكينة المرمية على الأرض، وبتبص لطارق اللي مرمي تحت رجليها مش قادر يتحرك.
عم إبراهيم البواب قال برعب:
– “يا ساتر يا رب! ده كان عايز يقتلك يا ست ندى! الحمد لله ربنا سلم!”
ندى طلعت تليفونها اللي كان متصل بالنجدة بالفعل، ورفعت الصوت على السبيكر:
– “يا فندم.. المتهم طارق عبد المجيد الهربان من إذن الضبط والإحضار، اعتدى عليا حالاً بسلاح أبيض أمام منزلي بالمعادي، وتلقيت السلاح وتم السيطرة عليه من قبل الأهالي، ونحن في انتظار الدورية.”
صوت ضابط النجدة رد بسرعة:
– “الدورية عندك خلال دقيقتين يا مدام.. أثبتي في مكانك وحافظي على حرز السلاح!”
طارق كان بيحاول يرفع راسه من الأرض، وعينيه مليانة دموع عجز وخزي. بص لندى بصوت مكسور ومترجي:
– “ندى.. ارحميني يا ندى.. ما تودينيش السجن.. أمي بتموت برة ومش حيلتها حاجة.. أنا جوزك!”
ندى وطت شوية وبصت في عينيه اللي كان فيها نفس كبرياء زمان المستعار، وقالت له بصوت جاف وزي الحجر:
– “أنت كنت جوزي لما كنت راجل بيحفظ غيبتي وبيحترم شقايا.. إنما لما جيت بسكينة تشرب من دمي عشان تأخد شقا أمي فاطمة، بقت مجرم وهتاخد جزاك بالقانون. السجن هو المكان الطبيعي للي زيك يا طارق.”
خلال دقائق، الشارع كله اتملى بأضواء سيارات الشرطة. الضابط نزل بنفسه، وتحفظ على السكينة، وأمر بصلب طارق بالكلبشات وركبوه البوكس وسط ذهول أهل المنطقة اللي جمعوا يتفرجوا على نهاية الزوج الجشع.
الأستاذ فاروق المحامي وصل في نفس الوقت، ومسك ملف القضايا وقال لدكتور النيابة المتواجد:
– “يا فندم، التهمة دلوقتي اتغيرت من حريق واقتحام إلى شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد، واستخدام سلاح أبيض، والانضمام لتشكيل عصابي لإتلاف الممتلكات. القضايا دي كفيلة بتاخد عقوبة مش أقل من 15 سنة سجن مشدد.”
ثاني يوم الصبح..
الشمس طلعت على المعادي صافية ودافية.
ندى كانت قاعدة في جنينة بيتها، ماسكة كوباية شاي بالنعناع، وحاطة على الترابيزة قدامها شهادة إعلام الوراثة، وحكم الخلع النهائي اللي صدر لصالحها بصفة مستعجلة لضرر الاعتداء والجريمة.
تليفونها رن.. كان المحامي فاروق.
– “صباح الخير يا مدام ندى.. أحب أبلغك إن النيابة أمرت بإحالة طارق وإبراهيم وشيماء جميعاً إلى محكمة الجنايات بتهم الشروع في القتل والشروع في الحريق العمد والاقتحام ليلاً، ورفضت جميع طلبات الكفالة.”
ندى تنفست بعمق، وقالت بثقة:
– ” الحمد لله يا متر.. الحق رجع لصحابه، وبيت الحجة فاطمة هيفضل مفتوح ونظيف من أي شر.”
قفلت ندى الخط، وبصت لشجرة الفل اللي بدأت تطلع زهور جديدة بيضاء ونظيفة في المكان اللي الجاز كان مندلوق فيه.
مسكت عود فل، وحطته جنب صورة أمها فاطمة، وقالت بابتسامة هادية وراضية:
– “صنت الوصية يا أمي.. والبيت بقى ملك صاحبه الصادق.”
أنار الضوء الخافت لمكتب الأستاذ فاروق المحامي أوراق القضايا المفرودة أمامه. كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً من يوم الأحد، وندى تجلس أمامه بكل هدوء وثبات، ترتدي ملابسها العملية وشعرها مرفوع للوراء، بينما يبدو على وجه المحامي مزيج من الارتياح والترقب الجاد.
وضع فاروق ملفاً أزرق ثقيلاً أمام ندى، وقال وهو ينظر إليها باحترام شديد:
– “مدام ندى.. أمر إحالة طارق وإبراهيم وشيماء لمحكمة الجنايات اتحدد له جلسة عاجلة الأسبوع الجاي. التهم الجنائية الثابتة عليهم بالدليل القاطع، من أول فيديوهات المراقبة للتقرير الطبي للبصمات على السكينة وجردل الجاز، بتضمن لنا حكم رادع مش هيقل عن عشر سنين سجن مشدد للجميع.”
