
طلعت ندى الدور التاني بخطوات ثابتة وصوت كعب جزمتها بيرن في الصالة الفاضية. دخلت أوضة نوم أمها الرئيسية، قعدت على طرف السرير القديم وحطت إيدها على المفرش الستان اللي كانت الحجة فاطمة بتطرزه بإيدها. طيف أمها ما كانش يفارق المكان، وريحة بخور المَسْك المستورد اللي كانت بتجيبه من الحسين لسة معلقة في قماش الستاير الثقيلة.
مسحت التراب الخفيف من على الكومودينو، وحطت صورة أمها ومصحفها الصغير جنب السرير، وفتحت الشباك الكبير عشان تهوية البيت وتطرد ريحة الخيانة والغل اللي سابوها وراهم.
الليل دخل على منطقة المعادي، والهدوء خيّم على الشارع إلا من صوت شجر الجنينة وهو بيهتز مع الهوا. ندى ما نامتش. قعدت على الكرسي الهزاز في الصالة تحت، حاطة لاب توب قدامها وملف الحسابات، بتراجع كل مليم خرج من جيبها على مدار ست سنين جواز.
الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر لما سمعت صوت خربشة حادة عند باب الجنينة البراني.
ندى ما اتخضتش. قامت ببطء، مشيت لحد شباك المطبخ اللي بيبص على السور الخلفي. لمحت خيال طارق ومعاه إبراهيم أخوه، واقفين تحت شجرة الليمون ومكسرين جزء من الفرع عشان يستتروا بيه، ومع إبراهيم شنطة أسود في أزرق من بتوع السباكة والعدّة.
طارق كان بيتكلم بصوت واطي ومخطوف وهو بيبص حواليه:
– “انجز يا إبراهيم! افتح طفاشة الباب الحديد الخشب ده بسرعة قبل ما البواب يصحى أو حد من الجيران يشوفنا!”
إبراهيم كان بيعرق وبيحاول يدخل أداة حديدية في قفل الباب الخلفي:
– “القفال ده قديم ومصدي يا طارق! وبعدين مراتك شكلها مش سهلة، لو حسيت بينا وهجمت بالشرطة تاني هنروح في داهية!”
طارق زقه بغل وقال:
– “داهية إيه ويا زفت إيه! البيت ده بيتي وأنا جوزها، والشرطة مش هتدخل بين راجل ومراته! المهم ندخل جوة ونحط أيدينا على الورق والعقود اللي معاها، وناخد مفاتيح البيت والعربية، ولما تصحى تلاقي نفسها محاصرة وما معهاش حجة تفرد بيها وشها علينا!”
في اللحظة دي، ندى ما صرختش ولا جرت تطلب النجدة. فتحت النور الكشاف الكبير بتاع الجنينة فجأة! الضوء القوي نزل عليهم كأنه كشاف مسرح، وطارق وإبراهيم حطوا إيديهم على عينيهم من شدة النور.
ندى فتحت شباك الدور الأرضي، وكانت ماسكة في إيدها كاميرا المراقبة الصغيرة اللي كانت شاريها للبيت من شهرين ومثبتاها فوق الباب.
قالت بصوت متزن وحاد يقطع السكون:
– “يا طارق يا عبد المجيد.. ويا إبراهيم يا عبد المجيد.. صوركم وأنتوا بتحاولوا تكسروا قفل بيتي وتسلقوا السور بتتسجل حالاً لايف على السيرفر بتاع المحامي بتاعي وعلى تليفوني.”
طارق اتهز ورجع خطوة لورا، وإبراهيم وقعت منه الشنطة على الأرض والعدّة رنت بصوت عالي.
طارق صرخ وهو بيبص للشباك بغيظ:
– “افتحي الباب يا ندى بدال ما أكسره على دماغك! أنتي فاكرة نفسك مين؟ فاكرة إن شوية ورق هيمنعوني من حقي فيكي وفي بيتك؟”
ندى ردت بابتسامة صلبة:
– “حقك؟ أنت مالكش حق غير الشنطة اللي سبتها في شقتنا المؤجرة! وحالياً عم إبراهيم البواب معاه إذن مني يطلب دورية الشرطة اللي بتعدي كل ساعة في الشارع.. قدامكم دقيقة واحدة تختفوا فيها من قدام بيتي، وإلا المقطع ده هيكون بكرة الصبح قدام وكيل النيابة بتهمة الشروع في السرقة والاقتحام ليلاً مع سبق الإصرار والترصد!”
في نفس اللحظة، ظهر عم إبراهيم البواب من ورا السور وهو ماسك عصاية خيزران ثقيلة ومعاه اثنين من بوابين الفيلات المجاورة:
– “خير يا أستاذ طارق؟ في حاجة ضايعة منك هنا في أنصاص الليالي؟ الست ندى صاحبة البيت محذرة إن محدش يرتب الحركة جنب السور!”
إبراهيم أخو طارق سحب أخوه من دراعه برعب وقال:
– “يلا يا طارق! يلا نمشي الشغلانة كبرت والست دي ما بقاش يهمها حاجة!”
طارق كان بينهج وعينيه حمرا من الغل، بص لندى وقال وهو بيشاور بصوبعه بالتهديد:
– “الورقة دي هتقلب عليكي يا ندى! والمستشفى اللي بتتباهي بيها وبشغلك فيها، هعرف إزاي أخلي مديرها يطردك منها بالفضايح!”
ندى سحبت الشباك وقفلت القفل بتاعه ببرود، ومن غير ما ترد عليه بكلمة واحدة.
صبح يوم الأحد، الساعة تمانية الصبح.
ندى كانت واقفة قدام باب مستشفى “حكيم” الخاص، لابسة البالطو الأبيض النظيف ومرفوعة الراس. دخلت المستشفى بخطوات واثقة، بس أول ما وصلت الدور الثاني عند مكتب رئيس التمريض، لقيت الحركة غير العادية.
زميلتها مروة جرت عليها وهي خايفة وشها أصفر:
– “حقك عليا يا ندى.. جوزك طارق أجا هنا من ساعة زمن، وكان عامل هيصة في مكتب الدكتور أيمن المدير الإداري! قعد يصرخ ويقول إنك سرقتي فلوسه وعقود أهله وهربتي من البيت، وإنك مستغلة شغلك في المستشفى عشان تعملي حاجات مش مظبوطة!”
ندى ما اهتزتش ولا خطوة، ولا حسّت بالكسفة اللي طارق كان مراهن عليها.
– “وهو فين الدكتور أيمن دلوقتي يا مروة؟”
– “مستنيكي في المكتب ومعاه طارق وحماتك صفية جوة!”
ندى هزت راسها، عدلت الياقة بتاعة البالطو، وخبطت خبطتين على باب مكتب المدير ودخلت بكل ثبات.
المكتب كان فيه الدكتور أيمن قاعد ورا مكتبه ووشه مشدود، وطارق قاعد على الكرسي حاطط رجل على رجل ومبتسم ابتسامة النصر، وحماتك صفية قاعدة جنبه لابسة النظارة ومعاها منديل بتعيط بيه عياط تمثيلي رخيص.
الدكتور أيمن بص لندى أول ما دخلت وقال بنبرة جادة:
– “اتفضلي يا ندى.. الأستاذ طارق ووالدته جايبين كلام خطير جداً، وبيقولوا إنك مستغلة اسم المستشفى وموقعك هنا في تجاوزات مالية وأسرية، وإن في قضايا مرفوعة عليكِ!”
ندى قربت من المكتب، ما بصتش لطارق ولا لأمه خالص، وبصت لدكتور أيمن مباشرة:
– “صباح الخير يا دكتور أيمن. حضرتك عارف شغلي هنا بقاله سبع سنين، وعارف ملفي النظيف اللي ما فيهوش لفت نظر واحد. بس أنا مش هضيع وقت حضرتك في مهاترات شخصية.. اتفضل حضرتك الملف ده.”
طلعت ندى من شنطتها ملف أسود صلب وحطته على مكتب المدير.
طارق اتعدل في قعدته بلهفة وقال:
– “ملف إيه ده يا دكتور؟ دي بتداري على سرقتها!”
ندى لفت لطارق وبصتله بنظرة احتقار هادية:
– “ده يا دكتور أيمن محضر رسمي برقم (4021) إداري المعادي، اترمى صباح النهاردة الساعة سبعة الصبح ضد الأستاذ طارق والأستاذ إبراهيم شقيقه، بتهمة محاولة اقتحام ملكيتي الخاصة ليلاً وتكسير أقفال منزل المرحومة والدي، ومرفق مع المحضر فلاشة عليها تفريغ كاميرات المراقبة بالصوت والصورة وهم بيحاولوا يكسروا الباب.”
حماتي صفية وقفت فجأة والعياط اختفى من وشها في ثانية:
– “أنتي عملتي محضر في جوزك يا فاجرة؟”
ندى كملت كلامها لدكتور أيمن ببرود تام:
– “ومرفق كمان كشف حساب بنكي يثبت إن الأستاذ طارق هو اللي كان بياخد مني مبالغ شهرية مثبتة بتحويلات لحسابه الشخصي، وإن ادعاءه إني خدت منه مليم واحد هو ادعاء كاذب يعاقب عليه القانون بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير بيا في مكان شغلي.”
الدكتور أيمن فتح الملف، بص في الأوراق والفلاشة، ووشه اتغير تماماً. اتعدل في كرسيه وبص لطارق بحزم شديد:
– “أستاذ طارق.. أنتوا جايين تستغلوا إدارتنا ومكتبنا عشان تصصفوا حسابات شخصية وعائلية بعيدة عن المستشفى؟ الممرضة ندى من أكفأ التمريض عندنا، والكلام اللي بتقولوه ده تشهير صريح بموظفة أثناء تأدية عملها.”
طارق وشة بقى زي قماش الميتين، والدم هرب من عروقه. وقف وصوته بيتخنق:
– “يا دكتور أنتا مش فاهم حاجة! دي ست مفترية وأخدت البيت ورث أمها وما بدهاش تدينا حقنا!”
ندى قربت منه وقالت بصوت واطي ومسموع للمدير بس:
– “حقك إيه يا طارق؟ حقك في ورث أمي فاطمة اللي ما تعرفهاش ولا شفت منها غير الخير؟ أنا طلبت لك الخلع صباح النهاردة يا طارق.. وعقود شقتك المؤجرة وصيت المحامي يرجعها لصاحب العمارة لأن الإيجار باسمي وأنا فسخت العقد!”
صفية صرخت ولطمت على صدرها:
– “فسختي عقد الشقة؟ إحنا هنروح فين يا بت أنتِ؟ نترمي في الشارع؟”
ندى بصت لحماتها بقسوة السنين اللي استحملت فيها إهانتهم:
– “تروحوا مطرح ما تروحوا يا خالتي صفية! ابلكِ الراجل اللي اتفشخرتي بيه وقال يصرف عليكي، يروح يؤجر لكم شقة من عرق جبينه بدل ما يتغدى على حساب مراته! اتفضلوا اطلعوا برة المستشفى قبل ما الأمن يرميكم برة على الملا!”
الدكتور أيمن ضغط على زرار المكتب واستدعى أمن المستشفى فوراً:
– “يا حازم.. خذ الأستاذ ووالدته ووصلهم لبرة البوابة الخارجية، وممنوع يدخلوا هنا تاني تحت أي ظرف.”
رجال الأمن دخلوا المكتب ومسكوا طارق من دراعه. طارق كان بيقاوم وبيزقهم وهو بص لندى بعيون مليانة شر وكره جنوني:
– “والله ما هسيبك يا ندى! وحياة أمي لأخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه! البيت ده هحرقه باللي فيه مش هسيبهولك تتهني بيه!”
ندى وقفت بثبات، وحطت إيدها في جيب البالطو الابيض وقالت بصوت هادي وزي الصخر:
– “البيت ده حمايته من حماية روح أمي يا طارق.. واللي هيقرب منه بنار، هيتحرق بيها قبل ما يلمس سور جدار واحد منه.”
خرج طارق وأمه ومسحوبين بين رجال الأمن وسط نظرات الممرضين والمرضى في الطرقات، والهمسات بدأت تعلى في كل ركن في المستشفى.
الدكتور أيمن بص لندى وابتسم باحترام:
– “أنا آسف يا ندى على الموقف ده.. أنتي ست بـ مية راجل، ولو محتاجة إجازة بكرة تتابعي قضاياكِ أنا مأمن عليكي.”


