Uncategorized

حكايات صافى هانى 1

أهلي مجوش حفلة تخرجي، وأبويا قالي بکل برود: “دي زفة

​ فاشلين”، واختاروا يروحوا يشجعوا أخويا في ماتش الكورة. بس على الساعة 11 بالليل، كان خطابي وأنا الأولى على الدفعة هو رقم واحد وتريند على تيك توك. ولما رجعوا البيت وشغلوا الفيديو على شاشة الصالة، اتسمروا في مكانهم ومبقوش ملاحقين على الصدمة لما شافوا الراجل اللي كان واقف جنبي!

​أهلي مجوش تخرجي عشان أبويا كان شايف إنها “زفة فاشلين” ومالهاش لازمة.

​قال الكلمتين دول على الفطار وهو بيدهن العيش زبدة بكل برود، كأنه بيتكلم عن الجو.

​قاللي: “يا إيمان، أولى على الدفعة ولا مش أولى، في الآخر شوية عيال لابسين فساتين ومفكرين إن الدنيا لسه هتضحكلهم”.

​أمي حتى مرفعshrinkتش عينها من الموبايل وقالت: “أخوكي عنده ماتش مهم الساعة ستة، وفي كشافين جايين يتفرجوا عليه”.

​أخويا تامر ابتسم بخبث وهو بيلف مفاتيح العربية في صباعه وقال: “ماتزعليش يا إيمو، بس الكورة هي اللي بتأكل عيش وليها مستقبل”.

​أنا قعدت أربع سنين بطحن نفسي عشان أخد منح دراسية، وبشرح لزمايلي، وبشتغل بعد الضهر في المكتبة، ومبنامش غير خمس ساعات في اليوم. وتامر سقط في الرياضة مرتين، بس عشان حريف كورة، أهلي كانوا بيعاملوه كأنه مشروع العمر والاستثمار الكبير بتاعهم.

​عشان كده، رحت لوحدي.

​أنوار الاستاد في حفل التخرج كانت مالية المكان. المدرجات كانت زحمة بأهالي شايلين ورد وبلالين وفرحانين. قعدت في الصف الأول بالروب والكاب الكحلي، وكنت بحاول أداري عيني عشان مبصش على الكراسي الفاضية اللي ورايا واللي كان مكتوب عليها “أهالي الطلاب المتفوقين”.

​فجأة، مدير المدرسة نده على اسمي:

“إيمان نصار، الأولى على الدفعة”.

​التصفيق بدأ هادي، وبعدين بدأ يعلى ويكبر.

​طلعت على المنصة والورقة اللي كاتبة فيها كلمتي بتترعش في إيدي. للحظة، كنت هقرا الكلام التقليدي اللي كله تفاؤل وشكر وكلام مجاملات.

​بس بصيت على الكراسي الفاضية.

​وبدأت أقول: “أنا اسمي إيمان نصار، والنهاردة عايزة أشكر الناس اللي حضرت وسندتني”.

​المكان كله سكت فجأة، وهدوء غريب حل على الاستاد.

​اتكلمت عن أبلة نادية، مدرسة العربي، اللي كانت بتشيلّي أكل في مكتبها عشان عارفة إني بفرّق في الفلوس ومبفطرش. شكرت عم محمد، مسؤول المكتبة، اللي كان بيسيبني أذاكر بعد مواعيد القفل. وشكرت نادين صاحبتي، اللي كانت بتصور كل مسابقة ليا عشان عارفة إن مفيش حد من أهلي هييجي.

​بعدها، صوتي مابقاش يترعش، وبقى قوي وثابت.

حكايات_صافي_هاني

#حصري

​وقلت: “وعايزة أشكر كمان الناس اللي مجتش.. عشان الغياب ده علمني كتير. علمني إن السند والتصفيق ممكن ييجي من الغريب قبل القريب. وعلمني إني مأقللش من نفسي ولا من نجاحي لمجرد إن الناس اللي كان المفروض تفرحلي بصوت عالي، اختارت السكوت”.

​في اللحظة دي، الموبايلات كلها اترفت في الهوا وبدأت تصور.

​وعلى ما نزلت من المنصة، كان الاستاد كله واقف بيصقف بحرارة.

​عند طرف المسرح، كان واقف راجل وقور ولابس بدلة شيك جداً، شعره فيه شيب خفيف، وفي إيده بوكيه ورد أبيض كبير. أنا مكنتش أعرفه غير من الإيميلات والجوابات بتاعة المنحة اللي غيرت حياتي ووفرتلي مستقبلي.

​قرب مني وقال بصوت هادي: “يا إيمان، أنتي كنتي متميزة ومبهرة النهاردة”.

​على الساعة 11 بالليل، الفيديو بتاعي كان التريند الأول على تيك توك في مصر والكل بيتكلم عنه.

​لما أهلي رجعوا البيت أخيراً، تامر كان راجع بيعرج، متغاظ ومبيتكلمش عشان خسوا الماتش. فتحوا التلفزيون وشغلوا الفيديو في الصالة.

​ضحكة أمي اختفت أول واحدة.

​وأبويا قدم لقدام، ووشه هرب منه الدم ولونه خطف لما الكاميرا جابت الراجل اللي كان واقف جنبي بيكرمني.

​أبويا همس بصدمة وهو مش مصدق عينه: “استني هنا.. مش هو ده الحج إسماعيل المنشاوي، أكبر رجل أعمال في البلد؟!”

 

رجعت ورا وربعت إيدي وأنا بتابع ملامحهم اللي اتحولت من برود قاسي لصدمة كأن نزل عليهم صاعقة.

أبويا كان ماسك ريموت التلفزيون وإيده بتترعش، قرب من الشاشة وشه تقريباً لمسها وهو بيتأكد من الملامح. الحج إسماعيل المنشاوي، الراجل اللي أبويا بقاله سنتين بيحاول يوصل لمدير مكتبه بس عشان يقدم على مناقصة صغيرة في شركته، كان واقف جنبي في الفيديو، ماسك بوكيه الورد بنفسه، وبيديني درع التميز وبيبتسملي كأنه أب فرحان ببنه!

“إنتِ… إنتِ تعرفي الحج إسماعيل منين يا إيمان؟” أبويا قالها بصوت طالع بالعافية، لونه كان أصفر ومخطوف، والبرود اللي كان بيدهن بيه الزبدة الصبح اختفى تماماً.

أمي سابت الموبايل من إيدها وأول مرة ترفع عينها وتدقق فيا بجد. بصلتي بذهول وقالت: “ده الراجل اللي صورته في كل الجرايد؟ ده اللي عامل مؤسسة المنشاوي للتنمية؟ هو اللي جه مخصوص عشانك إنتِ؟”

أما تامر، فنسي وجع رجله اللي بيمشي يعرج عليها بعد ما اتغلبوا في الماتش، وقعد على أقرب كرسي وهو باصص للشاشة ومشقوق بقه من الصدمة. الكشافين اللي أهلي راحوا عشانهم الماتش محدش منهم بص لتامر، وفوق كل ده أخدوا علقة محترمة وخسروا، وفي الآخر راجعين يلاقوا “زفة الفاشلين” طالعة تريند مصر كله، وبنتهم اللي أهملوها واقفة جنب أكبر رجل أعمال في البلد.

رديت بثبات وصوت هادي جداً، عكس أسلوبهم معايا تماماً: “تعرفته لما قدمت على منحة المنشاوي للتعليم والتطوير من سنتين. وقت ما قلتلي يا بابا إن مصاريف كورسات الإنجليزي والأبحاث دي رمي فلوس في الأرض. الحج إسماعيل هو اللي تكفل بمصاريف دراستي كلها، وهو اللي كان بيتابع تقاريري كل ترم بنفسه.. ولما عرف إن أهلي مش هيحضروا الحفلة، قرر يجي هو بنفسه يسلمني الجائزة ويقولي إن المؤسسة جهزتلي عقد عمل براتب خيالي وبداية من الشهر الجاي، غير التكفل بمصاريف الماجستير في الخارج.”

البيت ساد فيه silence رهيب، محدش كان قادر يتنفس.

أبويا بلع ريقه بصعوبة، وشفايفه بدأت تترعش وهو بيحاول يبتسم ابتسامة مصطنعة، وخطى خطوة ناحيتي وقال بنبرة ألمس فيها لأول مرة التودد والرغبة في التصليح: “يا إيمان يا بنتي.. إحنا… إحنا كنا عارفين إنك شاطرة وتعرفي تعتمدي على نفسك، إحنا بس كنا بنشجع أخوكي عشان غلبان ومش حاطط أمله غير في الكورة.. لكن إنتِ رفعتي راسنا والله! إنتِ رفعتي اسم نصار في السماء!”

ضحكت ضحكة هادية فيها مرار سنين الأهمال اللي عشتها، وقلتله: “رفعت اسم نصار؟ بس إنت الصبح قلتلي إنها مجرد زفة فاشلين ومفهاش أكل عيش.. وقلتلي إن الفساتين والروب مش هيعملوا مني حاجة!”

أمي قامت من مكانها بسرعة وجات ناحيتي بتحاول تمسك إيدي وهي بتقول بصوت فيه رجاء وشوية ارتباك: “سامحينا يا إيمان.. أبويك كان يقصد ميعطلكيش عن مذاكرتك.. إحنا فخورين بيكي يا حبيبتي، ده الميديا كلها مقلوبة عليكي، والمحطات عارضين الفيديو بتاعك وكاتبين ‘الطالبة التي صنعت نفسها’.. الباب هينتخبنا بكرة من كثر الاتصالات! لازم تمسحي الفيديو ده أو تنزلي توضيح إننا كنا معاكي قلبياً!”

سحبت إيدي من إيد أمي بالراحة، وبصيت لتامر اللي كان باصص للأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. الكورة اللي قال إنها بتأكل عيش مأكلتوش غير حسرة الخسارة النهاردة، والبيت اللي اتبنى كله على مجاملته ودعمه هو بس، انهار فوق دماغهم في ليلة واحدة.

تليفون أبويا بدأ يرن.. كان عمي، اللي بقاله سنين مبيسألش علينا، وبعده تليفون أمي رن من جارتنا اللي كانت بتقلل مني دايماً. الكل بيتصل يبارك على “إيمان” اللي بقت تريند مصر، والكل بيسأل عن علاقتنا بالحج إسماعيل المنشاوي.

أبويا كان خايف يرد، خايف يتحط في موقف بايخ لو حد سأله: “هو إنتوا ليه مكنتوش ظاهرين في الفيديو جنبها؟”

قربت من باب أوضتي، ووقفت ولفتلهم وقبل ما أدخل قلتلهم بصوت قوي ومسكون بوجع كل ليلة سهرتها لوحدي: “الحج إسماعيل عزمني بكرة على سحور وإفطار عمل مع قيادات الشركات بتاعته عشان استلم العقد ونسافر نجهز أوراق المنحة.. ولما سألني بكرة هجيب مين معايا من أهلي عشان يتكرموا معايا…”

أبويا وأمي اتسعت عينيهم بالرجاء، والملهفة كانت باينة في وشوشهم كأنهم مستنيين طوق النجاة.

أكملت كلامي وابتسمت ابتسامة هادية: “قلتله إن أهلي مشغولين جداً في استثمارات ثانية أهم.. وشكرته، وقلتله إن الغياب بيعلم كتير.. تصبحوا على خير.”

قفلت باب الأوضة ورايا وسبتهم في الصالة وسط صوت التلفزيون اللي شغال وبيكرر كلمتي في الحفلة، وصوت رنين تليفوناتهم اللي مبيقفش، والصدمة اللي أكلت وشوشهم لما استوعبوا إن قطار نجاحي قام، وهم اختاروا يقفوا في المحطة الغلط.

قفلت باب الأوضة، والهدوء اللي جوه كان بيقابل الهياج واللخبطة اللي بره في الصالة. كنت سامعة صوت تليفون أبويا مبيبطلكش رنين، وصوت أمي وهي بتتحايل عليه يرد ويقول للناس إنهم كانوا مسافرين أو عندهم ظرف طارئ، المهم ميبانش قدام العيلة والمنطقة إنهم سابوا بنتهم في يوم زي ده عشان ماتش كورة أخويا خسره في الآخر.

طول الليل، مكنتش قادرة أنام، بس المرة دي مش من التعب ولا من المذاكرة تحت نور السهارة الخافت، المرة دي كنت حاسة براحة غريبة، كأن جبل كان ثقيل على صدري وانزاح. فتحت موبايلي ولقيت الآلاف من الرسائل والكومنتات على الفيديو.. ناس معرفهاش بتدعيلي، وبنات كبار وصغار كاتبين إن كلمتي خلتهم يبكوا ويفتكروا كل لحظة اتظلموا فيها.

على الساعة 7 الصبح، خرجت من أوضتي ولابسة طقم رسمي كلاسيك وجاهزة عشان أروح معاد الحج إسماعيل المنشاوي.

الصالة كانت كأن فيها مأتم. أبويا كان قاعد على الكنبة ولابسة بدلته القديمة اللي مبيطلعهاش غير في المناسبات الكبيرة، ووشه باين عليه السهر والتفكير طول الليل. وأمي كانت عاملة سفرة فطار مليانة من خيرات ربنا، عكس كل يوم، وقمت بسرعة لما شافتني: “إيمان يا حبيبتي.. تعالي افطري، عملتلك البيض والجبنة اللي بتحبيها، وقمت بدري عشان أجهزلك كل حاجة.”

تامر كان قاعد على الكرسي ورجله ملفوفة برباط ضاغط، باصص للطبق ومبيتكلمش، هيبته اللي كان بيتباها بيها بمفاتيح العربية راحت، ونظرة الغرور اختفت تماماً.

