
اخترقت الدروع المصفحة للسيارة بصوت مدوٍّ كصدمات المطارق، واشتعل الليل الصحراوي بوميض المدافع الرشاشة التي تطلقها سيارات الدفع الرباعي الملاحِقة. كانت السيارة ترتجف تحت قدمي ملك، بينما كان سليم يسيطر على عجلة القيادة بيد واحدة بثبات خرافي، ويطلق النار باليد الأخرى من الفتحة المصفحة بنشاط ودقة قناص محترف.
لمست ملك القلادة الفضية الثقيلة المستقرة على صدرها. القلادة التي طالما ظنت أنها مجرد تذكار رخيص من والدتها المتوفاة، أصبحت الآن مركز العاصفة. كانت عبارة عن قطعة مدورة من الفضة القديمة، محفورة عليها رموز هندسية دقيقة للغاية، وفي منتصفها نتوء صغير شبيه ببروز المفاتيح المشفرة.
صرخ سليم وهو يراور بسيارة الدفع الرباعي لتتفادى صواريخ موجهة صغيرة أُطلقت من إحدى سيارات المطاردين:
«ملك! افتحي القلادة من الضهر! فيه زرار مخفي صغيور جداً.. اضغطي عليه!»
انحنت ملك تحت مستوى الزجاج المصفح، وبأنامل ترتجف بدأت تتلمس ظهر القلادة الفضية. شعرت ببروز ناعم لا يكاد يُرى، فضغطت عليه بأظافرها.
وفجأة! ينقسم القرص الفضي إلى نصفين، ليتدلى منه شريط معدني دقيق وشريحة إلكترونية متناهية الصغر من البلاتين، حُفر عليها تسلسل رقمي طويل بجانب شفرة وراثية حمضية!
في هذه اللحظة، ظهرت سيارة سوداء ضخمة بجانب سيارة سليم مباشرة، واصطدمت بها بقوة جعلت سيارة سليم تتأرجح على وشك الانقلاب. وانخفض الزجاج المصفح للسيارة المجاورة ليظهر منه وجه مراد الألفي والندوب إثر الفيلا، وبجانبه رجل كبير السن ذو شعر أبيض ووجنتين غائرتين.. كان والد ملك، فريد!
صرخ فريد عبر مكبر الصوت وسط صوت الرياح :
«ملك! هاتي القلادة يا ملك! متضيعيش مستقبلك مع سليم! القلادة دي حقتنا إحنا! الشفرة دي تفتح الخزنة السرية لبنك جنيف وتمليك أرض سيناء! سليم بيستغلك عشان ينقل الملكية لشركاته!»
نظرت ملك إلى والدها بذهول وألم يمزق أحشاءها. الرجل الذي كانت مستعدة للزواج من “الملياردير” وتحمل الذل والمهانة من أجل إنقاذ حياته وسداد ديونه، يقف الآن في صف ، يحاول سرقتها واستغلالها بلا أي ذرة رحمة أو أبوة.
وقفت ملك في مقعدها، وفتحت جزءاً بسيطاً من زجاجها المصفح، وصرخت بفريد بصوت هز أركان السيارة:
«أنا بعت نفسي عشان أنقذ حياتك يا بابا! عشت سنة في عذاب وذل عشان ما تدخلش السجن! وأنت في الآخر بتبِعني للكلاب دول عشان فلوس وأرض؟! أنت مش أبويا.. أنت أكبر كابوس في حياتي!»
قاطعها سليم بصوت صارم وبارد كالجلييد وهو ينظر لمراد وفريد:
«انتهى وقت الكلام!»
ضغط سليم على زر أحمر في لوحة القيادة كان مخصصًا لنظام إطلاق النيتروجين والغاز المشتعل الخلفي. انبعث من خلف سيارة سليم دخان أسود كثيف ومادة زيتية على الطريق، مما جعل سيارة مراد وفريد تفقد السيطرة تمامًا، وتنحرف بسرعة جنونية لتصطدم بحافة الصخور الصحراوية وتنقلب عدة مرات في الهواء قبل أن تستقر على سقفها وتشتعل فيها النيران!
لم ينظر سليم إلى الخلف، بل واصل القيادة بأقصى سرعة متهمًا طريقًا فرعيًا يمر بين الجبال والوديان المظلمة، حتى وصل إلى قاعدة جوية مهجورة في قلب الصحراء الشرقية.
توقفت السيارة أخيرًا. ساد الهدوء التام المكان، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتصاعدة وصوت المحرك الذي يبرد تدريجيًا.
التفت سليم نحو ملك. كانت تجلس مطأطأة الرأس، والدموع تتساقط بصمت على الشريحة الإلكترونية في يدها.
دنا منها برفق شديد، وسحبها إلى صدره. لم تقاوم ملك، بل ألقَت بنفسها في أحضانه وبكت بحرقة وألم على خيانة والدها وتلاشي كل ما كانت تعرفه عن حياتها.
