منوعات

حكايات اسما السيد 1

أختي التوأم اختفت وهي لابسة بلوفر عباد الشمس في عيد ميلادنا الـ16… وبعد 40 سنة، حفيدتي رجعت البيت وهي لابساه وقالتلي: «الست بتاعة النظافة في المدرسة هي اللي ادتهولي!»

 

أختي التوأم ليلى اختفت في اليوم اللي كان المفروض يبقى من أسعد أيام حياتنا.

 

كان عيد ميلادنا الـ16 سنة 1986.

 

ماما كانت ماليّة البيت بالبلالين، وبابا واقف بيشوي برجر في الجنينة، وقرايبنا متجمعين حوالين السفرة لدرجة إن الكراسي ما بقتش مكفّية.

 

ماما كانت قضت شهور بتحيك لنا هدايا عيد ميلادنا: بلوفرين شبه بعض.

 

بلوڤري كان عليه وردات بيضا، أما بلوفر ليلى فكان عليه زهرة عباد شمس صفرا كبيرة، وفيها بتلة واحدة لونها بني، لأن ماما كانت غلطت في لون الخيط وهي بتحيكها.

 

ليلى ضحكت وقالت:

 

“ماتصلحيهاش يا ماما. كده محدش هيعرف يسرق بلوفري مني.”

 

حوالي الساعة تسعة بالليل، ليلى باست ماما، وخطفت معلقة كمان من كريمة التورتة، واتجهت ناحية الباب.

 

وقالت وهي بتضحك:

 

“أنا هطلع شوية أتنفس هوا. سيبولي حتة تورتة كمان.”

 

دي كانت آخر كلمات سمعتها منها.

 

ليلى عمرها ما رجعت.

 

مفيش جواب، مفيش شنطة ناقصة، ومفيش أي أثر لبلوفر عباد الشمس.

 

سنين طويلة، كنت بنط من مكاني كل ما التليفون يرن، على أمل يكون أخيرًا حد عرف مكانها.

 

ماما فضلت تدور عليها لحد آخر يوم في حياتها.

 

لكن بابا كان مختلف.

 

بعد كام شهر بس، بطل يشارك في عمليات البحث عنها، وحط صور ليلى كلها في كراتين، وما بقاش بيتكلم عنها خالص.

 

بابا عنده دلوقتي تسعين سنة، وعايش في دار رعاية على بُعد حوالي عشرين دقيقة من بيتي.

 

جسمه بقى ضعيف جدًا، لكن عقله لسه حاضر وذاكرته قوية.

 

ولحد النهارده، بيرفض يتكلم عن ليلى.

 

كنت فاكرة إن السبب هو إن فقدانها كان أكبر وجع في حياته.

 

لكن كنت غلطانة.

 

الثلاثاء اللي فات كان بيوافق بالظبط مرور أربعين سنة على اختفاء ليلى.

 

في نفس اليوم بعد الظهر، حفيدتي سلمى، اللي عندها تمن سنين، رجعت من المدرسة وهي لابسة بلوفر صوف كبير عليها بشكل واضح.

 

دخلت وهي فرحانة وقالت:

 

“تيتة! بصي! ست النظافة الجديدة في المدرسة هي اللي ادتهولي!”

 

الصحن اللي كان في إيدي وقع على الأرض واتكسر.

 

زهرة عباد شمس صفرا كانت مغطية صدر سلمى.

 

وبين كل البتلات…

 

كانت فيه بتلة واحدة لونها بني.

 

مسكت ياقة البلوفر بسرعة وقلبته.

 

وهناك، بخيط أحمر باهت، شفت الحروف اللي ماما كانت خاطتها بإيديها من أربعين سنة.

 

ل. م.

 

اختصار اسم ليلى واسم عيلتنا.

 

رجليّ ما بقتش شايلاني.

 

قلت لسلمى بصوت مرتعش:

 

“سلمى… مين اللي اداكي البلوفر ده؟”

 

ردت بكل بساطة:

 

“ست النظافة الجديدة يا تيتة. أنا لسه قايلة لك.”