أبويا وقف بسرعة وقال بصوت ناعم ومختلف تماماً عن نبرته القاسية بتاعة إمبارح: “إيمان.. أنا جهزت نفسي عشان أجي معاكي. عيب رجل أعمال كبير زي الحج إسماعيل يطلب يشوفك وأبوكي ميكونش واقف جنبك ورأسك مرفوعة بيه. أنا غفلت عنك شوية يا بنتي، بس الأب بيظل أب، وأنا سندك الحقيقي.”

بصيت للبيت، للسفرة اللي عمرها ما اتعملت عشاني، وللبدلة اللي اتنفض عنها التراب مخصوص عشان رجل أعمال مش عشاني أنا.

رديت بأعلى درجات الهدوء: “شكراً يا بابا، بس الحج إسماعيل طالبني في اجتماع شغل رسمي يخص المنحة والتكريم، والشركات الكبيرة دي مبتحبش اللمة والمجاملات. السواق بتاع المؤسسة تحت مستنيني في العربية.”

أمي قربت وهي حاطة إيدها على قلبها: “طب خدي أخوكي معاكي يا إيمان! يمكن الحج إسماعيل ده يعرف ناس في أندية كبيرة، أو يديله فرصة في شركة من شركاته.. أخوكي اتدمر إمبارح والنادي طرده بعد الخسارة!”

بصيت لتامر، اللي رفع عينه في عيني لأول مرة وكان فيها رجاء مكشوف، هو اللي كان بيدور مفاتيح العربية إمبارح وبيقولي ‘الكورة هي اللي بتأكل عيش’.

قلتله بنبرة هادية بس ثقيلة: “تامر حريف كورة، والكورة هي المستقبل زي ما قلتوا.. خليه يكمل في طريقه، الشغل في المؤسسات دي محتاج الناس اللي طحنت نفسها سنين مش اللي مستنيين واسطة.”

نزلت وسبتهم واقفين يتفرجوا عليا من الشباك وأنا بركب عربية سوداء فخمة كانت مستنياني تحت العمارة. الجيران اللي كانوا زمان بيبصولي بعطف أو بتتجاهلني وجودي، كانوا واقفين في البلكونات بيشاوروا ويتهامسوا بذهول.

وصلت البرج الإداري لشركة المنشاوي. المبنى كان عملاق والأمن والخدمات على أعلى مستوى. دخلت مكتب الحج إسماعيل، وكان قاعد معاه أربعة من كبار المديرين والمسؤولين التنفيذيين.

أول ما دخلت، الحج إسماعيل وقف واستقبلني بترحاب شديد: “أهلاً بشرف وواجهة مؤسستنا.. الدكتورة إيمان نصار.”

الكلمة هزتني من جوة. قعدت، وبدأ الاجتماع. العرض مكنش مجرد عقد عمل عادي، كان استلام منصب معيدة ومطورة مناهج في الأكاديمية الجديدة اللي بتأسسها الشركة، مع سفر لمدة سنتين لإنجلترا لتحضير الماجستير والدكتوراه بنفقة كاملة، وراتب ماهوش مجرد ‘أكل عيش’ ده كان يضمنلي استقلال مالي تام وحياة كعالمة وباحثة.

وأنا بوقع العقد، الحج إسماعيل بصلي وقال: “أنا شفت الفيديو بتاعك إمبارح يا إيمان.. كلمتك هزت مصر كلها مش بس الاستاد. بس عايز أسألك سؤال أبوي.. أهلِك زعلانين منك؟ أو حاسة إنك قسيتي عليهم لما قلتي الكلام ده؟”

مسكت القلم بصلابة، وبصيت في عينه وقلت: “يا حج إسماعيل، الحقيقة مبتقساش على حد، الحقيقة بس بتعري الواقع. أنا عمري ما كرهتهم، بس اتعلمت إن التجاهل القاسي بيعلم صاحبه القوة. هما اختاروا الطريق اللي شايفين فيه المستقبل، وأنا اخترت العلمي واستثماري في نفسي.”

هز رأسه بتفهم وإعجاب وقال: “صح.. واللي يعمل قراره يستحمل نتيجته. بس اعرفي إن ابتداءً من النهاردة، اسمك بقى رقم صعب، والناس اللي سابوكي في القاع هيفضلوا يحاولوا يوصلولك وأنتي في القمة.”

خلص الاجتماع، وخرجت وأنا شايلة العقد والتكليف الرسمي في إيدي. لما فتحت الموبايل، لقيت أكتر من 40 مكالمة فائتة من أبويا، ورسايل صوتية من أمي وهي بتبكي وبتقولي: “الحقي يا إيمان.. عمامك وأخوالك كلهم جوم البيت ونازلين زعيق في أبوتكي وبيحملوه مسئولية إنك طلعتي قلتي الكلام ده قدام مصر كلها، وأبوكي ضغطه عليّ ونقلناه المستشفى، وتعالي الحقينيا عشان خاطري!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى