
الجزء الثالث
ليلتها، البيت كان شبه . طاهر قاعد على طرف الكنبة ضاغط على راسه بإيديه الاثنين، حاسس بقلبه بيتأكل. أمه ودعواتها اللي كانت أمله في الدنيا بقت بتطارد طيفه في ، وأخوه يوسف اللي جرى في عروقه بقى في قعر بيته. رحمة دخلت أوضة الأطفال، قفلت على نفسها وعلى الولاد، وسادت حالة من الحرب الباردة اللي ملهاش آخر.
مع أذان الفجر، طاهر مقدرش يغمض عين. نزل من البيت زي التايه، رجله خدته لحد بيت أمه. كان جواه أمل ضعيف إن الموضوع يتلم بعيد عن المحاكم والشرطة، وإن أمه ترق لما تشوفه مكسور.
أول ما خبط ورزع الباب، فتح له يوسف وشه متغيم ومكشر، ومن غير ما ينطق كلمة، زقه لجوه.
أمي كانت قاعد على سجادة الصلاة، حاطة الشال على راسها، وأول ما شافت طاهر قامت وادت له ظهرها.
قرب طاهر، وطس على إيدها يبوسها: “يا أمي عشان خاطر ربنا اسمعيني.. البيت هينتكسر، وعيالي هيروحوا في الرجلين. رحمة اتصرفت بصدمة لما حسيت إن حشريتها في زاوية، تعالي على نفسك شوية وما تخربيش بيتي.”
نفضت أمه إيدها بقوة، وبصت له بنظرة جافة زي الصحرا: “بيتك؟ أنت مابقاش ليك بيت عندي يا طاهر! أنت بقيت ديل لمراتك، ماشية بيك زي ما هي عايزة. أنت فاكر المحضر اللي عملته هيمر بالساهل؟ والله العظيم يا طاهر، لا تدفع تمن اللحظة اللي علّت فيها صوتها عليا وعاطت أخوك ظهرها، يا إما هخلي البلد كلها تحكي بيك وبخيبتك!”
يوسف قرب، وحط إيده في جيبه وابتسم ابتسامة خبيثة: “سيبك منه يا أمي.. سي طاهر فاكر إن مراته بالقرشين بتوع الدروس بقت فوق القانون. بص يا طاهر.. مراتك عاملة محضر إثبات حالة؟ طيب جميل، السبت اللي جاي بقى هتوصلها ورقة رسمية من المحكمة.. أنا رفعت عليها دعوى إثبات حيازة وشراكة في العمارة اللي هي مأجرة فيها المقر بتاع الدروس الخصوصية، وقدمت ورق يقول إن الفلوس اللي بتدفعها دي كانت جزء من شراكة بيني وبينها بعقود عرفية ورسائل!”
طاهر اتصدم وشه اتخطف: “أنت بتقول إيه يا يوسف؟! شراكة إيه وتزوير إيه؟ أنت عاوز تودي نفسك وتودينا في داهية؟”
رد يوسف ببرود: “هي اللي بدأت باللعب على المكشوف وعملت محاظر.. تبقى تتحمل بقى! الورق اللي معايا هيجمد شغلها، والمجلس والحشاشين بتاع المنطقة هيقفلوا لها المعهد والمقر، وساعتها نشوف الـ 36 ألف جنيه بتوع كل شهر هيجوا منين! لما تلاقي قرشها اتقطع، هتيجي تبوس إيد أمك ورجلي عشان نتازل!”
طاهر حس إن الدنيا بتدور بيه. أخوه بيزيف واقع ويحارب مراته في أكل عيشها بعين جهارًا نهارًا، وأمه واقفة بتسمع وموافقاه وراضية!
صرخ طاهر بصوت جاب آخر الشارع: “أنتوا إيه؟ أنتوا مش أهلي! أنتوا عاوزين تخربوا بيتي وتدمروا مراتي عشان مش راضية تديك شقة من عرقها؟ حسبي الله ونعم الوكيل!”
خرج طاهر يجري على السلم وصوت أمه بيطارده: “دعوتي عليك يا طاهر مش هتهديك ليوم الدين لو ما جيبت مراتك تحت رجلي!”
رجعت الشقة، كانت الساعة 8 الصبح. رحمة كانت جاهزة بملابس الشغل، واقفة في الصالة ولابسة نظارتها الشمسية، حاطة اللابتوب وشنطتها على الترابيزة.
أول ما شافت طاهر داخلي وشه أصفر وجسمه بيرعش، قربت منه وراحت جابت له كوباية مية: “كنت عندهم.. صح؟”
طاهر اتنهد بوجع ورمى نفسه على الكرسي: “رحمة.. يوسف ناوي على شر كبير. يوسف رافع عليكي قضية شراكة ومزروين أوراق، ناوي يقفل ليكي سنتر الدروس ويجمد شغلك ويضيع سمعتك.. أمي وأخويا خلاص، الشيطان عماهم!”
رحمة ما اترعبتش، ولا حتى ملامحها اتهزت. ابتسمت ابتسامة هادية وثابتة، وسحبت كرسي وقعدت قدامه:
“فاكر يا طاهر لما قلت لك إن اللعب بقى على المكشوف؟ أنا كنت عارفة إن أخوك أخرجه القذارة دي.. عشان كده أنا ما قعدتش الساعات اللي فاتت دي حاطة إيدي على خدي.”
فتحت رحمة اللابتوب ولفت الشاشة ناحية طاهر.
كانت الشاشة عليها تسجيلات فيديو وصور وفواتير رسمية.
وقالت بثقة: “يوسف فاكر إنه ذكي.. هو نسى إن مقر الدروس ده مسجل باسمي وبترخيص رسمي، وإن المكان فيه كاميرات مراقبة بتسجل بالصوت والصورة 24 ساعة. الأسبوع اللي فات، يوسف جالي السنتر بنفسه، وحاول يبتزني عشان أديله فلوس لله وللوطن، والتسجيل موجود وهو بيقولي بالنص: ‘لو ما جبتيش 100 ألف جنيه أفك بيهم زنقتي، هعملك مشاكل وأقفل لك السنتر بأي طريقة’. التسجيل ده بصوته وصورته ووضوحه HD.”
طاهر بصلها بذهول: “أنتِ سجلتي له؟”
كملت رحمة بنبرة أشد قوة: “مش بس كده.. يوسف بقى له سنة شغال في معرض عربيات بدون عقد، وبيقبض نسبة من تحت الترابيزة وتهرب من الضرائب، وأنا عن طريق المحامي بتاعي جمعنا كل بياناته ومستندات شغله غير الرسمي. القضية المزوّرة اللي ناوي يرفعها عليا، هتتقلب عليه بقضية ابتزاز إلكتروني وتزوير محرر رسمي وشهادة زور، وده فيها حبس مع الشغل والنفاذ مش أقل من 3 سنين!”
طاهر مسك إيد رحمة بصدمة: “رحمة.. أنتِ كدة هتدخليه السجن! ده أخويا!”
رحمة سحبت إيدها بهدوء بس بصرامة: “هو اللي اختار يدخل بيتك من باب التهديد يا طاهر! هو اللي حب يقطع رزق ولادك ويلبسني قضية تزوير! أنا ما اعتديتش على حد، أنا بفرمل واحد بلطجي فاكر إن الست مالهاش ظهر. أنا مش هحرك القضية دي دلوقتي.. أنا هسيب المحامي يبعت له إنذار رسمي على يد محضر بالتهديد والتسجيلات اللي معايا.. وخليه ينطق بحرف واحد زيادة!”
في نفس اليوم الضهر، وصل الإنذار الرسمي لبيت أم طاهر.
يوسف استلم الورقة، وأول ما قرا محتواها وشاف الصور المطبوعة المأخوذة من تفريغ كاميرات المراقبة، وشه اتغير وبقى زي الجثة. أمه طارت من الطاولة وقالت له: “في إيه يا يوسف؟ الورقة دي فيها إيه؟”
يوسف بص لأمه بصوت متقطع وركبه بتخبط في بعضها: “دي.. دي معُلمة عليا يا أمي.. معاه فيديو ليا وأنا ببتزها في المقر، وكتابة إنذار بالحرق والابتزاز، والمحامي بتاعها كاتب إن لو القضية اترمّت في النيابة سجن متأكد!”
أمي صرخت ولطمت على خدودها: “يا مري! الست دي ناوية تحبس ابنك؟ دي مش بني آدمة، دي غول!”
ساعتها، يوسف حس إن الكارت اللي كان بيلعب بيه اترق في ثواني، وإن رحمة مش مجرد مدرسة لغة إنجليزية بتدي دروس، دي ست واعية، حاسبة كل خطوة بميزان جوهر، وقادرة تدمر مستقبله القانوني بضغطة زرار.




