
انا كنت حامل أنا وأخت جوزي في نفس الوقت، وربنا رزقني ببنت، ورزقها هي بولد. ومن يوم ما ولدنا، وحياتي اتحولت لجحيم بسبب المقارنة اللي مابتخلصش بين بنتي وابنها!
أخت جوزي اسمها ريهام، وجوزي اسمه أحمد، وحماتي اسمها أم أحمد. إحنا ساكنين في بيت عيلة، أنا وجوزي في شقة فوق، وحماتي وحمايا في الدور الأرضي، وريهام كانت قاعدة عند أهلها بعد الولادة، يعني في بيت جوزي برضه، وكأنها صاحبة البيت وأنا الغريبة اللي داخلاه بالغلط.
من أول يوم ولدت فيه بنتي، وحماتي وهي شايلة ابن بنتها، كانت تبصلي وتقول: ـ أهي دي الحريم اللي تجيب الرجالة وتفرح قلب أهل جوزها، مش اللي تجيب بنات وتخلينا نستنى الواد اللي يشيل اسم العيلة!
كنت بسمع الكلام وأسكت، وأبص لبنتي اللي لسه مكملتش أيام، وأحاول أمنع دموعي من النزول. بنتي اسمها ملك، وكانت ملاك صغير نايم في حضني، مالهاش ذنب في أي حاجة، لكنهم كانوا بيعاقبوها على إنها اتولدت بنت!
أما ريهام، فكانت قاعدة تحت عند أمها، وكل طلباتها مجابة. لو ابنها عيط، حماتي تجري تشيله. لو جعان، تسيب كل حاجة وتعمله الأكل. لو محتاج يتغير، تنده على أي حد يخدمه.
إنما أنا، كنت قاعدة في شقتي لوحدي، تعبانة من الولادة، وبنتي بتعيط من المغص، ومحدش حتى كان بيطلع يسألني محتاجة إيه.
والأصعب من كده، إن كل ما أحمد ينزل يقعد مع أهله، يرجع يلومني ويقولي: ـ إنتِ ليه مش بتنزلِي تساعدي أمي؟ إنتِ فاكرة نفسك أحسن من أختي؟ دي لسه والدة زيك، ومع ذلك بتساعد في البيت!
كنت أبصله بصدمة وأقوله: ـ أساعد في إيه يا أحمد؟ أنا لسه والدة، وبنتك بتعيط طول الليل، وأنا مش لاقية وقت حتى أنام!
يرد عليا ببرود: ـ ما هي ريهام والدة برضه، وشايلة ابنها وبتقعد مع أمي!
كنت نفسي أقوله إن ريهام مش بتعمل حاجة، وإن أمها هي اللي بتخدمها، لكن كنت بخاف المشاكل تكبر، وأسكت علشان بيتي وبنتي.
عدت خمسة شهور على الحال ده، وكل يوم نفس الإهانة، ونفس الجملة اللي بتقطع قلبي. لحد ما جه اليوم اللي عمري ما هنساه.
اليوم ده حمايا قرر يجيب دكر بط كبير علشان نتعشى كلنا تحت. حماتي طلعت تنادي عليا وقالت: ـ انزلي يا مرات ابني، سخني لنا شوية ميه علشان نجهز البط وننضفه، بدل ما إنتِ قاعدة فوق مش بتعملي حاجة!
نزلت وأنا شايلة بنتي، وحطيتها في سرير صغير في المطبخ، وبدأت أسخن الميه. كنت تعبانة، لكن قلت أخلص اللي ورايا علشان محدش يمسك عليا غلطة.
في اللحظة دي، ريهام دخلت وهي شايلة ابنها، ولما حمايا جاب البط وحطه في الحوش، البط بدأ يجري ويخبط بجناحاته.
ريهام ضحكت وقالت: ـ بص يا حبيبي، البط بيجري منك!
لكن فجأة، الدكر الكبير فلت من إيد حمايا، واتحرك بجناحاته ناحية ريهام وابنها.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
ريهام صرخت، وحاولت تحمي ابنها، لكن البط اصطدم بيه، والولد وقع على الأرض وهو بيصرخ صرخة هزت البيت كله!
جريت ريهام عليه، ولما شافت الأذى واضح في وشه، صرخت بجنون: ـ ابني! ابني يا ناس!
