منوعات

بعد تلات أيام حكايات مشيره محمد 2

حطيت إيدي على وشي وأنا حاسس إن دماغي على وشك . كل الأكاذيب والتمثيليات اللي عشتها خمس سنين اتكشفت في ثواني،   الصدمة الأكبر إن الراجل اللي بكيت على قبره، وحسيت باليتم عشانه، قاعد قدامي دلوقتي في العتمة والتراب.

بصيت لأبويا اللي كان بينهج، ونفسه بيعلى وينزل بصعوبة، وعينيه بدأت تذبل كأنها بتودع آخر طاقة فيه.

هزيت دماغي برفض، وقلت بصوت متهدج:

– “قاعدين هنا إزاي وكل ده مستخبين.. بس خلاص، الوضع ده مينفعش يستمر دقيقة واحدة كمان! انت هتموت هنا يا بابا! التراب والرطوبة دي هتقضي على اللي بقا من صحتك!”

شيرين رفعت راسها بسرعة وقالت بخوف ورعب أشد:

– “تقصد إيه يا طارق؟ اوعى تقول لي هنخرجه! الناس دي لسه موجودة، وخطرهم لسه قائم! لو عرفوا إنه عايش هينتقموا مننا كلنا في ثانية!”

قطعتها بحزم وعزم قلبي كله اتجمع فيه:

– “مش هيفضل هنا ولا دقيقة ثانية! أنا مستعد أدخل معاهم في حرب لحد آخر قطرة دم، بس أبويا مش هيموت تحت البلاطة وفي الضلمة تاني. خمس سنين كفاية قوي كده!”

في اللحظة دي، وقبل ما أي حد ينطق بحرف، سمعنا صوت غريب ومرعب جاي من فوق.. من قلب الشقة من جوه!

صوت خطوات ثقيلة، صوت جزم بتخبط على أرضية الصالة.. ووراها صوت خبط جامد على باب الشقة الرئيسي، كأن حد بينتظمه بعنف وبيكسره!

شيرين اتجمدت في مكانها، وعيونها طلعت بره راسها من الرعب وقالت بصوت مأساوي مرتعش:

– “لا.. مستحيل.. هما عرفوا مكاننا إزاي؟!”

أبويا مسك دراعي بقوة وهو بيترعش ويقول بصوت مرعوب:

– “هربوا.. هربوا يا طارق.. الناس دي ملهاش أمان!”

الدم نشف في عروقي، وبصيت لفوق، وعرفت إن المعركة الكبيرة بدأت خلاص، ومفيش مفر يا إما نعيش كلنا.. يا إما نموت سوا.

الصوت اللي جاي من فوق كان أقوى من أي خيال ممكن يتصور؛ صوت خبطات متتالية على باب الشقة كأن فيه شقاوة جنونية أو بلد كاملة بتقتحم البيت، ووراها صوت كسر خشب أعلن صراحة إن الباب الرئيسي للشقة انخلع من مكانه ووقع على الأرض.

شيرين رمت نفسها على الأرض من شدة الرعب، وبقت تصرخ بصوت ممزق، وجنا اللي كانت واقفة فوق سمعت الصوت فنزلت تجري على السلم وهي بتعيط وتصرخ: “بابا! بابا الحاجه بتخبط جامد فوق!”

أبويا مسك في دراعي بقوة، ووشه بقى أصفر تماماً كأنه شاف ملك الموت قدامه، وقال بصوت متهدج:

– “جم.. جم ورايا يا طارق.. خلاص.. النهاية جت!”

في اللحظة دي، الغضب اللي جواه اتحول لنار مستعرة. كل مشاعر الخوف والتردد طارت في ثانية. ما بقتش شايف قدامي غير مراتي وبنتي وأبويا اللي عانى خمس سنين في الضلمة والتراب عشان يحمينا. لو هكتب نهايتنا، فهتكون وأنا واقف على رجلي بدافع عنهم.

بصيت لشيرين اللي كانت منهارة، وبصوت حازم وحاد كالسيف قلت لها:

– “شيرين! خدي جنا، واطلعوا حالا على الأوضة اللي في آخر الطرقة، قفلوا الباب كويس بالمفتاح، ومهما سمعتي أصوات.. إياكم تفتحوا، فاهمة؟! إياكم!”

جنا جريت وهي منهارة في عياط هستيري، وشيرين شالتها وهي بتترعش من كتر الخوف، وطلعت بيهم تجري على جوه الشقة، واقفلت عليهم الباب.

التفتت بسرعة للبدروم، وبصيت لأبويا وقلت له:

– “اطلع ورايا بالراحة.. اقعد في الزاوية اللي تحت الترابيزة، ومش عايز صوت خالص مهما حصل فوق.”

طلعت السلم بسرعة البرق، قلبي كان بيدق بعنف، وعيني بتدور على أي سلاح أو حاجة ممكن تخليني أدافع عن نفسي. مسكت ماسورة حديد قديمة كانت مرمية جنب الباب، ووقفت في الضلمة مستني اللحظة اللي هيهجموا فيها.

الخطوات بقت تقرب جوه الصالة، صوت أقدام تقيلة وثقيلة، وريحة سيجار رديء مالي المكان.

– “دوروها حتة حتة.. الباشا عايز الراجل ده، ولو مش هو، مراته وبنته هيدفعوا التمن!” صوت خشن ومجرم طالع من قلب الصالة.

عدّوا من قدام باب المطبخ، وبدأوا يفتشوا في الأوض، ولما لقوا باب أوضة النوم مقفول، سمعت صوت واحد منهم بيقول:

– “الاوضة دي مقفولة.. اكسر!”\

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى