منوعات

حكايات نرمين 2

ندى هزت راسها شكراً وقالت:

– “شكراً يا دكتور.. بس أنا مش محتاجة إجازة. أنا شغلي هو اللي بيقويني، وحقي بعرف آخده بالقانون كويس.”

رجعت ندى لشغلها في القسم، بس دماغها ما كانتش ساكتة. كانت عارفة إن طارق وصفية وشيماء وإبراهيم مش هيستسلموا بسهولة. النمرة دي كانت مجرد بداية للغضب اللي هيطلع منهم لما يكتشفوا إنهم خسروا الشقة والسكن والفلوس في يوم واحد.

على الساعة أربعة العصر، بعد ما خلصت نوبتجيتها، خرجت ندى من المستشفى وطلبت تاكسي عشان تروح المعادي.

أول ما وصلت الشارع القريب من بيتها، لاحظت حاجة غريبة. عم إبراهيم البواب مش واقف على البوابة زي العادة، وباب الجنينة الخارجي كان موارب وصوت حركة غريبة جوة الجنينة الخلفية.

نزلت ندى بسرعة وقلبها بدأ يدق القلق، بس رجليها ما اتهزتش. مسكت هاتفها وفتحت تطبيق كاميرات المراقبة اللي متصل بالنت المباشر.

اللي شافته على شاشة التليفون خلى دمها يغلي في عروقها!

شيماء أخت طارق كانت واقفة جوة الجنينة الخلفية، ومعاها جردل فيه مادة سايلة ريحتها جاز، وكانت بترش على شجر الفل والياسمين اللي أمها فاطمة زرعته بإيدها، وإبراهيم أخوها واقف جنب سور البيت ومعه ولاعة سجائر بيلعب بيها وبيستعد يولع في شجر الجنينة والخشب القديم بتاع البلكونة!

ندى مشيت بخطوات سريعة كالسهم ناحية البيت، وصرخت بصوت هز الشارع كله:

– “شيماااااء!”

التفتت شيماء برعب، والجردل اتهز في إيدها ونزلت منه قطرات البنزين على التراب وشجر الفل. إبراهيم اتخض، والولاعة وقعت من إيده بين الأعشاب الناشفة، بس مسك نفسه بسرعة وزق الولاعة برجله عشان يداريها.

ندى ما استنتش ولا ثانية. مشيت بخطوات واسعة وسريعة زي العاصفة، وقفت قدامهم في نص الجنينة، وعينيها بتلمع بشرارة غضب يهد جبال.

شيماء حاولت تتدارك موقفها، وحطت إيدها في وسطها وعدلت طرحتها وهي بتقول بنبرة صفرا ومستفزة:

– “جرى إيه يا ست ندى؟ جيا تجري وتصرخي كأنك شفتي عفريت؟ إحنا جينا نلم بقية حاجات طارق اللي هنا، وشوية الخشب القديم ده قلنا ننضف الجنينة منه بدال ما هو مكركب المكان ولامم حشرات!”

ندى قربت من شيماء لحد ما بقت المسافة بينهم سنتيمترات، وبصت للجردل اللي في إيدها، وبعدين بصت في عينيها بنظرة خلت شيماء ترجع خطوة لورا رغماً عنها.

ندى بصوت طالع من قاع الصدر، ثابت وبارد زي المشرط:

– “ينضف الجنينة بالجاز يا شيماء؟ والولاعة اللي في جيب إبراهيم دي عشان ينضف بيها الخشب برضو؟”

إبراهيم اتدخل وهو بيحاول يبان قوي وصوته يعلى عشان يغطي على توتره:

– “بقولك إيه يا ندى.. بلاش شغل التفتيش والتهديد ده معانا! البيت ده طارق أوهملك إنك صاحبة الحق فيه لوحدك، بس إحنا مش هنسيبك تتبسطي بيه بعد ما رميتي جوزك وكسرتي كلمته قدام الناس! الشجر ده والخشب ده مش هنسيبلك فيه عود واحد طالع!”

في اللحظة دي، عم إبراهيم البواب جه يجري من الشارع ووشه أصفر ومخبوط، وكان معاه اثنين من جيران الشارع، المحامي فاروق اللي بيتي في الفيلا المجاورة، وحسن صاحب السوبر ماركت.

عم إبراهيم صرخ وهو بينهج:

– “يا ست ندى! إلحقي.. أنا كنت برة بشتري حاجة للبيت، ولقيت الأستاذ طارق واقف عند أول الشارع وسايب أخته وأخوه يدخلوا من السور الخفي!”

الأستاذ فاروق المحامي قرب، وبص للجردل ولرائحة الجاز اللي مالية المكان، وقال بصرامة:

– “إيه المهزلة دي؟ أنتوا بتهببوا إيه هنا؟ الريحة دي ريحة مواد شديدة الاشتعال، وده شروع في حريق عمد لممتلكات خاصة!”

شيماء وشها جاب ألوان، والجردل وقع من إيدها وإتدلق الجاز على جزمتها وعلى التراب. صرخت بقلة حيلة:

– “حريق إيه يا حضرة المحامي! أنت هتتبلى علينا؟ إحنا بنضف الأرض وبس!”

ندى سحبت تليفونها من الشنطة، ورفعت الشاشة في وش شيماء وإبراهيم والأستاذ فاروق.

ندى بثبات قاتل:

– “البث المباشر المربوط ببرنامج الكاميرات سجل كل خطوة.. من أول ما تسلقتوا السور الخفي، لللحظة اللي رشيتوا فيها الجاز على شجر أمي، ولما إبراهيم طلع الولاعة من جيبه وكنتوا بتبدأوا تحرقوا السور. المقطع ده مش بس اتبعت للمحامي، ده اتبعت فوراً على جروب شرطة النجدة عبر التطبيق الإلكتروني وبلاغ حريق وشروع في إتلاف حيز مأهول!”

إبراهيم وشة اتخطف، والدم هرب من عروقه:

– “أنتي اتجننتي؟! بلاغ حريق إيه؟ أنتي عايزة تودينا في داهية عشان شوية شجر؟”

– “شوية الشجر دول..” ندى وطت ودست إيدها في التراب المبلول بالجاز ورفعت عود فل صغير، وبصت لإبراهيم بجمود كأنه جبل: “..دول زرعتهم أمي الحجة فاطمة قبل ما تموت بصوابعها اللي شقيت عشان تأكلني بالحلال. كل قشة في البيت ده وفي الجنينة دي خط أحمر.. واليد اللي تترفع عشان تحرق حق أمي، أقطعها بالقانون وأرميها في السجن!”

صوت سرينة عربية الشرطة رن في الشارع، وأضواء الفلاش الأزرق والأحمر ضربت على سور الفيلا والشارع الساكن.

شيماء صرخت وحطت إيدها على وشها:

– “الشرطة جت بجد! يا لهوي يا إبراهيم عملت فينا إيه!”

طارق اللي كان واقف يستنى النتيجة عند أول الشارع، أول ما شاف عربية البوكس جية، جرى واستخبى ورا العمارات وما استناش يشوف أخته وأخوه بيتمسكوا إزاي!

دخل الضابط ورجال الشرطة من باب الجنينة، وبصوا للمكان ولرائحة الجاز المنتشرة، وللجردل المقلوب على الأرض.

الأستاذ فاروق المحامي تقدم فوراً وقدم كارنيه النقابة وبلاغ ندى الموثق بالصور والفيديو:

– “يا فندم، أنا فاروق عبد الحميد المحامي بالنقض، وبمثل الست ندى صاحبة العقار. المتهمين دول دخلوا العقار خلسة عن طريق التسلق، ومامعهمش أي حظ شرعي أو قانوني للتواجد، وكانوا بيشرعوا في إضرام النار في الحديقة والمبنى المأهول بالسكان زي ما واضح في التسجيل المباشر اللي قدام سيادتك.”

الضابط بص لإبراهيم وشيماء بحزم شديد:

– “هات الولاعة اللي في جيبك يا جدع أنت! وإنتي يا ست اتفضلي معانا على البوكس من غير شوشرة!”

شيماء قعدت على الأرض في الطين وجزير الجاز وهي بتصرخ وبتعيط تمثيل:

– “والله ما عملنا حاجة يا باشا! دي مرات أخونا المفترية بتتبلى علينا عشان عايزة تاخد البيت لوحدها وتطردنا!”

ندى وقفت أمام الضابط بكل وقار، وصوتها هادي ومفيش فيه أي نبرة شماتة، بل نبرة قوة وحق:

– “يا فندم، أنا ممرضة في مستشفى حكيم، والأستاذة وأخوها دول قرايب جوزي اللي رفعت عليه دعوى خلم صباح النهاردة بعد ما حاولوا يقتحموا البيت إمبارح بالليل وفي محضر رسمي برقم 4021 إداري المعادي. وهما جايين النهاردة ينفذوا تهديد جوزي بالانتقام وحرق البيت.”

الضابط هز راسه وأمر العساكر:

– “كلَبش الأستاذ وهات الست دي معاك.. والتحفظ على الجردل والولاعة كأدلة جنائية فورية. وأنتي يا مدام ندى اتفضلي معانا على القسم عشان تسجلي أقوالك وتطبقي البلاغ.”

إبراهيم وهو بيتكلَبش، بص لندى بغل وكره وشفايفه بتموت من الخوف:

– “أنتي هتحبسينا يا ندى؟ هتحبسي أخت جوزك وأخوه؟ وطارق فين؟ طارق راح فين وسابنا؟”

ندى بصتله ببرود وقالت وهي بتمسح التراب من إيدها:

– “طارق جرى وسابكم زي ما جرى زمان ولما سابكم تشيلوا طين أخطاؤه. اطلبوه في التليفون يمكن يجي يضمنكم في القسم.. لو كان عنده شجاعة يقف قدام النيابة!”

رحل بوكس الشرطة وهو شايل إبراهيم وشيماء، والشارع كله واقف بيتفرج ويتكلم على شجاعة ندى وبنت الحجة فاطمة اللي ما سمحتش لحد يكسرها أو يسرق حقها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى