
نغم فضلت حاضنة زينة بقوة لدرجة إن البنت بدأت تتحرك بين إيديها.
— ماما… إنتِ بتوجعيني.
فكت نغم إيديها بسرعة.
— حقك عليا يا حبيبتي.
زينة بصت ناحية الشباك.
— الراجل مشي؟
— أيوه.
— كان مين؟
نغم حاولت تبتسم.
— معرفش… يمكن مستني حد من العمارة.
لكنها كانت عارفة إن ده كذب.
الرسالة على موبايلها كانت واضحة:
«المرة دي الثمن مش هتدفعيه إنتِ.»
بصت لزينة.
ولأول مرة، خوفها من رجوع طارق بقى أقل من خوفها من بقائها لوحدها.
مسكت الموبايل.
اترددت لحظة.
ثم اتصلت بطارق.
رد من أول رنة.
— نغم؟
صوتها المرتعش خلاه يقوم من مكانه فورًا.
— في إيه؟
— طارق…
— مالك؟
— في حد بيراقب البيت.
سكت ثانية واحدة.
— اقفلي الباب ومتفتحيش لحد.
— أنا خايفة على زينة.
— أنا جاي.
— طارق…
لكنه كان قفل بالفعل.
بعد أقل من عشرين دقيقة، كان واقف قدام باب الشقة.
أول ما نغم فتحت، دخل وبص ناحية زينة.
كانت قاعدة على الكنبة بترسم.
اطمأن إنها كويسة.
قال:
— وريني الرسائل.
ناولته الموبايل.
قرأهم مرة.
وبعدين مرة تانية.
وشه ما اتحركش.
لكن نغم كانت تعرفه كويس.
طارق لما يغضب بجد…
بيهدأ.
قال:
— الرقم ده اتصل قبل كده؟
— لأ.
صور الشاشة وبعتها لمعتز.
وبعدين قال:
— لمي حاجتك.
— ليه؟
— هتمشوا من هنا.
نغم اتشدت.
— هنروح فين؟
— مكان آمن.
— مش الفيلا.
— ما قلتش الفيلا.
— وأنا مش هعيش في بيت تابع لعيلتك.
بصلها.
— نغم، مش وقت العناد.
— وأنا مش هحط بنتي تحت سقف والدتك.
قرب منها.
— ولا أنا هحطها تحت سقف أمي.
سكتت.
قال:
— عندي شقة خاصة محدش من العيلة يعرف إني بستخدمها. هتروحوا هناك كام يوم لحد ما أعرف مين ورا الرسائل.
— وإنت؟
— هفضل معاكو.
رفعت حاجبها.
— لأ.
— في أوض كتير.
— برضه لأ.
طارق بص ناحية زينة وقال:
— اللي بعت الرسالة عارف مكان بيتك، وعارف المستشفى اللي كنتوا فيه، وعارف إني معاكو.
خفض صوته:
— مش هسيب بنتي هنا الليلة.
سمعت زينة آخر كلمة.
رفعت رأسها من الرسم.
— بنتك؟
الصمت وقع فجأة.
نغم شحب وشها.
طارق لف ببطء.
زينة قامت.
— إنت قلت بنتي؟
نغم قالت بسرعة:
— زينة…
لكن البنت بصت لطارق.
— عندك بنت؟
طارق نزل لمستواها.
بص لنغم كأنه بيطلب منها الإذن.
نغم غمضت عينيها للحظة.
ثم هزت رأسها.
طارق رجع بص لزينة.
— عندي.
البنت ضحكت.
— زيي!
ابتسم وسط دموعه.
— هي إنتِ.
ابتسامتها اختفت.
بصت لأمها.
ثم له.
— يعني إيه؟
نغم قعدت جنبها.
مسكت إيدها.
— يعني عمو طارق…
سكتت.
الكلمة كانت أصعب مما توقعت.
طارق قال بهدوء:
— أنا باباكي يا زينة.
البنت فضلت ساكتة.
بصتله طويلًا.
ثم سألت سؤالًا ق/تل كل حاجة جواه:
— طب كنت فين؟
طارق ما عرفش يرد.
نغم ضمتها.
قال طارق بصوت مبحوح:
— ماكنتش أعرف إنك موجودة.
— إزاي؟
— حصلت مشاكل كبيرة بيني وبين ماما قبل ما إنتِ تتولدي.
زينة فكرت شوية.
ثم قالت:
— يعني إنت ما سبتنيش؟
دموع طارق نزلت.
— لأ.
هزت رأسها.
ثم قالت ببساطة الأطفال:
— خلاص.
طارق ضحك وسط بكاه.
— خلاص؟
— أيوه… بس متروحش تاني.
مد إيده.
— أوعدك.
زينة بصت لإيده.
ثم رمت نفسها في حضنه.
المرة دي ماكانش «عمو طارق».
كان أبوها.
ونغم وقفت تبص عليهم…
وهي بتعيط في صمت.
نقلهم طارق في نفس الليلة.
وفي الصبح، معتز اتصل.
— وصلنا للرقم.
— مين؟
— شريحة غير مسجلة باسم واضح، لكن قدرنا نوصل للعربية اللي كانت تحت بيت مدام نغم.
— بتاعة مين؟
— شخص اسمه حسام الديب.
طارق وقف.
الاسم كان مألوفًا.
— أعرفه.
— كان شغال زمان مع مكتب شريف منصور.
طارق فهم الخيط.
المحامي.
مدير الأمن القديم.
والدته.
كلهم مربوطين ببعض.
قال:
— عايز شريف.
معتز سكت.
— فيه مشكلة.
— إيه؟
— شريف منصور مات من سنتين.
طارق اتصدم.
— طب ملفاته؟
— مكتبه اتقفل، لكن شريكه القديم لسه محتفظ بأرشيف.
— هاته.
— قانونيًا مش هنقدر ناخد حاجة مش من حقنا.
طارق قال:
— مش عايز حد يعمل حاجة غلط. دور على أي مستند يخصني ويحق لي الحصول عليه، وأي شاهد مستعد يتكلم رسمي.
— تمام.
وقبل ما يقفل معتز قال:
— فيه حاجة تانية.
— إيه؟
— حسام الديب كان بيتقاضى مبالغ شهرية لمدة خمس سنين.
— من مين؟
— شركة استشارات مملوكة لشخص اسمه فؤاد عزمي.
طارق اتجمد.
فؤاد عزمي.
صديق والده القديم.
والرجل اللي أمه كانت مصرة من سنين إن طارق يتجوز بنته.
في المساء، رجع طارق للشقة.
لقى زينة مستنياه عند الباب.
أول ما دخل قالت:
— بابا!
الكلمة خلته يقف.
أول مرة يسمعها.
نغم نفسها اتفاجئت.
طارق نزل على ركبته.
— قوليها تاني.
زينة ضحكت.
— بابا.
حضنها.
وقال:
— نعم يا قلب بابا؟




