
رماها
انسحب زعيم المافيا وسط الظلام كالمرض الخبيث الذي يتوارى مؤقتاً ليعود ببطش أشد. أغلقت السيارة السوداء المصفحة أبوابها بصوت ثقيل، وانطلقت تنهب الأرض نحو المقر الرئيسي الحصين الواقع على أطراف الجبل المهجور. كان وجه الزعيم داخل السيارة يقطر غضباً وحنقاً، وعيناه المحتقنتان بالدم تحترقان برغبة عارمة في الانتقام. لم تكن المسألة مجرد فتاة نجدت من الموت، بل كانت إمبراطورية كاملة من الرعب تهاوت في ساعات قليلة أمام أعين أهل المدينة.
في هذه الأثناء، تحولت الساحة الرئيسية إلى المشهد الذي لم يجرؤ أحد على الحلم به منذ عقود. كان أهل المدينة ملتفين حول إيما ووالدها الحداد العجوز، تتعالى صيحاتهم بمزيج من الذهول والفخر. وقفت الكلاب القتالية الثلاثة كالرسل المحروسة على جوار الفتاة، تجلس بثبات وتلقي بنظرات حذرة على أي تحرك غريب. لم تعد تلك الحيوانات وحوشاً مفترسة كما ظن الجميع، بل أصبحت رمزاً حياً لما يمكن أن تفعله الرحمة في وجه القسوة والبطش.
اقترب الشيخ عثمان، وهو أحد كبار تجار السوق الذين انحنت أظافرهم لكثرة ما دفعوا من الإتاوات، ووضع يده على كتف الحداد وقال بصوت تهشمه العبرات:
— يا أبا إيما، ابنتك لم تنجُ بنفسها فقط اليوم، بل أعادت النبض إلى أجسادنا التي ماتت من الخوف منذ سنوات. لكن الحذر، فالأفعى تجرح وتلتوي قبل أن تموت.
رد الحداد وهو يضم إيما إلى صدره بقوة ويرفع مطرقته الملوثة بسخام الفحم:
— من عاش خائفاً يموت كل يوم ألف مرة، ومن يرفع رأسه مرة واحدة لا يستطيع أن يطأطئه مجدداً. الزعيم لن يسكت، وعلينا أن نستعد لما هو أعظم.
وفي أروقة المقر الحصين للمافيا، كان الهدوء المريب يسبق العاصفة. دخل الزعيم إلى قاعته المظلمة المحاطة بالشاشات والأسلحة، ورزع قبضته على الطاولة الرخامية الضخمة لينقسم الشاسيه الزجاجي إلى نصفين. كان الحراس يرتجفون في منازلهم منتظرين صدر القرار.
قال الزعيم لنائبه وهو يتنفس بجهد ونبرته تجرح الصمت كالسكين:
— هل تظن أنهم انتصروا؟ هل يظنون أن مجرد خروج بنت مع بضعة كلاب ضالة سيلغي تاريخاً من الدم؟ أريد أن يدرك هذا الشعب بأكمله معنى العصيان.
رد النائب بقلق وهو يمسك بمظروف أسود مغلق:
— سيدي، الشارع يغلي، والتجار رفضوا دفع إتاوة المساء، والشرطة التي كانت في صفنا بدأت تتردد وتتراجع للخلف. لو هاجمنا بشكل مباشر الآن، قد تنفجر المدينة بأكملها ضدنا.
ابتسم الزعيم ابتسامة شيطانية مجنونة وقال:
— بالظبط، هذا ما أريده تماماً. لن نرسل الحراس لجمع المال، ولن نطلق النار في الهواء. سنسحق السلاح الذي يعتمدون عليه. سنحرق ورشة الحداد بالكامل الليلة، ولن نكتفي بذلك… أريد أن تسمم المياه التي تغذي حيهم الجنوبي، وأريد أن تحبس الفتاة وأبوها داخل الورشة أثناء احتراقها. عندما يراهم الناس جثثاً متفحمة، سيتذكرون من هو حكام هذه الأرض.