مسد سليم على شعرها بحنان، وقال بصوت دافئ يفيض بالحب والرجاء:
«أنا أسف يا ملك.. أسف إنك اضطريتي تشوفي كل القسوة دي من أقرب الناس ليكي. بس أوعدك، من الليلة دي، مش هسمح لأي حاجة في الدنيا دي إنهاتمس شعرة منك أو تجرح قلبك. أنا عينك وأبوكي وأخوكي وحبيبك وقوتك.»
رفعت ملك رأسها ونظرت في عينيه الخضراوين الساحرتين. رأت فيهما صدقًا لم تجده في حياتها كلها. لم تعد تظن أنه يستغلها، بل أدركت أن هذا الرجل الملياردير الذي أخفى وسامته وجسده القوي خلف قناع قبيح ومريض، هو الوحيد الذي أحبها لشخصها ورعايتها وطيبتها.
همست ملك وهي تمسح دموعها:
«نعمل إيه دلوقتي بالشفرة والأرض دي يا سليم؟»
أخذ سليم الشريحة البلاتينية من يدها، ونظر إليها بتمعن، ثم قال بنبرة هادئة وحاسمة:
«الأرض والشفرة دول حقك أنتي.. ورث عيلتك الحقيقي اللي حاول أبوكي يسرقه. إحنا هنطير دلوقتي لسويسرا، هنفعل الملكية باسمك رسمياً في البنك الدولي، وهنسلم أبحاث الأرض للحكومة المصرية تحت إشرافك عشان تبني عليها أكبر مشروع قومي للتعدين في الشرق الأوسط. اسمك هيتكتب في التاريخ يا ملك.. مش كبنت مقامر، ولا كزوجة الخنزير الملياردير، لكن كأقوى امرأة أعمال في المنطقة.»
ابتسمت ملك لأول مرة منذ أمد بعيد، ونظرت إليه بحب عميق:
«ومعاك أنت يا سليم.. بس بشخصيتك دي، وبدون أي أقنعة تاني.»
ابتسم سليم ابتسامة ساحرة، وقبل يدها الرقيقة:
«بدون أقنعة أبدًا.. من النهاردة أنا سليم بتاعك أنتي وبس.»
ترجلا من السيارة وصعدا إلى المروحية الخاصة التي كانت تنتظرهما في القاعدة الجوية، والتي أقلعت بهما نحو أفق الفجر المشرق، تاركين خلفهما النيران والدمار والأوراق المزيفة.
لكن.. في حادث السيارة في الصحراء..
بينما كانت النيران تلتهم هيكل السيارة المقلوبة، امتدت يد مغطاة بالدماء والحروق القاسية من تحت حطام النافذة المكسورة!
خرج مراد الألفي يحبو على الرمل وهو يتنفس بصعوبة، ووجهه يشتعل بالغل والانتقام. أخرج من جيبه جهاز اتصال عسكري للحروب، وقال بصوت متقطع ومبحوح يسود فيه الشر:
«إلى القيادة العامة لمنظمة “الظل”.. الهدف سليم وفريد طارا إلى جنيف بالشفرة الوراثية.. فعّلوا الخلية النائمة في سويسرا! اغتالوا الملياردير.. واجلبوا لي الفتاة حية!»
اخترقت المروحية الخاصة سحب الفجر الرمادية متجهة نحو الأجواء الأوروبية. في داخل الكابينة الفاخرة والهادئة، كان سليم يجلس بجوار ملك، يدثرها ببطانية صوفية دافئة، بينما غطت هي في نوم عميق ومجهد بعد ليلة طويلة من الرعب، والمطاردات، والنيران.
كان سليم يتأمل وجهها الملائكي الهادئ تحت ضوء الشفق الخافت. لم يكد يصدق كيف تحولت حياته المظلمة، التي قضاها بين الأقنعة الخانقة والحروب السرية مع مافيا المال، إلى واحة من الدفء والصدق لمجرد دخول هذه الفتاة حياته. مسح برفق على شعرها الحريري، ثم التفت إلى شاشة الحاسوب المحمول المشفر أمامه ليتابع تحركات أسواقه وأسهمه التي شهدت ارتباكًا هائلاً بعد انتشار خبر مقتله وانفجار فيلته في القاهرة.
لكن هدأة السفر لم تدم طويلاً..
بعد ساعات قليلة، هبطت المروحية في مطار «موريز» الخاص بسويسرا، حيث كانت الثلوج الناصعة تغطي جبال الألب والبرودة تلامس العظام. استقبلتهما سيارة مصفحة سوداء من طراز حديث، يقودها حراس سليم الشخصيون الموثوقون في أوروبا، وانطلقت بهما نحو مقر «البنك الدولي الموحد» في قلب مدينة جنيف.
كان المبنى عبارة عن قلعة خرسانية وزجاجية شاهقة، تتسم بالحرص الأمني الأقصى، حيث تُحفظ أسرار ومليارات كبار قيادات العالم.