 

إيدي بدأت تترعش أكتر.

 

وبعدين سلمى قالت:

 

“آه صح! هي قالتلي أبص جواه لو إنتِ عرفتيه.”

 

قلبي وقف تقريبًا.

 

قلت لها:

 

“جواه فين؟”

 

أشارت لحتة صغيرة جدًا في خياطة تحت زهرة عباد الشمس.

 

خياطة عمري ما شوفتها قبل كده.

 

قعدت أفك القماش بحرص، وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع.

 

مديت صوابعي لجوه.

 

لمست حاجة صلبة.

 

سحبتها ببطء…

 

وأول ما شفتها، صرخت.

 

سلمى بصتلي بخوف وقالت:

 

“تيتة… إيه ده؟”

 

ماقدرتش أرد.

 

لأني كنت شفت الحاجة دي مرة واحدة بس في حياتي.

 

كانت في إيد بابا… ليلة اختفاء ليلى.

 

أسرعت بنظري إلى قطعة المعدن الصغيرة الباردة التي أخرجتها من داخل بطانة البلوفر، وأنا غير قادرة على استيعاب ما أراه بين أصابعي المرتعشة.

كانت مفتاحًا فضيًا قديمًا، نهايته منحوتة على شكل رأس طائر ذي عين واحدة، وبه خدش عميق في منتصفه.

هذا المفتاح تحديدًا رأيته ليلة 1986.

كان بابا يقف عند درج مكتبه في الصالون، يحاول إخفاءه بين كفيه بسرعة عندما دخلت عليه فجأة لأبحث عن علبة المناديل، وكان وجهه وقتها شاحبًا وأصفر كالموتى، تمامًا كوجهه في اليوم الذي بلّغنا فيه الشغالة إن ليلى مظهرتش.

“تيتة… إنتِ بتعيطي ليه؟”

صوت سلمى المرتعب سحبني من دوامة الذكريات. مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أبتسم بإرغام لتطمينها، رغم إن قلبي كان ينبض بسرعة جنونية.

“مفيش يا حبيبتي… الصحن بس لما اتكسر خضني. قوليلي يا سلمى… الست دي شكلها إيه؟ واسمها إيه؟”

سلمى حكت وهي بتعدل ياقة البلوفر الكبير عليها:

“هي ست عجوزة، شعرها أبيض خالص وملموم لورا، وعندها علامة طويلة جنب عينها الشمال زي الجرح القديم. مش بتتكلم كتير، بس لما شافتني في الفسحة كنت سقعانة، بصتلي أوي وقالتلي: ‘أنتِ بنوتة حنان؟’ ولما قلتلها أيوه، ابتسمت وطلعت البلوفر ده من شنطتها وادتهولي وقالتلي أقولك إنها هدية من زمان.”

علامة جنب عينها الشمال؟!

ليلى لما كان عندها 10 سنين وقعت من فوق شجرة التوت في الجنينة، وخُيط جرحها جنب عينها الشمال بـ 6 غرز…

رجمتني الحقيقة كالصاعقة: الست دي إما ليلى بنفسها… أو حد يعرف ليلى كويس جدًا وعارف كل تفصيلة في حياتنا!

بدون تردد، أخذت المفتاح وضعيته في جيبي، وطلبت من ابنتي (أم سلمى) تأخذ سلمى لعندها للبيت، ودون أن أوضح لها أي شيء من هولي وصدمتي. بمجرد أن أغلقت الباب خلفهما، نظرت إلى الساعة؛ كانت الخامسة مساءً.

دار الرعاية التي يقيم فيها بابا تُغلق أبواب الزيارات في السابعة.

ركبت سيارتي وأنا أتنازع مع عجلة القيادة. كيف عاش بابا 40 سنة وهو يحتفظ بمفتاح يرتبط باختفاء توأمي؟ ولماذا قررت هذه المرأة، بعد أربعين عامًا بالتمام والكمال، أن تعيد إليّ البلوفر والمفتاح عبر حفيدتي؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى