صحة و جمال

حكايات صافى هانى 2

وقفت في صالة المبنى الزجاجي الضخم، والموبايل في إيدي عمال يرن بدون توقف. رسائل أمي الصوتية كانت متواصلة وصوتها فيها مرعوب ومخنوع بالدموع، بتتحايل عليا أرجع المستشفى لأن قرايبنا كلهم اتجمعوا وهددوا أبويا إنه جاب العار للطبقة والعيلة بقلة تقديره لبنته المتفوقة أمام العالم كله.

مسحت وشي بإيدي وأخدت نفس عميق. الوجع القديم حاول يصحى جوايا، فكرة “الأب المريض” و”البنت البارة”، بس العقل اللي اتطحن أربع سنين في السهر والمذاكرة والاعتماد على النفس رفض يرجع لورى.

ركبت العربية ورجعت على مستشفى الاستثماري اللي أبويا اتنقل ليها. أول ما دخلت الدور، لقيت عمامي وخالتي واقفين بره الأوضة وصوتهم طالع ومجتمعين كأنهم في سرادق. عمي الكبير أول ما شافني، قرب عليا بلهفة وفتح دراعاته وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع: “أهلاً بالبطلة! أهلاً بفخر عيلة نصار كلها! تعالي يا إيمان يا بنتي، تعالي شوف الأستاذ اللي ربيتك وشرفتينا قدام الناس كلها!”

بصيت لعمي بثبات وما اترمايتش في حضنه. ده نفس العم اللي لما طلب منه أبويا سلفة من سنتين عشان يدفعلي مصاريف السكن الجامعي، رد عليه وقال له: “البنات ملهاش غير بيت عدلها، وفر فلوسك لجوازها أو لكورة أخوها”.

دخلت الأوضة. أبويا كان قاعد على السرير، معلق جلوكوز في إيده، ومونيتور الضغط جنبه. أمي كانت قاعدة جنبه وعينها حمرة من العياط، وتامر أخويا كان واقف في كورنر الأوضة سانداً على العكاز، لافف رباط على رجله وماسك موبايله اللي عمال يجيله عليه تنبيهات من أصحابه وبيشوف كومنتات الناس المقتنعة إن أهلي هما اللي ظلموا إيمان.

أول ما أبويا شافني، عينه دمعت وقال بصوت مجهد: “إيمان.. جيتي يا بنتي؟ تعالي قرمي مني.. أنا عارف إني أخطأت في حقك، بس أنا أبوكي.. والناس بره وبنات عمك والمنطقة كلها أكلوا وشي. التلفزيون جايب الفيديو بتاعك في كل نشرة، وبيقولوا ‘أب يخذل بنته الأولى على الدفعة’. رضيتيها عليا يا إيمان؟ رضيتي إن أبوكي يتهان على كبر؟”

أمي قربت مني وهي بتسحب إيدي: “يا إيمان عشان خاطر ربنا، نزل فيديو تاني وقولي إن المذيعين فهموا غلط، قولي إن أبوكي كان تعبان ومقدرش يجي الحفلة، وإننا بنحبك وشجعناكي.. نضفي صورة أبوتكي قدام عمامك اللي نازلين تقطيم فينا من الصبح!”

وقفت عند رجلي السرير، وبصيت لأبويا في عينه مباشرة. النظرة مكنتش انتقام ولا كره، كانت مجرد قطع للحبل السري اللي كان ربطني بالتوسل لعطفهم طول السنين اللي فاتت.

قلت بصوت واطي بس كل اللي في الأوضة سمعوه: “أنا متبليتش على حد يا بابا. أنا في خطابي قلت الحقيقة.. قلت إن فيه ناس حضرت وسندت، وناس اختارت تغيب. إنت الصبح على الفطار قلتلي إن النجاح ده مالوش قيمة، وإن فستان التخرج ‘زفة فاشلين’. ليه لما النجاح ده جاب الحج إسماعيل المنشاوي، وبقى تريند، وفلوس، وعقود شغل بآلاف الجنيهات، بقى اسمه ‘رفعتي راسنا’؟ ليه القيمة مظهرتش غير لما بقى فيها مصلحة وشهرة؟”

أبويا وشه اتخطف ومقدرش يرد، وبص للأرض.

تامر اتكلم بنبرة فيها عصبية وممزوجة بكسرة: “يعني إنتِ خلاص هترمينا يا إيمان؟ هتركبي العربيات الفخمة وتسافري إنجلترا وتسيبينا ناكل في بعض هنا؟ أنا النادي فسخ عقدي النهاردة الصبح بسبب خسارة إمبارح، وأبويا ضغطه عليّ ومحدش حاسس بالمصيبة اللي إحنا فيها!”

بصيت لتامر وقلتله: “أنا مش هرمي حد يا تامر.. أنا عمري ما كنت أنانية. المصاريف والعلاج بتاع بابا أنا هتكفل بيه كاملاً من أول مرتب هاخده من المؤسسة، ومصروف البيت أسبوعياً هيبعتلكم عن طريق البريد أو بنك.. بس أنا مش هرجع أعيش في البيت ده تاني.”

أمي صرخت بخضة: “مش هترجعي؟! هتروحي فين يا بنتي؟ الناس تقول علينا إيه؟!”

طلعت من شنطتي ورقة التكليف ومفتاح شقة صغيرة تابعة لمؤسسة المنشاوي في حي راقي قريبة من الأكاديمية: “الشركة وفرتلي سكن خاص بالباحثين والمطورين لغاية ما أسافر إنجلترا كمان شهرين. أنا أديتكم واجبي المالي كأبنة، بس حقكم عليا في المشاعر والتحكم في حياتي انتهى يوم ما سبتوني لوحدي في مدرج التخرج.”

عمي فتح الباب ودخل وهو بيقول: “عيب يا إيمان! تصرفات البنات دي متصحش عندنا، أبوكي ولي أمرك والكلمة كلمته!”

لفت لعمي وقلتله بجمود: “ولائي وكلمتي للناس اللي وقفوا معايا وأنا مباكلش عشان أوفر ثمن الملازم.. عم محمد بتاع المكتبة، وأبلة نادية، والحج إسماعيل. هما دول اللي كانوا عيلتي وقت ما الكل كان مستني أنكسر.”

أبويا رفع إيده بتعب وقال لعمي: “سيبها يا توفيق.. سيبها.. إحنا اللي زرعنا الجفاء ده بإيدنا يوم ما فضلنا الكورة والأوهام على تعبها وحلمها.”

سحبت شنطتي، وبصيت لأمي اللي كانت بتبكي بحرقة، ولأبويا اللي عينه ملهاش عين تبصلي، ولتامر اللي أدرك إن عصر الدلع والسيطرة بدون مجهود انتهى للأبد.

خرجت من المستشفى، والشمس كانت ساطعة ومالية الشارع. ركبت عربيتي، ورنيت على أبلة نادية وعلى عم محمد مسؤول المكتبة، وعزمتهم هما الاثنين على الغداء في أكبر مطعم في القاهرة عشان أفرّحهم بالمنحة وبعقدي الجديد.

وأنا قاعدة معاهم في المطعم وبنضحك، تليفوني رن برقم غريب.. رقم منسق المنح الدولية في مطار القاهرة، وبيبلغني إن الإجراءات اتسرعت وإن موعد سفري لإنجلترا اتحدد ليلة الجمعة الجاية.. بس المفاجأة الكبيرة كانت في الإيميل اللي وصلني بعدها بدقيقة من إدارة الجامعة في لندن!

فتحت الإيميل بفضول، وإيدي بتتحرك على شاشة الموبايل ببطء. الكلام كان بالإنجليزي، ومكتوب بأسلوب رسمي جداً من مكتب رئيس أبحاث التنمية والتعليم العالي بجامعة أكسفورد.

الإيميل مكنش مجرد تأكيد للقبول في الماجستير.. الإيميل كان بيبلغني إن كلمتي في حفل التخرج، بعد ما اترجمت للإنجليزية واستخدمت في تقرير عن “العزيمة والتعليم في الشرق الأوسط”، تم اختيارها لتكون الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولي للشباب وصناع القرار في لندن، وإنني سأمثل شباب مصر والعالم العربي كمتحدثة رئيسية، وبحضور سفراء وشخصيات دولية رفيعة المستوى!

أبلة نادية وعم محمد كانوا باصين لوشي وهو بيتغير، والابتسامة بتترسم على وشي ببطء.

“فيه إيه يا إيمان يا بنتي؟ خير يا رب؟” عم محمد قالها وهو بيحط كوباية الشاي من إيده بقلق.

نزلت الموبايل وبصيتلهم والدموع بتلمع في عيني، بس المرة دي دموع فرحة وانتصار حقيقي: “سفري اتحدد ليلة الجمعة الجاية يا عم محمد.. ومش بس هدرس هناك، أنا هقف على منصة المؤتمر الدولي للشباب في لندن عشان أقول نفس الكلمة اللي قيل عنها إمبارح إني بفضح بيها أهلي، بس المرة دي قدام العالم كله.”

أبلة نادية مسكت إيدي وقبلتها وهي بتدعيلي بدموع، وعم محمد مسح عينه بطرف جلبابه وقال: “سبحان من يعز من يشاء.. اللي رموكي في القاع يا بنتي، ربنا خلى قاعك ده هو المنصة اللي بتطلعي منها للسحاب.”

في الأيام الخمسة اللي فاضلين قبل السفر، نقلت حاجتي البسيطة لشقتي الجديدة. مكنتش شقة كبيرة، بس كانت دافية، وكلها كتب وورق وشهادات. أهلي حاولوا يوصلولي بجميع الطرق. أمي كانت بتجيلي تحت العمارة وتستناني بالساعات ومعاها أكل عيش صاج وحلويات عاملة بيديها، بس كنت بكتفي بإني أبعتلها الأمن يستلموا منها الحاجة وأبعتلها رسالة قصيرة: “وصلت، شكراً.. والفلوس اتحولت لحساب بابا.”

أبويا حاول يتصل بيا عن طريق الحج إسماعيل المنشاوي، وافتكر إن لو الحج اتدخل أو طلب منه يسفر معايا لندين كولي أمر، أنا هوافق.

لكن الحج إسماعيل اتصل بيا بنفسه يوم الأربعاء، وقاللي بصوت هادي ووقور: “إيمان.. أبوكي كلمني، وكان بيترجاني إني أتدخل عشان يسافر معاكي لندن، أو على الأقل ييجي المطار يودعك ويكون موجود في الصورة اللي هتنزل في الجرايد وأنتي مسافرة. أنا قلتله إن القرار قرارك إنتِ، ومفيش حد يقدر يجبرك على حاجة بعد النهاردة. إيه رأيك؟”

غمضت عيني وافتكرت يوم الفطار.. افتكرت برود أبويا وهو بيدهن العيش زبدة وبيقولي “زفة فاشلين”، وافتكرت أمي وهي ممرغمة عينها في الموبايل عشان ماتش أخويا، وافتكرت مشيتي لوحدي في الشارع وأنا شايلة روب التخرج وثقله على كتفي.

قلت بثبات: “يا حج إسماعيل.. اللي مسبقش معايا في المارثون، ملوش حق يمسك الشريط معايا وأنا بأقطع خط النهاية. أنا هسافر لوحدي.”

الحج إسماعيل ابتسم وقال: “هو ده الرد اللي كنت مستنيه منك.. القوة مش إنك تنتقمي، القوة إنك تحطي حدود للناس اللي ميعرفوش قيمتك غير لما تبقي فوق.”

وجاءت ليلة الجمعة.

المطار كان زحمة وأضواء الصالة كان لها بريق خاص. كنت لابسة طقم السفر الرسمي، وشايلة شنطة كتفي، وماشية بثقة بين المسافرين. الحج إسماعيل كان باعتلي مدير علاقات عامة من الشركة يخلصلي كل إجراءات VIP في المطار، وكانت أبلة نادية وعم محمد ونادين صاحبتي واقفين يودعوني عند بوابات الدخول.

حضنتهم بحرقة، وكان العياط الحقيقي هو عياط الامتنان للناس اللي كانوا عيلتي الحقيقية في وقت الظلمة.

وفجأة.. وقبل ما أدخل صالة الجوازات بـ 10 دقايق، سمعت صوت دوشة وصراخ واصل من عند البوابة الخارجية للمطار!

لفت وشي وشفت منظر هز المكان كله.

أبويا، وأمي، وتامر أخويا بعكازه.. كانوا واقفين عند البوابة والأمن ماسكهم وبيمنعهم يدخلوا لأنهم معندهمش تذاكر أو تصريح دخول لصالة المسافرين!

أمي كانت بتبكي بصوت عالي وبتشاورلي من بعيد بقطعة قماش في إيدها، وأبويا كان بيصرخ بعلو صوته ورأسه عريانة من القبعة، وبينادي بإسمي في صالة المطار قدام كل الناس: “إيمان! يا إيمان يا بنتي! خدينا في حضنك قبل ما تسافري! سامحينا يا بنتي والله ما كنا نعرف إنك غالية أوي كده!”

الناس في المطار كلها بدأت تتلفت وتبص عليهم، وبعض الناس اللي عرفوا وشوشهم من فيديو التيك توك بدأوا يتهامسوا ويمسكوا موبايلتهم يصوروا المشهد.

تامر أخويا كان واقف باصصلي، ولأول مرة أشوف في عينه دموع حقيقية وكسرة ملهاش حدود، كأنه بيترجاني بنظرة واحدة إني أرجع أو أسمحله يقرب..

وقفت في مكاني.. الشنطة في إيدي، والجواز في الإيد الثانية، وشاشة العرض فوق رأسي مكتوب عليها: “الرحلة رقم 701 – لندن – صعود الطائرة”.

الأمن بصلي، والضابط المسؤول قرب مني وقال بتهذيب: “يا فندم.. الناس دول بيقولوا إنهم أهلك وطالعين في الفيديوهات، تحبي ندخلهم يسلموا عليكي قبل ما تدخلي الكنترول؟”

اللحظة كانت ثقيلة، وكل العيون كانت متعلقة بيا.. عيون أهلي اللي مستنيين إشارة من إيدي، وعيون المسافرين، وعيون الصحفيين اللي بدأوا يلاحظوا الموقف!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى