
انعكست الأضواء الحمراء والزرقاء المتراقصة عبر زجاج النوافذ المتآكلة، لتملأ الصالة المظلمة بشبكة من الظلال المرعبة. كانت صفارات سيارات الشرطة تعوي في الخارج كذئاب جائعة حاصرت طريدتها أخيراً بعد أربعين عاماً من الفرار.
استمر كمال ممدداً على الأرضية الترابية، يده تعتصر وجهه المكتوي برذاذ الفلفل، بينما صدره يعلو ويهبط بأجشّ التنهدات. رفع عينيه الدامعتين الحمراوين ونظر إليّ والمسدس مثبتٌ بين عينيه بثبات لم أكن أعلم أنني أمتلكه.
“انزلي المسدس يا حنان…” همس كمال بنبرة متحشرجة محاولةً استعادة كبريائه المفقود، والابتسامة الخبيثة ذاتها تتسلل رغماً عنه إلى طرف شفتيه. “الشرطة بره… لو قتلتيني دلوقتي، هتضيعي حياتك وحياة أحفادك في المحاكم والقضايا. سيبيهم ياخدوني… أنا راجل عندي ثمانين سنة، المحامين بتوعي يخرجوني بكفالة قبل الصبح.”
تسمرت يدي على الزناد. كانت الفكرة تمزق صدري: هل أتركه للعدالة البشرية التي غابت أربعين سنة، أم أثأر لدم ليلى وأمي وبابا في هذه اللحظة؟
“حنان! لا!” أنعام وهي تهرول نحوي بخطوات واهية، ومسدسها القديم يرتجف في يدها، مسكت ذراعي بضغطٍ دافئ وقالت بدموع : “متلوثيش إيديكي بدمه يا بنتي… ليلى ماتت ونظيفة، ومستنية حقها ينزل للقبر نقي. خليه يتفضح قدام العالم كله قبل ما يموت!”
في تلك اللحظة، اقتحمت قوات التدخل السريع أبواب البيت الخشبي. أضيئت الصالة بكشافات شديدة البيضاوية، وتصاعدت الصرخات من كل جانب: “اطرح السلاح! نزل السلاح فوراً!”
ألقيت المسدس ببطء على الأرض، ورفعت يديّ لأعلى وأنا أتنفس بجهد. خلال ثوانٍ، هجم ثلاثة رجال مدججون بالسلاح على كمال، وثبتوه على الأرض بقسوة وهو يصرخ متألماً، وشُدّت أصفاد الحديد حول معصميه التجاعيد. بينما أحاط بي أطباء الإسعاف ورجال الأمن، وسحبوا أنعام بحذر للخارج.
خرجت من باب البيت المهجور متجهة نحو أضواء سيارات الإسعاف. كانت سلمى جالسات في المقعد الخلفي لإحدى السيارات، ملفوفة ببطانية ثقيلة وتبكي في أحضان أمها (ابنتي) التي وصلت مذعورة بعد أن أبلغتها الشرطة.
عندما رأتني سلمى، قفزت من السيارة وارتمت في أحضاني، ضغطت عليها بكل ما أوتيت من قوة وأنا أقبّل رأسها وأبكي، وأحمد الله أنها سالمة، وأن كابوس الأربعين عاماً لم يتكرر مع حفيدتي.
لكن الليلة لم تكن قد انتهت بعد.
تقدم نحو ضابط برتبة عميد، وجهه جاد وعيناه تقرآن هول الموقف، وقال بنبرة حازمة ولكن يحفها الاحترام: “مدام حنان… الست أنعام بلغت عن وجود جثة مدفونة في قبو البيت ده. فريق الأدلة الجنائية وصل وبيجهز للحفر دلوقتي تحت إشراف النيابة العامة. إحنا محتاجين حضورك للتعرف على المتعلقات، ومعانا النيابة لمتابعة الاعترافات والوثائق اللي في الشنطة.”
أومأت برأسي دون أن أنطق بكلمة. أعدت سلمى إلى حماية ابنتها، وسرت بخطوات ثقيلة خلف الضابط وأطباء الطب الشرعي متجهين مرة أخرى إلى السلم الخشبي الموصل للقبو.
كان القبو يكتظ الآن بالمعدات والأضواء الكاشفة القوية. رجلان من الطب الشرعي يرتديان الملابس البيضاء المعقمة كانا يحفران بحذر بالغة باستخدام أدوية حفر صغيرة حول البلاطة الحجرية الكبيرة في الزاوية، تحت إشراف وكيل النيابة الذي كان يدوّن كل التفاصيل.
جلست على صندوق خشبي قديم في الزاوية، وأنا أقبض بيدي المرتجفة على الدفتر الأسود والشريط الكاسيت.
ساد الصمت الخانق، إلا من صوت احتكاك أدوات الحفر بالتراب والحجارة. مرّت نصف ساعة كأنها أدهر. وفجأة، قال أحد الحفارين بصوت خفيض: “لقينا حاجة… توقفوا عن الحفر الآلي، استخدموا الفراشي.”
اتسعت بؤرة ضوء الكشاف الكبير على الحفرة. ازاحوا التراب ببطء ورفق شديدين، حتى ظهرت بقايا بقايا قماش قطني باهت، وعظام بشرية صغيرة ودقيقة.
انسابت الدموع من عيني دون صوت. أقترب الطبيب الشرعي وبدأ ينظف التراب عن الرفاة، وفجأة، التقظ بملقط طبي شيئاً لمع تحت الضوء الساطع بين بقايا العظام العلوية.
رفعه بحرص، ووضعه في كيس بلاستيكي شفاف، ثم اتجه نحوي ورفعه أمام وجهي قائلاً: “مدام حنان… تعرفي القطعة دي؟”
كانت القلادة الفضية الصغار المنحوتة على شكل نصف قلب… النصف الآخر منه كان لا يزال معلقاً في رقبتي منذ أربعين سنة!
صرخت صرخة مكتومة وشققت وجهي بيديّ، وسقطت على ركبتي بجوار الحفرة. لم تعد ليلى مجرد ذكرى أو لغزاً، كانت أختي التوأم ترقد هنا على بُعد أمتار من مكان لعبنا في الطفولة، مدفونة في الظلمة والنسيان بينما القاتل يسير بين الناس مرفوع الرأس.
“دكتورة حنان…” قال وكيل النيابة وهو ينحني بجواري بوقار. “الدفتر والشريط دول هما الدليل الوحيد اللي هيثبت الحقيقة وينهي القضية دي للأبد. محتاجين نسمع الشريط هنا رسمياً وقبل ما ننقل المضبوطات.”
سحبت مسجل صوت صغيراً أحضره أحد الضباط، وبأصابع ترتجف كالأوراق اليابسة، أدخلت الكاسيت فيه. ضغطت على زر التشغيل.
ساد الصمت المطبق في القبو، وتطلعت جميع العيون نحو الجهاز الصغير.
تشوّش الصوت لثوانٍ بموجات صرير قديمة، ثم انبعث صوت أبي! كان صوته أصغر سنًا، ولكنه كان يرتجف بالبكاء والخوف بشكل لم أعهده فيه طوال حياتي:
“إذا كان حد بيسمع الشريط ده… يبقى أنا إما مت أو اتكشفت. أنا عبد القادر م.، وبسجل الاعتراف ده سنة 1986. كمال مكنش مجرد شريك في تسريب وثائق المؤسسة… كمال هو اللي ورا قتل بنتي ليلى ليلة عيد ميلادها الـ16. أنا دفنتها بنفسي عشان أحمي بنتي حنان وزوجتي من تهديداته بالقتل… بس كمال ميعرفش الحقيقة كاملة. كمال فاكر إنه أخد الوثائق الأصلية ليلة الجريمة… لكن ليلى كانت أذكى منه ومني. ليلى خبت النسخة الأصلية والأفلام الميكروفيلمية في مكان تاني خالص… مكان محدش يخطر على باله، والمفتاح الحقيقي مش المفتاح الفضي اللي مع حنان… المفتاح الحقيقي هو…”
وفجأة، انقطع الصوت وصدر صوت طنين مرتفع من المسجل، كأن الشريط قد قُطِع أو مُسِح من هذه النقطة بالذات!
نظر الضابط ووكيل النيابة إليّ بذهول صامت، بينما اتسعت عيناي بعبء الشك والرعب مجدداً.
وفي هذه اللحظة بالذات، دخل أحد أفراد الشرطة إلى القبو مسرعاً، ووجهه شاحب للغاية، وقال بصوت مرتجف للعميد: “يا فندم! المستشفى بلغت رسمياً… والد المدام حنان توفي منذ دقائق في العناية المركزة… وقبل ما يلفظ أنفاسه الأخيرة، كتب الكلمة دي بصباعه على الملاية بدمه!”
أمسك الضابط بالورقة التي نقل فيها الشرطي الكلمة، وقرأها بصوت عالٍ هز أركان القبو:
“البتلة البنية… مش مجرد خيط.”
تجمدت مكان في أرضية القبو الباردة، وصوت الضابط يتكرر في أذني كأنه صدى قادم من عالم آخر.
“البتلة البنية… مش مجرد خيط.”
مات بابا. رحل الرجل الذي عاش أربعين عاماً يحمل على كاهله ثقل هذا السر المرعب، ليترك لي في أنفاسه الأخيرة اللغز الأخير والفاصل في هذه المأساة.
نظرت إلى كيس البلاستيك الشفاف الذي يحوي عظام ليلى والقلادة الفضية، ثم أعدت بؤرة نظري إلى البلوفر الذي كانت حفيدتي سلمى ترتديه، والذي كان ملقى على الطاولة الخشبية في زاوية القبو، تحت حراسة رجل الأدلة الجنائية.
سرت بخطوات بطيئة، كأنني أمشي في نوم يقظ، واقتربت من البلوفر. رفعته بين يدي المرتجفتين. زهرة عباد الشمس الصفراء كانت لا تزال تشع بجمالها المصنوع يدوياً، وفي منتصفها… كانت تلك البتلة البنية الوحيدة، البتلة التي أخبرتنا ماما ونحن في السادسة عشرة أنها كانت مجرد خطأ في لون الخيط.
“مدام حنان…” قال وكيل النيابة وهو يقترب مني بحذر، “حضرتك فهمتي حاجة من الرسالة؟”
لم أجب. بدلاً من ذلك، قسوت بأصابعي على البتلة البنية. لم تكن طرية كباقي الخيوط الصوفية، كانت حوافها متيبسة بشكل غير طبيعي. تذكرت جملة ليلى الخالدة ليلة عيد ميلادنا وهي تضحك أمام ماما: “ماتصلحيهاش يا ماما.. كده محدش هيعرف يسرق بلوفري مني.”
ليلى لم تكن تقصد السرقات العادية… ليلى كانت تعلم أن هذا البلوفر يحوي سر حياتها !
سحبت مكبراً ضوئياً صغيراً من حقيبة فني الطب الشرعي الواقف بجواري دون أن أستأذنه، وقربته من البتلة البنية. وتحت الضوء الساطع والمكبر، كُشفت الحقيقة التي غفلت عنها العيون طوال أربعة عقود.
الخيط البني لم يكن خيط صوف عادياً… كان سلكاً دقيقاً جداً ملفوفاً بحرفية مرعبة حول كبسولة زجاجية متناهية الصغر لا تتعدى حجم حبة الأرز، محشوة في قلب القماش!
“هاتلي جفت طبي ومشرط بسرعة!” صرخت بنبرة سادتها الهستيريا والوضوح في آن واحد.
هرع فني الأدلة الجنائية وأعطاني الأدوات. وبأنامل ترتجف حرصاً على ألا أكسر الزجاج، بدأت أفك الغرز البنية غرزة تلو الأخرى. وبطريقة معقدة، انزلق السلك الصغير، وسقطت الكبسولة الزجاجية شفافة اللون في كفي.
كان داخل الكبسولة شريط ميكروفيلم أسود ملفوف بدقة متناهية، يحمل أرقاماً ورموزاً مجهرية.
“الميكروفيلم الأصلي…” همست أنعام وهي تسقط على ركبتيها بدموعها، “ليلى خبت الوثائق الحقيقية في البلوفر اللي أمها حاكته ليها… والبلوفر فضل معايا طوال الأربعين سنة وأنا معرفش إني شايلة القنبلة دي في بيتي!”
أنزل وكيل النيابة رأسه بذهول، وأخذ الكبسولة بحرص شديد ووضعها في حرز رسمي وهو يقول: “الدليل ده مش بس هيعدم كمال… ده هيفك شبكة تمويل وجرائم دولية فضلت متغطية من الثمانينات. أختك كانت أذكى من المنظمة كلها يا مدام حنان.”
لكن فرحة الانتصار لم تدم سوى ثوانٍ.
فجأة، دخل ضابط آخر من رجال الأمن العام ينزل الدرج بسرعة في يده، وجهه مشدود ويقطر عرقاً: “يا سيادة العميد! في مشكلة في الطريق الرئيسي للمزرعة! العربيات التابعة للمنظمة حاصرت مدخل المحمية، وعندنا معلومات إن كمال مكنش شغال لوحده… ابنه وكبراء المنظمة بعتوا قوة عشان يستردوا الشنطة والميكروفيلم قبل ما تتحركوا للمركز!”
دوت في الخارج أصوات كثيف جدران البيت الخشبي القديم. تساقط الغبار من سقف القبو على رؤوسنا، واحتدمت الصرخات بين رجال الشرطة في الأعلى.




