
لم تفق ملك من صدمة اكتشاف سر زوجها الحقيقي حتى وجدت نفسها في قلب معركة حامية الوطيس. كانت أضواء الفيلا طافئة، ولم يكن يضيء عتمة الغرفة سوى ومضات الرصاص المتطاير وصوت التي أركان المكان.
سحبها سليم بقوة نحو زاوية أمنة خلف الخزانة الفولاذية المخبأة في الجدار. كانت عيناه الخضراوان تلمعان في الظلام ببرود وقسوة لم ترهما من قبل؛ لم يعد ذلك الرجل الودود الذي كان يجثو تحت قدميها قبل دقائق، بل تحول إلى مفترس مستعد للدفاع عن حياته وحياة زوجته.
قال لها بصوت حاد كالصلب وهو يضع في يدها جهازًا صغيرًا:
«ملك.. اسمعيني كويس. الجهاز ده فيه زرار أحمر.. لو حصلي أي حاجة، اضغطي عليه، وفي خلال دقيقتين المروحية الخاصة بحراسي الشخصيين الحقيقيين هتكون هنا وتنقلك لمكان أمان.»
مسكت ملك بيده وترجته بدموع تتساقط:
«سليم! بلاش تخرج.. دول كتير ومسلحين! !»
ابتسم سليم ابتسامة ثقة أظهرت وسامته الغامضة وسط الخطر، وقبل رأسها بحنان خاطف:
«أنا مش بس سليم الجبالي الملياردير يا ملك.. أنا سليم اللي عشت في قلب النار والمافيا سنين عشان أبني الإمبراطورية دي. الموت مش بالسهولة دي بالنسبة لي.. خليكي هنا ومتتحركيش.»
في لحظات، انطلق سليم كالفهد في الظلام. كانت تحركاته سريعة ومتقنة للغاية، تثبت أنه خضع لتدريبات رفيعة المستوى. سُمعت أصوات صراخ واشتباك قريب، ثم طلقات نارية متتالية، وأجساد تسقط على الأرض بواحد تلو الآخر.
كان المهاجمون يظنون أنهم سيواجهون رجلًا بدينًا مشلولًا مقعدًا على كرسي متحرك، لكنهم تفاجأوا بشبح وسيم وقوي يفتك بهم في العتمة بدقة متناهية.
لكن المهاجمين لم يكونوا مجرد عصابة عادية؛ كانوا رجال «مراد الألفي»، الخصم الأشد شراسة لسليم، والرجل الذي طالما طمع في وضع يده على ثروة الجبالي. وكان مراد هو نفسه من اكتشف السر عبر خيانة أحد رجال الموثوقين.
فتح باب الغرفة فجأة بقوة، ودخل مراد الألفي يحمل سلاحًا أوتوماتيكيًا، ويحيط به اثنان من رجاله .
صرخ مراد بضحكة خبيثة:
«أهلاً بالبطل الخارق! أخيرًا شفت وشك الحقيقي يا سليم! طول السنين دي عامل نفسك خنزير مجروح ومريض، وأنت أسرع من الزئبق! بس اللعبة انتهت خلاص.. الفيلا محاصرة بـ 30 راجل، وأي حركة منك، دي هتكون في قلب عروسك الحلوة!»
وجه أحد الرجال سلاحه مباشرة نحو ملك المخبأة خلف الخزانة.
تجمد سليم في مكانه. سقاللاح من يده بالتدريج بناءً على أمر مراد. كان الخيار أمامه حاسمًا: إما أن يقاتل ويخاطر بحياة ملك، أو يستسلم ليحميها.
قال سليم بنبرة هادئة ورزينة لكنها تحمل تهديدًا زلزل المكان:
«سيب ملك يا مراد.. حسابك معايا أنا. هي ملهاش دعوة بأي حاجة، ولا تعرف أي حاجة عن شغلي ولا ثروتي.»
ضحك مراد بسخرية:
«ملهاش دعوة؟! دي العروسة اللي اشتريتها بفلوسك عشان تخبي وراها قرفك! بس تصدق؟ ذوقك حلو أوي.. البنت طلعت حلوة بجد مش زي ما كنت متخيل.»
في تلك اللحظة، شعرت ملك بغضب جارف يجري في عروقها. النظر إلى سليم وهو يقف بكل هذه الهيبة والوسامة ليحميها بدمه، جعل كل الخوف يختفي من قلبها. تذكرت كلامه عن التضحية والصبر، وتذكرت الجهاز الصغير في يدها.
بدلًا من الضغط على زر الاستغاثة، قامت ملك بحركة غير متوقعة تمامًا.
سحبت مزهرية رخامية ثقيلة بجوارها، وبكل قوتها ألققتها على رأس الرجل المسلح الموجه سلاحه إليها!
اصطدمت المزهرية برأس المسلح فسقط أرضًا مخضبيًا بدمائه، وفي تلك الكسر من الثانية من التشتت، استغل سليم الفرصة كالصاعقة. انقض على مراد الألفي وسحب السلاح من يده بضربة سريعة، ثم سدد له صفعة وقبضة حديدية على وجهه أطاحت به أرضًا، بينما أطلق النار بدقة على الرجل الثالث قبل أن يرفع سلاحه.
ساد الصمت المفاجئ في الغرفة، باستثناء أنفاس سليم المتصاعدة وهو يقف فوق جسد مراد الملقى على الأرض يتألم.
نظر سليم إلى ملك بذهول وإعجاب لا يوصف. لم يصدق أن هذه الفتاة الرقيقة التي كانت تغسل قدميه بهدوء وطيبة في الصباح، هي نفسها التي أنقذت حياته الآن بشجاعة نادرة!
دنا منها بخطوات سريعة، وسحبها إلى حضنه القوي الدافيء. شعرت ملك برأسها على صدره العريض، وبدقات قلبه السريعة التي تخبر بالخوف عليها وليس على نفسه.
قال وهو يقبل شعرها بلهفة:
«أنتي مجنونة يا ملك.. بس شجاعة بشكل مرعب. أنتي إنقاذ حياتي بجد.»
همست ملك وهي تتنفس عطر رجولته لأول مرة بدون أقنعة أو حواجز:
«أنا مش هسمح لأي حد يؤذيك.. بعد ما عرفت الحقيقة، مش هسيبك يا سليم.»
لكن الخطر لم ينتهِ بعد..
من على الأرض، سحب مراد الألفي زِر تفعيل قنبلة موقوتة كان يخبئها في سترة حمايته، وصرخ بضحكة هيستيرية دموية وهو يسعل الدم:
«لو أنا مش هخُد ثروتك.. محدش هياخدها! الفيلا دي هتتفجر في خلال دقيقتين يا سليم! أموت وأنت تموت معايا ومع عروسك الجميلة!»
بدأ العد التنازلي على شاشة القنبلة الملتصقة بجسد مراد: (01:59.. 01:58..).
اتسعت عينا سليم، ورأى أن أجهزة التعطيل لن تسعفهم في هذا الوقت القصير، والفيلا بأكملها أصبحت عبارة عن فخ ممتلئ بالمتفجرات.
أمسك سليم بيد ملك بصرامة وقال:
«مفيش وقت! لازم نخرج فورًا من الممر السري تحت الأرض!»