توزعت الأوامر الشيطانية في خفاء الليل. تحركت أربع سيارات رباعية الدفع من دون أضواء، تحمل أعتى رجالات المافيا المسلحين ببنادق كاتمة للصوت وعبوات البنزين والمواد الحرارية الحارقة شديدة الانفصال. كان الهدف محصراً في نقطة واحدة: الورشة القديمة التي شهدت أول كلمة لا في وجه الطاغية.
في هذه الأثناء، لم تكن إيما نائمة. كانت تجلس على مقعد خشبي قديم داخل الورشة، والكلاب الثلاثة ترابض عند قدميها. كان أبوها يجهز السلاسل الحديدية ويسخن القاطعات على السندان، مدركاً أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.
قالت إيما وهي تمسح على رأس الكلب الأسود:
— يا أبي، هذا الهدوء في الشوارع ليس سلاماً. الزعيم جريح، والجريح لا يفكر إلا في التدمير.
أجابها والدها وهو يطرق قطعة حديد حمراء:
— يعلم الله يا بنيتي أنني لم أكن أريد لك هذه العبارة من الخوف، لكن الحق يحتاج إلى من يحميه. إن جاءوا الليلة، فلن يجدوا حداداً ضعيفاً، بل سيجدون ناراً أشد من نار الكور.
وفجأة، اقشعرت أجساد الكلاب الثلاثة في وقت واحد. رفعت أذانها، وصدرت من صدورها زمجرة خافتة وعميقة. وثب الكلب الأسود نحو الباب الخشبي الثقيل للورشة، وبدأ يخدش الأرض بمخالبه بحرقة شديدة، تحذيراً من حركة غير طبيعية في الشارع المظلم.
أطفأت إيما المصباح الزيتي فوراً، وأظلمت الورشة بالكامل. اقتربت من ثقب صغار في الجدار المتهالك ونظرت إلى الخارج. رأت ظلالاً مشبوهة تتحرك بين الأزقة، ورجالاً يتسللون بعبوات ضخمة يسكبون منها سائلاً فواحاً برائحة البنزين القوية حول جدران الورشة الخشبية والمباني المجاورة لها.
قال أحد رجال المافيا بصوت خافت لرفيقه:
— رش كل المادة على الباب والشبابيك. الزعيم قال مش عايز حد يخرج منها عايش. وولع في البيت اللي جنبها كمان عشان الفوضى تكمل.
سرت قشعريرة في جسد إيما، لكن تفكيرها السريع لم يخذلها. التفتت إلى والدها وقالت بنبرة حاسمة:
— يتسللون لإحراقنا وهم يحيطون بالورشة من كل جانب. لو خرجنا من الباب الأمامي سيمطروننا بالرصاص.
قال الأب وهو يمسك بجمجمة مطرقته الثقيلة:
— هناك الممر الخلفي الضيق الذي يوصل لسرداب الفحم القديم، لكنه مسدود بركام حجري منذ سنوات!
ردت إيما وهي تنظر إلى الكلاب الثلاثة:
— لم يعد مسدوداً.. الكلاب ستساعدنا في حفره، وأنت يا أبي جهز قنابل الفحم والزيت المضغوط التي كنت تستخدمها في تشغيل الفرن. سنقلب سحرهم عليهم!
بدأت الكلاب بالنبش والحفر بكل قوتها في الركام التربي الخفيف في خلفية الورشة بمساعدة إيما، بينما تقدم الأب نحو خزان الزيت المستعمل وربط به قتيلة من القماش وأشعلها ببطء، ممتلئاً بالعزم.
وفي الخارج، أخرج رئيس المجموعة المهاجمة ولاعة ذهبية، وسكب قطرة أخيرة من البنزين على أعتاب الورشة، ثم ألقى الشرارة.
في ثانية واحدة، انفجرت بحيرة البنزين إلى ألسنة لهب هائلة، وامتدت النار كالأفعى لتلتهم الواجهة الخشبية بالكامل، وتبدد ظلام الشارع بضوء برتقالي مخيف وصوت اشتعال مدوٍّ هز جدران الحي القديم. وقف رجال المافيا يضحكون بشرارة، ينتظرون سماع صرخات الاستغاثة من الداخل.
لكن ما حدث بعد ذلك جعل ضحكاتهم تتجمد في حلوقهم…