حمايا شاله بسرعة، وحماتي فضلت تخبط على صدرها وتصرخ، وأنا خرجت من المطبخ على صوتهم، مش فاهمة إيه اللي حصل.
لكن أول ما قربت وشفت وش الطفل، حسيت إن رجلي مش شايلاني. الأذى كان محتاج تدخل طبي، والأثر كان واضح من ناحية عينه.
أحمد نزل يجري من فوق، وأول ما شاف المنظر، شال ابنه من إيد أبوه، وطلع بيه على المستشفى، وريهام جريت وراه وهي بتصرخ.
بعد دقائق، البيت كله اتقلب، وحماتي كانت بتلف في الحوش زي المجنونة، لحد ما فجأة بصت ناحيتي، وعينيها مليانة غضب، وقالت بصوت عالي:
ـ إنتِى اللي عملتي كده! إنتِى اللي حركتي البط ناحية حفيدي علشان بنتك مش ولد! قسماً بالله ما هسيبك غير لما أخلي جوزك يطلقك وأقف ضدك قانونيًا كمان!و
الفصل الثاني: عاصفة الانتقام والعدالة الإلهية
وقفت في مكاني متجمّدة، وكأن دلوًا من الماء الساخن سُكب على رأسي. لم أستطع النطق بحرف واحد من شدة الصدمة؛ كيف تجرؤ على اتهامي بهذه البشاعة؟ هل عقلها أعماه الغضب إلى هذا الحد لترمي عليّ تهمة لا أساس لها من الصحة؟
في تلك اللحظة، دخل حمايا المطبخ، وكان وجهه شاحبًا من القلق والفزع. نظر إليّ وقال بصوت مهتز:
ـ امشي يا بنتي، اطلعي شقتك فورًا.. اقفلي على نفسك وبنتك، ولا تنزلي لحد ما نشوف إيه اللي هيحصل في المستشفى.
لم أتردد لحظة؛ أخذت ابنتي ملك بين إيديّ بقوة، كأنني أحميها من أشخاص تحيط بنا من كل جانب، وصعدتُ السلم بسرعة وأنا أرتجف، وقفلت الباب بالمفتاح خلفي. جلستُ على الأرض مستندة إلى الباب، وانهرلت دموعي بغزارة. كنتُ أتساءل: هل هذه هي النهاية؟ هل سيصدق أحمد أمه كالعادة ويلقي بي إلى المجهول؟
في المستشفى.. وليلة من كابوس
مرت الساعات الأولى كأنها دهور. كنت أسمع أصوات الحركة في الشارع، وأحيانًا صوت صراخ بعيد يأتي من الأسفل عندما يعود أحدهم لجلب أغراض لريهام.
في منتصف الليل، فتح مفتاح الباب الخارجي ودخل أحمد. كان وجهه شاحبًا وعيناه حمراوين من التراكمات النفسية والبكاء. لم ينظر في عيني مباشرة، بل سار بخطوات ثقيلة نحو الصالون وجلس وهو يمسك رأسه بيديه.
خرجتُ من الغرفة ببطء، وابتلعْتُ غصة في حلقي، وسألته بصوت خافت:
ـ أحمد.. طمني، الولد عامل إيه؟ الدكتور قال ايه؟
رفع أحمد رأسه، ونظر إليّ بنظرة مليئة بالغضب والتردد، وقال بصوت حاد:
ـ الدكتور بيقول الإصابة قوية جداً.. العناية المركزة، والخدش وصل لحد الجفن والعين محتاجة متابعة دقيقة عشان نطمن إن النظر متأثرش.. وفي محضر اتعمل في المستشفى.
قفز قلبي من مكانه، وهتفت بصدمة:
ـ محضر إيه؟! هو أنتوا اتجننتوا؟ هو أنا اللي جبت البط لحد عندهم؟
وقف أحمد فجأة، وصرخ بوجهي بصوت عالي هز أركان الشقة:
ـ أمي حلفت! أمي بتقول إنكِ كنتِ واقفة وعينك مليانة غل وحقد من يوم ما ولدتي بنت وهي ولدت ولد! وبتقول إنكِ انتي اللي حركتي البط عشان يتحرك ناحيتهم!




