
وصلت إلى دار الرعاية، ومشيت في الممرات الرخامية الباردة وأنا أسمع صوت وقع خطواتي يتردد في أذني كأنه طلقات رصاص. فتحت باب غرفة بابا.
كان يجلس على كرسيه المتحرك بجوار الشباك، يراقب غروب الشمس، وجسده الهزيل ملفوف ببطانية ثقيلة.
“حنان؟” قالها بصوت بحاح وضعيف دون أن يلتفت كاملاً. “إيه اللي جابك في الميعاد ده؟”
قربت منه، ولم أجلس كعادتي على الكرسي المجاور. وقفت أمامه مباشرة، وسحبت من جيبي قطعة المعدن الفضية، ووضعتها في كفه المرتعشة.
أول ما لمست أصابعه المفتاح، جمدت حركته تمامًا. اتسعت عيناه الغائمتان بذهول ورعب لم أرهما في وجهه من قبل. ارتجف فكه، ونظر إلى المفتاح ثم رفع عينيه إليّ بكتمان شديد.
“جبتي ده منين؟” همس بصوت يرتجف.
“البلوفر رجع يا بابا…” قلتها بنبرة حادة ودموعي تحبس في حلقي. “بلوفر عباد الشمس رجع النهارده. سلمى جابتهولك من مدرسة الابتدائي… والست اللي ادتهولها حطت المفتاح ده جواه! المفتاح اللي أنا شفته في إيدك ليلة ما ليلى اختفت!”
بابا أغمض عينيه بشدة، وظهرت عروق جبهته من كثرة الضغط. سقطت دمعة واحدة من عينه على المفتاح.
“هي لسه عايشة؟” سألته وأنا أمسك بذراعيه وأهزه بقوة. “ليلى عايشة يا بابا؟! أنت عملت إيه من أربعين سنة؟ يتيمة الحرب اللي كنت بتقول عليها؟ ولا الديون؟ إنت خبيتها فين؟!”
فتح بابا عينيه، وكان فيهما مزيج مرعب من الشفقة والخوف، وقال بصوت خفيض جدًا كأنه يخشى أن تسمعه الجدران:
“ليلى ممتش يا حنان… بس المكان اللي هي فيه… كان لازم تفضل فيه عشان تحميكي أنتِ وماما.”
“تحمينا من مين؟! بتتكلم عن إيه؟!” صرخت فيه.
قبض بابا على يدي بقوة غير متوقعة بالنسبة لجسده الضعيف، وقال وهو يلهث:
“المفتاح ده… مش بيفتح صندوق ولا باب بيت. المفتاح ده بيفتح الخزنة النحاس اللي تحت أرضية القبو في بيت المزرعة القديم بتاع جدك… البيت اللي قفلناه وبعناه بعد اختفائها بسنة. أنا قفلت على السر هناك وراميت المفتاح… افتكرت إني رميته!”
سحبت يدي منه وأنا مشدوهة. “بيت المزرعة؟ السر إيه يا بابا؟!”
قبل أن يجيب، رن هاتف الغرفة الأرضي فجأة.
فزع بابا ونظر إلى التليفون وكأنه ثعبان. رفعت السماعة بسرعة: “ألو؟”
جاءني صوت امرأة عبر الخط، صوت حاد، هادئ، وعميق، يحمل نبرة أعرفها جيدًا رغم مرور أربعين سنة…
“حنان… متضغطيش على بابا أكتر من كده. هو عمل اللي قدر عليه عشان ينقذنا. المفتاح معاكي دلوقتي… روحي بيت المزرعة قبل ما يوصلوا للخزنة قبلك. الساعة بتعد.”
ثم أُغلق الخط.
تجمد الدم في عروقي وأنا أمسك بسماعة الهاتف التي أصدرت صفيرًا متصلًا بعد إغلاق الخط. ألتفتّ بسرعة إلى بابا، فوجدته قد شحب تمامًا وسقطت رأسه إلى الخلف على مسند الكرسي المتحرك وهو يلهث بصعوبة، يداه تحاولان التشبث بياقة قميصه وكأنه يختنق.
صرخت أطلب المساعدة، وخلال ثوانٍ كان الأطباء والممرضون يهرعون إلى الغرفة. دفعوني للخارج بينما كانوا يحاولون إنعاش قلبه وتوصيل أجهزة التنفس الصناعي له. وقفت في الممر البارد والطويل، وجسدي كله يرتجف، وصوت تلك المرأة يتردد في أذني كأنه جرس إنذار: “روحي بيت المزرعة قبل ما يوصلوا للخزنة قبلك. الساعة بتعد.”
خرج الطبيب بعد دقائق وجبهته يتصبب منها العرق، وقال بأسف: “الحالة حرج جدًا يا مدام حنان.. تعرض لأزمة قلبية حادة، ودخل في غيبوبة. نقلناه لغرفة العناية المركزة، لكن الوضع غير مستقر إطلاقًا.”
لم يكن أمامي وقت للبكاء أو التردد. نظرت إلى المفتاح الفضي القابع في قبضة يدي، ورأس الطائر ذي العين الواحدة يضغط على جلدي. أعدت المفتاح إلى جيبي، وغادرت دار الرعاية فورًا باتجاه بيتي لتجهيز نفسي.
بيت المزرعة القديم كان يبعد حوالي ساعة ونصف عن المدينة، في منطقة نائية أصبحت شبه مهجورة بعد أن بيعت الأراضي المجاورة لها لشركات استثمارية تتلكأ في بنائها. كان البيت ملكًا لجدّي، وفيه قضينا أجمل أيام طفولتنا، قبل أن يقرر بابا بيعه فجأة وبثمن بخس بعد سنة واحدة من اختفاء ليلى، حاطًا شرطًا غريبًا في عقد البيع يمنع هدم المبنى الرئيسي أو الحفر تحته لمدة خمسين سنة.
وصلت إلى الطريق الترابي المؤدي للمزرعة وكانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً. الظلام كان دامسًا، ولولا أضواء السيارة الساطعة لما استطعت التمييز بين الأشجار الجافة المحيطة بالمنزل. توقفت على بُعد مسافة قصيرة كي لا يجذب صوت المحرك أي انتباه، وخرجت أحمل كشافًا ضوئيًا قويًا ورذاذًا للفلفل لحماية نفسي.
كان المنزل القائم أمامي يبدو كأنه شبح من الماضي؛ جدرانه الحجرية المتآكلة، ونوافذه الخشبية المغلقة بالألواح، والباب الرئيسي المعلق بحبال قديمة. اقتربت بخطوات حذرة وأنا أستمع لأي صوت حركة، لكن الهدوء كان مريبًا وخانقًا.
تجاوزت الباب الخلفي للمطبخ الصدئ، ودخلت. كان الهواء في الداخل محملًا برائحة التراب والعفن والرطوبة. وجهت ضوء الكشاف نحو الأرضية، ومشيت بخطوات وثيقة نحو الممر المؤدي للدرج الموصل للقبو.
نزلت درجات السلم الخشبي الواحدة تلو الأخرى، وهي تصدر أصوات صرير عالية تهز الهدوء المطبق. القبو كان مليئًا بالصناديق الكرتونية المتهالكة والأثاث المكسور والمغطى بأنسجة العنكبوت. تتذكرت كلام بابا: “تحت أرضية القبو.. الخزنة النحاس”.
بدأت أفتش الأرضية، وأزيح الصناديق الثقيلة والألواح الرخامية المكسورة واحدة تلو الأخرى، وأنا أتصبب عرقًا رغم برودة الجو. وبعد حوالي نصف ساعة من البحث الشاق، لاحظت أن إحدى البلاطات الحجرية في الزاوية البعيدة تحت رف شبكي قديم مختلفة في اللون، ومحيطة بطبقة سميكة من الأسمنت المتشقق.
استخدمت قطعة حديدية حادة وجدتها على أحد الرفوف، وبدأت أطرق على جوانب البلاطة بقوة حتى بدأت تتحرك. أزحت البلاطة الثقيلة بصعوبة، لتظهر تحتها حفرة صغيرة مبطنة بالقماش الأسود الصوفي، وفي قاعها صندوق نحاسي مستطيل، عليه قفل ثقيل ومحفور في منتصفه نفس شكل الطائر ذي العين الواحدة.
سحبت الصندوق بآلام في ظهري ووضعتها على الأرض. أخرجت المفتاح الفضي من جيبي وأدخلته في القفل. أدريته ببطء.. وسمعت صوت “تك” قوية أدت لفتح القفل.
رفعت الغطاء النحاسي الثقيل، ووجهت ضوء الكشاف لداخل الخزنة.
لم تكن الخزنة مليئة بالأموال أو المجوهرات كما توقعت.
كانت تحتوي على دفاتري قديمة ذات غلاف جلدي أسود، وحزمة كبيرة من الخطابات المربوطة بشريط أحمر باهت، إضافة إلى مجموعة من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود، وشريط كاسيت صغير كُتب عليه بخط يد بابا: “اعترافات ليلة 1986”.
مسكت الدفتر الأول وفتحته بحذر؛ كانت الأوراق صفراء واهية. أول صفحة كانت تحتوي على تقرير طبي رسمي مؤرخ بتاريخ يسبق يوم اختفاء ليلى بأسبوع واحد فقط. التقرير كان يخص بابا، ويكشف عن سر لم أكن أعلم عنه شيئًا طوال حياتي: بابا كان يعمل في الستينيات والسبعينيات لصالح منظمة تسريب وثائق وأعمال غير مشروعة، وكان مدينًا لهم بمبالغ ضخمة وأسرار خطيرة، لدرجة أنهم هددوه بتصفية عائلته بالكامل إن لم يسلمهم ملفًا محددًا يمتلكه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصور الفوتوغرافية؛ كانت هناك صور لليلى وهي في سن العشرين، ثم الثلاثين، ثم الأربعين! صور لها في أماكن مختلفة حول العالم، وفي كل صورة كانت ترتدي نفس القلادة الفضية التي تركتها لي ماما.
وبينما كنت أقرأ إحدى الرسائل المكتوبة بخط ليلى المألوف والواضح وهي تقول فيه: “بابا.. أنا هربت مع كمال زي ما اتفقنا، التضحية بوجودي هي الطريقة الوحيدة عشان ترضى المنظمة وتفكر إني مت، وتسيبوا حنان وماما في حالهم.. متخليش حنان تدور عليا، السر ده لازم يموت معاك”.
فجأة، سمعت صوت خطوات أقدام ثقيلة تنزل درجات سلم القبو ببطء!
أنزلت الدفتر بسرعة، ووجهت ضوء الكشاف نحو الدرج وأنا أصرخ برعب: “مين هناك؟!”
ظهر ظل رجل طويل وقوي البنية في أعلى الدرج، يرتدي معطفًا أسود ثقيلًا، وفي يده سلاح ناري مزود بكاتم صوت. ابتسم بنبرة باردة ورفع السلاح باتجاه رأسي، وقال بصوت حاد:
“شكرًا يا مدام حنان.. وفرتِ علينا تسعين كيلو متر بحث.. الخزنة دي كنا بنقعد ندور عليها من أربعين سنة، والتلميذة ليلى لعبت معانا لعبة طويلة أوي حان وقت نهايتها.”
هذة الرواية من وحي خيال الكاتب ولا تمت للواقع بصلة