هزت ندى رأسها بهدوء، وقالت بصوت متزن:
– “أنا مش طالبة غير العدل يا أستاذ فاروق.. ومش عايزة غير إن البيت وذكرايات أمي يفضلوا في أمان.”
– “حقك بالقانون انصان وزيادة،” رد المحامي وهو يبتسم، “بس في تطور جديد حصل الصبح.. الحاجة صفية، حماتك، واقفة برة مع محامي جديد جابته، وترجتني أدخلها تقابلك خمس دقائق بس قبل ما القضايا تترحل للمحكمة. قلت لها القرار لكي أنتي.”
سكتت ندى لثوانٍ، تنفست بعمق وهي تتذكر وجه صفية عندما كانت تملأ البيت صراخاً وتقسم الغرف، وتتذكر ابتسامتها الصفراء وهي تتوقع استسلام ندى.
قالت ندى بنبرة باردة:
– “خليها تدخل يا متر.. خليني أسمع آخر ما عندها.”
فتحت الباب ودخلت صفية بخطوات مكسورة وثقيلة. لم تعد تلك الست الفخورة بعباءتها الشيك ونظارتها الشمسية الماركة؛ كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، وجهها شاحب، وتحت عينيها سواد رهيب من أثر السهر والبكاء على أبنائها الثلاثة المحبوسين.
وقفت صفية عند طرف المكتب، ولم تجرؤ حتى على الجلوس إلا بعد أن أشار لها المحامي، وبصوت مخنوق بالدموع والكسرة، بدأت تتكلم وهي تنظر في الأرض:
– “ندى يا بنتي.. أنا جاية لكي مش بصفتي حماتك ولا بصفتي صفية بتاعة زمان.. أنا جاية لكي كأم مقهورة، كأم شايفة أولادها الثلاثة هيلبسوا البدلة الزرقاء ويضيع مستقبلهم في السجن.”
ندى لم تتحرك، ولم تنطق بكلمة واحدة، بل ظلت تنظر إليها بنظرة حادة وصامتة تزن كل كلمة.
تابعت صفية وبكاؤها يشتد:
– “طارق غلط.. وإبراهيم وشيماء طمعهم عماهم، وأنا.. أنا أول واحدة أعترف إني ظلمتك، وإني طمعت في حقك ورزق أمك الله يرحمها. ربنا انتقم مني في عيالي وفي صحتي.. الشقة اتسحبت منا، وإحنا مش لينا سقف، وأولادي محبوسين ورا القضبان. تنازلي عن محضر السلاح والحريق يا ندى.. ابوس إيدك تنازلي، وخدي أي ضمانات أو تنازلات كتبية تطلبيها!”
قامت ندى من على الكرسي ببطء، ومشيت لحد ما وقفت أمام صفية مباشرة، وبصت في عينيها الدامعتين.
قالت ندى بصوت ناصع كالسيف:
– “فاكرة يا خالتي صفية.. أول يوم فتحت فيه بيت أمي؟ فاكرة لما وقفتي في نص الصالة ووزعتي الأوض، وقررتي تاخدي أوضة أمي الكبيرة اللي لسة ريحتها فيها؟ فاكرة لما قلت لطارق ‘أمي فاطمة بياعة الفول سابتلي بيت وسابتلي شرف’ وسخرتوا مني ومن شغلي في المستشفى؟”
صفية حطت إيدها على وشها وانتحبت:
– “سامحيني يا بنتي.. كنت أعمى الغل والطمع!”
– “أنا ما كرهتكمش،” كملت ندى بكل صلابة، “لكن أنا اتعلمت أحمي نفسي وأحمي شقا أمي. التنازل عن القضايا دي مش تسامح.. ده هيكون إهانة لدموع أمي اللي شقيت عشان البيت ده يفضل لي سند. القانون هو اللي هيحكم بيني وبين أولادك، والعدالة هي اللي هترد لرسول أمي حقه.”
لفت ندى للمحامي فاروق وقالت بقرار لا رجعة فيه:
– “أستاذ فاروق.. أنا مش هتنازل عن حرف واحد في المحاضر، ومش هقابل حد تاني من طرفهم. تفضل كمل الإجراءات والجلسة في ميعادها.”
خرجت ندى من مكتب المحامي مرفوعة الرأس، وتركت خلفها صفية تبكي وتتوسل بلا فائدة، بعدما أدركت أن ندى لم تعد تلك الزوجة المطيعة التي يمكن استغلالها أو كسرها بالدموع المزيفة.
وفي طريق العودة إلى المعادي، كانت شوارع القاهرة تسطع بالشمس. دخلت ندى بيتها، وفتحت الباب الحديدي بثبات، واستنشقت ريحة الفل والياسمين المليانة بالهواء النقيف.
كان البيت هادئاً، آمناً، ويشهد على صمود ابنة “الحجة فاطمة” التي رفضت أن تكون لقمة سائغة في أيدي الطماعين.
جاء يوم الجلسة الحاسمة في محكمة جنايات القاهرة. القاعة كانت ممتلئة عن آخرها، وأقارب المتهمين والحضور يتهامسون في ترقب. ندى كانت تجلس في الصف الأمامي بجانب محاميها الأستاذ فاروق، ترتدي زياً أسود أنيقاً ووشاحاً أبيض ناصعاً، وثباتها يملأ المكان هيبة، بينما كان طارق وإبراهيم وشيماء يقفون داخل قفص الاتهام، بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، ووجوههم شاحبة ينطق منها الخزي والندم.
في زاوية القاعة، كانت صفية تجلس منكسرة، تعتصر منديلها وتبكي بصوت خافت كلما التقت عينها بأحد أبنائها خلف القضبان.
نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري: “محكمة!”
وقف الجميع في خشوع، ودخلت هيئة المحكمة برئاسة المستشار ومستشاريه. ساد الصمت التام في القاعة، وبدأ القاضي في تلاوة الحيثيات بصوت فخم يتردد بين الجدران:
– “بعد الاطلاع على الأوراق، وتفريغ تسريبات كاميرات المراقبة، وتقرير المعمل الجنائي، وسماع شهادة الشهود وإقرار المتهمين.. تبين للمحكمة أن المتهمين قد أعماهم الطمع والمكر، وتجردوا من روابط الدم والرحم، وشرعوا في سلب حقوق المجني عليها وإرهابها، بل والشروع في إتلاف ممتلكات وإضرام النيران، واعتداء الأول بسلاح أبيض مع سبق الإصرار والترصد.”
وقف القاضي ورفع أوراق الحكم، وبصوت حاسم نطق بالحكم النهائي:
– “حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات على المتهم الأول طارق عبد المجيد مع الشغل والنفاذ، عن تهم الشروع في القتل وإحراز سلاح أبيض.
ثانياً: بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات على كل من المتهم الثاني إبراهيم عبد المجيد والمتهمة الثالثة شيماء عبد المجيد، عن تهم الشروع في الحريق العمد واقتحام ملكية خاصة.
ثالثاً: إلزام المتهمين جميعاً بالمصاريف الجنائية وتعويض مدني مؤقت للمجني عليها.”
سقطت صفية مغشياً عليها في القاعة، وعلت صرخات شيماء واستغاثات طارق وإبراهيم وهم يُساقون بالكلابشات للترحيلات إلى السجن، حيث سينفذون عقوبتهم الرادعة.
لم تتشامَت ندى، ولم تنزل منها دمعة ضعف واحدة. رفعت رأسها للسماء، وتنفست بعمق كأنما تُزيح عن كاهلها حملاً ثقيلاً دام لسنوات.
بعد أسبوعين، كانت المعادي تشهد يوماً مشرقاً جديداً.
وقف عم إبراهيم البواب يدهن سور الفيلا الخارجي باللون الأبيض النظيف، بينما ندى تقف في الجنينة الخلفية ومعها بستاني يعيد زراعة حوض الفل والياسمين بأحواض جديدة تملأ المكان بعطر زكي.
أخرجت ندى من شنطتها لافتة رخامية صغيرة، كانت قد وصت عليها خصيصاً، وثبتتها بيديها عند بوابة الفيلا الأساسية. كانت الرخامة منقوشة بخط عربي أصيل:
«دار الحجة فاطمة عبد الرحمن – لا يدخلها إلا أهل الصدق والكرامة»
وقفت ندى ترقب اللافتة، والريحة الطيبة تلف المكان من حولها. أحست بلفتة دافئة تجتاح قلبها، وكأن روح أمها تقف بجوارها، تبتسم لها وتطبطب على كتفها بخرق ومحبة.
ابتسمت ندى بثقة، وأغلقت باب بيتها الحديدي المتين، وهي تعلم أن حقها صِين، وأن وصية أمها تحققت بالحرف: رفعت رأسها، وصانت بيتها، وقاطعت إيد الطماعين إلى الأبد.



