
تجمّد الهواء في صدري وأنا أنظر إلى الموجه مباشرة إلى جبهتي. لم تكن الرصاصة هي ما في هذه اللحظة بقدر ما كانت الفكرة ذاتها: كل هذه السنوات من الحزن، ودموع أمي التي جفت، وحسرة عمري على توأمي، كانت مجرد ستار لقصة خفية بين أبي وهذه المنظمة المظلمة.
ارتجفت يداي وأنا أقبض على الدفتر والأوراق الصدئة داخل الخزنة، ورفعت الكشاف في يدي الأخرى لأحجب عنه رؤية وجهي بالضوء الساطع، وقلت بصوت حاد يحاول التماسك: “أنت مين؟ وعايز إيه من عيلة انتهت حياتها من أربعين سنة؟”
ضحك الرجل ضحكة قصيرة جافة، وخطا درجات السلم الهابطة ببطء، وصوت حديد حذائه يقرع الخشب . “العيلة ممنتهتش يا مدام حنان.. ليلى أختك مكنتش مجرد ضحية هربت عشان تحميكم، أختك سرقت أهم وثائق تشغيلية للمنظمة قبل ما تختفي ليلة عيد ميلادكم.. أختك استغلت غفلة والدك، البوبينة اللي كانت فاكرة إنها بيها هي اللي خلتنا نفضل وراها طوال أربعين سنة. واليوم، البلوفر اللي اتبعت لحفيدتك كان الرسالة الأخيرة اللي خلتنا نعرف إن كل حاجة مستخبية هنا.”
اتسعت عيناي بذهول. البلوفر! لم تكن أختي تبعث إليّ بإنقاذ أو سلام، بل كانت تستخدم حفيدتي سلمى لتُحرّك ركود المياه، وتجبرني على فتح الخزنة التي فشل هؤلاء في العثور عليها طوال أربعة عقود!
“ليلى مكنتش …” همست بذهول وأنا أستوعب الخديعة. “هي استخدمتني؟ استخدمت سلمى؟!”
اقترب الرجل حتى أصبح على بُعد خطوتين مني، وانحنى بجسده الضخم ليشير بسلاحه نحو الصندوق النحاسي: “اديني الشريط والورق اللي جوه الخزنة بالراحة، ومش هحتاج أعمل دوشة هنا. أنتِ مالكيش ذنب في اللعبة دي، لكن لو مانفذتيش، حفيدتك سلمى والست اللي في العناية المركزة هيدفعوا التمن.”
مجرد ذكر اسم سلمى أشعل في قلبي غضبًا أعمى عطل كل مشاعر الخوف. وبطريقة لا إرادية، بدل أن أمد يدي بالدفاتر، رفعت الكشاف القوي وألصقته بعينيه مباشرة وفتحت طاقته القصوى، وفي نفس اللحظة ضغطت على رذاذ الفلفل الذي كنت أخفيه في جيبي ورششته في وجهه مباشرة.
صرخ الرجل برعب ووجع، وتراجع للخلف يترنح وهو يغطى عينيه بيديه ويمسك بالسلاح بعشوائية. أطلق رصاصة مكتومة أحدثت ثقبًا في الجدار الحجري خلفي وتطاير الشظايا على وجهي.
لم أتردد لثانية واحدة؛ دفعته بقوة المرتجف فسقط على أدراج السلم الخشبي المتهالك، وسحبت الشريط الكاسيت والحزمة المربوطة بالشريط الأحمر والدفتر الأسود وألقيتها في حقيبتي، وجريت بأقصى سرعة نحو الأعلى متجاوزة جسده المتألم على السلم.
خرجت من باب المطبخ الخلفي للهواء البارد، وأنا أسمع صرخاته الشديدة وشتائمه من القبو. ركضت عبر الأعشاب الضارة نحو سيارتي، وأنا أتعثر في الظلام، والدموع تعمي بصري. فتحت باب السيارة، أدرت المحرك، وانطلقت بسرعة جنونية واللَحظات تصارعني، وأنا أرى في مرآة السيارة أضواء سيارة أخرى سوداء كانت متوقفة بين الأشجار تضيء محركها وتبدأ في ملاحقتي!
كانت الطريق الترابية مظلمة ومليئة بالمنحنيات الخطرة. كنت أضغط على دواسة البنزين لأقصى حد، والسيارة خلفي تقترب بسرعة وتصدم مصد سيارتي الخلفي بعنف محاولة إزاحتي عن الطريق.
أخرجت هاتفي برعشة، وفي غمرة الذعر، رن الهاتف مجددًا بنفس الرقم المجهول الذي اتصل بي في دار الرعاية!
فتحت السبيكر وأنا أصرخ وأمسك بعجلة القيادة: “ليلى! أيا كان مين أنتِ.. في عربية بتطاردني وسلاح بيصوب عليا! أنتِ استغليتي سلمى ليه؟! عملتلك إيه؟!”
جاء صوت المرأة العجوز الحاد عبر الميكروفون، ولكن هذه المرة كان فيه نبرة بكاء واختناق: “حنان.. ادخلي الطريق الجانبي بتاع المحمية على إيدك اليمين بعد خمسين متر! بسرعة! متكمليش في الطريق الرئيسي!”
“أنا مش هثق فيكي تاني!” صرخت وأنا أرى السيارة خلفي تحازيني محاولة قطعي.
“أرجوكي يا حنان!” صرخت المرأة عبر الهاتف. “أنا مش ليلى! أنا مش أختك التوأم! ليلى اتقتلت ليلة عيد ميلادنا الـ16 واندفنت تحت بيت المزرعة! أنا الشغالة اللي كانت عندكم زمان.. وليلى سابتلي السر ده عشان أحميكي يوم ما الخزنة تتفتح! ادخلي طريق المحمية فورًا!”
انخلع قلبي من صدري مع هول ما سمعته. ليلى اتقتلت؟ ليلة عيد ميلادنا؟! والجثة مدفونة تحت البيت اللي أنا لسه طالعة منه؟!
لم يكن أمامي وقت للاستيعاب أو البكاء، صدمة السيارة السوداء لجانب سيارتي بعنف جعلت الإطارات تصدر صفيرًا مرعبًا على الأسفلت. لمحت اليافطة المتهالكة للمحمية الطبيعية على بُعد خطوات، فكسرت عجلة القيادة بأقصى قوتي يمينًا. انحرفت السيارة بعنف لتسلك طريقًا ترابيًا ضيقًا مظلمًا تحيط به الأشجار الكثيفة من الجانبين.
السيارة السوداء حاولت الملاحقة، لكن ضيق الطريق وانتشار جذوع الأشجار البارزة جربا سائقها على التراجع قليلاً. واصلت القيادة بتهور، والدموع تعمي عيني وصوت المرأة على الهاتف ما زال يتردد عبر مكبر الصوت: “افضلي ماشية كيلو كامل.. هتلاقي بيت خشبي قديم بتاع حراس المحمية المهجور، ادخلي الممر اللي وراه واطفي أنوار العربية فورًا!”
ضغطت على البنزين والسيارة تهتز بعنف فوق الحصى والطفلة، حتى ظهرت ظلال البيت الخشبي بين الأشجار. انحرفت خلفه بسرعة، وطأطأت رأسي وأنا أطفئ المحرك والأضواء بالكامل، لتغرق المنطقة في ظلام دامس وسكون مريب لا يقطعه إلا صوت تنفسي المتسارع ونبضات قلبي التي كادت تخرق صدري.
مرت السيارة السوداء من أمام الطريق الرئيسي للمحمية بسرعة عالية، أضواؤها الساطعة كشفت الأشجار لثوانٍ قبل أن يبتعد صوت محركها ويختفي تمامًا في أفق الطريق الترابي.
ساد الصمت. رفعت رأسي برعشة وأسندته على عجلة القيادة، وبكيت بحرقة لم أبكِ مثلها منذ أربعين سنة. كل حياتنا كانت كذبة. أمي ماتت بالحسرة وهي تنتظر طرقة على الباب، وأبي عاش أربعين سنة يمثل الدور وهو يعلم أن جثة ابنته الصغرى تحت الأرض التي باعها!
رفعت الهاتف الملقى على المقعد المجاور وقلت بصوت متقطع ينشج بالبكاء: “أنتِ مين؟ أنعام؟ الشغالة أنعام اللي مشيت فجأة بعد اختفاء ليلى بأسبوع؟”
جاء صوتها عبر الهاتف ملتصقًا بالبكاء أيضًا: “أيوه يا حنان.. أنا أنعام. أنا اللي شفت كل حاجة الليلة دي.. وأنا اللي ليلى لفت في أحضاني وهي بتموت.”
مسحت دموعي بظهر يدي وقلت بغضب وذهول: “مين اللي قتلها يا أنعام؟! بابا؟ المنظمة؟ وليص البلوفر رجع النهارده بالذات؟ وليه سلمى؟!”
تنهدت أنعام بصوت يملؤه الوجع وقالت: “ليلى ليلة عيد ميلادكم سحبت معلقة التورتة وخرجت الجنينة زي ما أنتِ فاكرة.. بس هي مخرجتش تشم هوا. ليلى كانت متفقة تقابل كمال، الشاب اللي كان شغال مع أباكي في عمليات تسريب الوثائق. ليلى كانت بتحبه، وكانت فاكرة إنه هيهربها معاه بعيد عن مشاكل باباكي. لكن كمال كان خايّن.. كان جاي ياخد منها البوبينة والشريط اللي هي سرقتهم من مكتب باباكي عشان يبيعهم للمنظمة لحسابه الشخصي.”




