منوعات

حكايات امانى 2

وقفت قدام بابا وأنا مش فاهمة هو يقصد إيه، وإيه الحقيقة اللي مخبيها عني كل السنين دي.

بصيت للظرف اللي في إيده وقلت له: ـ حقيقة إيه يا بابا؟ هو أنا لسه فيه حاجة ماعرفهاش عنك؟

بابا نزل عينه في الأرض، وقال بصوت مليان تعب: ـ فيه حاجات كتير حصلت زمان، وأنا فضلت ساكت عنها، وكل ما كنت بقول هاجي وأصلح غلطتي، كنت بأجل لحد ما السنين جرت بيا.

اتنهدت بضيق وقلت: ـ وإحنا ذنبنا إيه في كل ده؟ إنت عارف أنا كبرت إزاي؟ عارف كام مرة كنت محتاجة لك ومكنتش بلاقيك؟ عارف كام مرة كنت بشوفك بتعامل سمر أحسن مني، وأرجع أعيط في حضن ماما؟

بابا رفع عينه ليا، وكانت مليانة دموع.

ـ عارف يا بنتي، وعارف إني ظلمتك، وظلمت أمك، ويمكن أكتر حاجة ندمان عليها إني خليتك تكبري وإنتِ حاسة إنك أقل من بنت مش بنتي.

الكلام وجعني، بس ماحبيتش أضعف قدامه.

قلت له: ـ طب إيه اللي جابك دلوقتي؟ وإيه اللي في الظرف ده؟

مد إيده وناولني الظرف، وقال: ـ دي ورق قديم، فيه تفاصيل عن بداية جوازي من سعاد، وعن حاجات حصلت بيني وبين أمك قبل ما بيتنا يتقسم نصين.

فتحت الظرف، ولقيت مجموعة أوراق قديمة، من ضمنها ورقة مكتوبة بخط ماما.

أول ما شفت خطها، قلبي دق بسرعة.

قلت له: ـ دي ورقة ماما؟!

هز راسه وقال: ـ أيوه. لقيتها عندي من فترة، وكنت كل ما أفتحها أقفلها تاني. بس بعد اللي حصل بينك وبين سمر، فهمت إن السكوت مش هينفع أكتر من كده.

بدأت أقرأ الورقة، وكل سطر كنت بقرأه كان بيخليني أفتكر ماما وهي بتخبّي وجعها وبتحاول تحافظ على البيت.

كانت كاتبة إنها عرفت بزواجي من سعاد بعد ما بدأت أحس بتغير معاملتي، وإنها حاولت تتكلم معايا أكتر من مرة، لكني كنت بهرب من المواجهة، وأوعدها إني هعدل الأمور من غير ما أنفذ وعودي.

وفي آخر الورقة، كانت كاتبة جملة وقفت عندها كتير:

«أنا مش خايفة على نفسي من الوجع، أنا خايفة على بنتي تكبر وهي فاكرة إن الحب معناه إن الواحد يستحمل الإهانة ويسكت.»

حسيت إن رجلي مش شيلاني.

ماما كانت شايفة كل حاجة من زمان، وكانت خايفة عليا من اللي حصل لها، وأنا بدل ما أتعلم من وجعها، رحت كررت نفس الدائرة بطريقة تانية.

قفلت الورقة وبصيت لبابا.

ـ إنت ليه محتفظ بيها كل السنين دي؟

قال بحزن: ـ عشان كل ما كنت أفكر إني عملت اللي عليا، كنت أفتكر الورقة دي وأعرف إني كداب على نفسي.

سكت لحظة، وبعدين كمل: ـ أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني عشان أرتاح. أنا جاي أقول لك إني مستعد أصلح اللي أقدر عليه، حتى لو مش هتسامحيني أبدًا.

ماعرفتش أرد عليه.

جزء مني كان نفسه يصرخ فيه ويقوله إنه جه متأخر أوي، وجزء تاني كان نفسه يسمع منه الكلام ده من سنين.

لكن اللي كان شاغلني أكتر هو سمر.

لأني فجأة بدأت أفكر: هي كمان عاشت سنين في بيت اتعودت فيه إنها دايمًا الأولى، ويمكن ما فهمتش حجم الأذى اللي كانت بتسببه لحد ما لقت نفسها في نفس الموقف.

وده ماكانش معناه إنها بريئة من كل حاجة، لكنه كان معناه إن الانتقام مش هيخليني أحسن منها.

رجعت البيت، ولقيت أدهم قاعد في الصالة، وأول ما شافني عرف إن فيه حاجة حصلت.

قال: ـ مالك؟ شكلك مش طبيعية.

حطيت الظرف على الترابيزة وقلت: ـ بابا كان عندي.

أدهم بص للظرف وسأل: ـ قال لك إيه؟

حكيت له كل اللي حصل، ولما خلصت، فضل ساكت شوية، وبعدين قال: ـ يمكن دي فرصتك إنك تقفلي صفحة زمان.

بصيت له وقلت: ـ وإنت؟ مش عايز تقفل صفحتك مع سمر؟

رد بعد تفكير: ـ عايز، بس مش بالطريقة اللي كنت ماشي بيها. أنا كنت فاكر إني لما أتجاهلها وأحسسها إن وجودها مالوش قيمة، هرتاح من كل المشاكل اللي بينا. لكن الحقيقة إني كنت بهرب من قرار كان لازم آخده من زمان.

سألته: ـ يعني إنت عايز تطلقها؟

قال: ـ علاقتنا وصلت لطريق مسدود، وده لازم يتعالج بشكل واضح ومحترم، من غير ما نفضل نستخدمك أو نستخدمها عشان نعاقب بعض. لازم كل واحد فينا يتحمل مسؤولية قراراته.

هزيت راسي، وحسيت لأول مرة إن الكلام منطقي.

ماكانش من حقي أطلب منه يفضل متجوز سمر عشان أنتقم منها، ولا من حقي أطلب منه يختارني عشان يثبت لي إني كسبت.

أنا كنت محتاجة أعرف إذا كان فيه مستقبل حقيقي بيني وبينه، ولا إن جوازنا مجرد غلطة اتبنت على وجع قديم.

بعد كام يوم، سمر اتصلت بيا.

فضلت أبص للموبايل قبل ما أرد، لأني ماكنتش عارفة هتقول إيه، ولا هقدر أسمعها من غير ما أرجع لنفس مشاعر الغضب القديمة.

رديت بهدوء: ـ ألو.

قالت بصوت متعب: ـ ممكن نتقابل؟

اترددت لحظة، وبعدها وافقت.

اتقابلنا في كافيه هادي، وأول ما شفتها حسيت إنها مختلفة عن الصورة اللي كنت راسماها لها في دماغي. ماكانتش الست المغرورة اللي كنت بشوفها طول الوقت، كانت واحدة تعبانة، بتحاول تفهم إزاي حياتها اتغيرت بالشكل ده.

قعدت قدامي وقالت: ـ أنا مش جاية أطلب منك ترجعي لي أدهم، ولا جاية أقول لك إنك السبب الوحيد في كل اللي حصل. أنا عارفة إن علاقتي بأدهم كانت فيها مشاكل كتير، وإن أنا كمان غلطت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى