
الصوت اللي جاي من على السلم كان أرعب بكتير من أي حاجة سمعناها قبل كده؛ خطوات تانية أثقل، منتظمة، ووراها حراسة مشددة بتملى المدخل كأنها جيش صغير بيحاصر العمارة كلها.
شيرين وقعت على ركبتها من كتر الانهيار، وجنا صرخت وهي بتستخبى في حضن جدها اللي كان قاعد بيترعش من الضعف والخوف. بصيت للباب المخلوع، وحست إن الوقت بينكمش زي اللي بتقطع الأنفاس.
– “خلص الكلام..” قلتها بصوت ثابت وعزيمة ملأت قلبي رغم الخوف: “لو الباشا ده فاكر إنه هياخدنا بالساهل، فهو غلطان.”
التفت بسرعة لأبويا وشيرين، وكلمتهم بنبرة آمرة وحازمة:
– “اطلعوا أنتو التلاتة على الأوضة جوه فوراً.. اقفلوا عليكم الباب بالمفتاح، ومن الشباك الخلفي فيه سلم الطوارئ القديم اللي بيطلع على سطح العمارة.. انزلوا منه على الشارع التاني، واجروا على قسم الشرطة فوراً ومعاكم الفلاشة أو الأوراق اللي مع أبويا لو لسه في جيبه!”
أبويا مسك دراعي بقوة وقال برفض قاطع:
– “مش هسيبك لوحدك يا طارق! معاك هنا!”
– “مش هموت يا بابا، اطمن!” قطعت كلامه بابتسامة سريعة وقوية: “أنا بس محتاج أأمن طريقكم.. هعطلهم هنا على قد ما أقدر، يلا بسرعة قبل ما يوصلوا!”
شيرين شالت جنا وهي بتعيط بحرقة وبتبوس إيدي وهي بتقول: “أرجوك يا طارق.. اوع تموت.. اوع تسيبنا!”
– “حاضر.. يلا امشوا!”
دخلوا الأوضة وقفلوا الباب وراهم، وسمعت صوت فتح شباك الطوارئ. في نفس اللحظة دي، كانت الخطوات على السلم وصلت للباب الرئيسي المكسور.
ظهر قدامنا في الصالة راجل في أواخر الأربعينات من عمره، لابس بدلة فاخرة وشيك جداً، بس ملامح وشه كانت قاسية ومخيفة، وعينيه بتلمع بالشر والغرور. وراه أربعة من الحراس الضخام الأجسام، ماسكين أسلحة آلية موجهة ناحيتي.
الباشا دخل الصالة، وبص حواليه باستهزاء، وبعدين بص لي وقال بصوت هادئ ومقزز:
– “أهلاً يا بشمهندس طارق.. رجعت فجأة من إسكندرية عشان تعمل بطل؟ للأسف، بطولتك هتنتهي هنا على البلاط.”
ابتسمت بسخرية وأنا ماسك ماسورة الحديد في إيدي الملطخة بالدم، وقلت له:
– “البطولة الحقيقية هي إنك تفضل دايماً خايف من راجل ميت من خمس سنين.. وأنت أهو جاي بنفسك عشان تتاكد من موته، وده معناه إنك مرعوب!”
ملامح وش الباشا اتقلب بغضب أعمى، وصرخ في الحراس:
– “خلصوا عليه.. وفتشوا الشقة شبر شبر، أنا عايز الأوراق دي لو هتحفروا الأرض تحت البيت!”
قبل ما الحراس يرفعوا أسلحتهم، طفيت نور الصالة في حركة سريعة على مفتاح الكهرباء، وغرقت الشقة في الضلمة التامة.. والمعركة الأخيرة بدأت!
الضلمة اللي غرقت فيها الصالة فجأة لخبطت الحراس ثواني معدودة، والثواني دي كانت طوق النجاة الوحيد بالنسبة لي. بحكم إن البيت بيتي وعارف كل زاوية فيه، رميت نفسي على الأرض واختفيت خلف الحيطة الفاصلة بين الصالة والممر، بينما أصوات طلقات الرصاص بدأت تفرغ في الهواء، وتخبط في الحوائط والأثاث بعنف وصوت مرعب رجّ الشقة كلها.
– “هاتوه! ولعوا في المكان لو لزم الأمر!” صرخ الباشا بغضب هستيري وهو واقف في نص الصالة مش شايف قدامه.
حسيت بإن الرصاص بيعدي جنب ودني، لكن الادرينالين كان مخليني مش حاسس بأي خوف. زحفت بسرعة لحد ما وصلت لجنب الباب الرئيسي المكسور، ولقيت واحد من الحراس واقف بيتحسس المكان بسلاحه وماسك كشاف صغير بيحاول يضرب بيه ضوء في الضلمة.
قبل ما يوجه الكشاف نحوي، نطيت عليه زي النمر، بكل قوتي بماصورة الحديد على دراعه اللي ماسك ، فصرخ من الوجع ووقع من إيده. ما ادتهوش فرصة يتنفس، تانية على راسه فوقع فاقد الوعي على الأرض في ثواني.
خدت سلاحه الآلي بسرعة، ورفعت عيني ناحية الصالة.. الحراس التانيين حسوا بضرب زميلهم وبدأوا يوجهوا النيران عشوائياً ناحية صوت الحركة.
– “يا باشا.. الولد مش سهل!” صاح واحد من الحراس وهو بيضرب نار.
الباشا كان بيترعش من الغضب، وصرخ بصوت عالي: ” الكل! مفيش وقت للعب!”
في نفس اللحظة دي، سمعت صوت قفل باب الأوضة اللي جوة بيتفتح ببطء، وسمعت صوت عربية شرطة بتزن بصوت عالي جداً تحت العمارة، ووراها صوت مكبرات صوت بتاعة البوليس:
– “محيط العمارة كله محاصر! ارموا واستسلموا حالاً!”
الجملة نزلت على الباشا والحراس كالصاعقة. وش الباشا اتقلب للون الأصفر الباهت، وبقت عيونه تترعش وهو حاسس إن اللعبة انتهت وإنه وقع في الفخ.
– “الشرطة؟! إزاي!” صرخ الباشا بجنون.
ابتسمت وأنا سندت السلاح على كتفي، وطلعت من الضلمة للنور الخافت اللي داخل من الشباك، وقلت له بصوت حاسم:
– “عشان شيرين وأبويا مشيوا من سُلم الطوارئ ووصلوا للقسم.. ولعبة الخمس سنين خلصت للأبد يا باشا!”
قبل ما الباشا ينطق بحرف واحد، فتح باب الشقة المكسور على مصراعيه، ودخلت قوات الشرطة بأسلحتهم، وطوقوا المكان في ثواني معدودة، واتقيدت إيدين الباشا والحراس بالكلابشات وسط صراخهم وانهيارهم.
خلص الكابوس.. وعد النور لبيتنا من جديد!
بعد شهور طويلة من الكوابيس، التحقيقات، والمحاكمات الطويلة اللي كشفت كل خيوط المؤامرة، رجعت المياه لمجاريها بشكل ماكنش أي حد فينا يتخيله.
الباشا وشريكه القديم وكل العصابة خدوا جزائهم العادل سنين طويلة جزاءً لجرائمهم، والمستندات الرسمية اللي كانت مع أبويا رجعت لكل حقوقها القانونية، ورجعت فلوس العيلة وممتلكاتها كاملة من غير نقص مليم واحد.
أما أبويا.. فخرج أخيرًا للنور للأبد. مابقاش محتاج يستخبي في الضلمة ولا يخاف من ظله. قعد في أوضته الحقيقية فوق، وسطنا، في النور والحرية، بياخد دواءه بانتظام، وصحته بدأت تتحسن يوم بعد يوم وهو شايف أحفاده وحياته بترجع له تانى.
في يوم الجمعة، بعد صلاة العصر، قعدنا كلنا في البلكونة؛ شيرين قاعدة بتصب الشاي، وجنا قاعدة في حضن جدها بتلعب مع لعبتها “سمسم” وبضحكتها البريئة اللي رجعت تملى البيت كله حياة وبهجة.
بصيت لأبويا، ولقيته بيبص لي بابتسامة دافية وراضية، وقال بصوت هادئ:
– “الحمد لله يا ابني.. رب ضرة نافعة، عرفت غلاوتي عندكوا قد إيه، وعرفت إن ربنا دايماً بيكتب لنا النجاة في آخر اللحظة.”
ابتسمت ومسكت إيد شيرين اللي كانت قاعدة جنبي، وبصيت قدامي للسما الصافية، وحسيت ساعتها إن التعب والسفر والشغل وكل الأيام الصعبة اللي عدت، ما كانتش إلا اختبار صغير.. عشان في الآخر، نرجع عيلة واحدة، قوية، محدش أبداً يقدريفرقها.




