
كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ضعف وخنوع، فكنت أسلط عليها سلايفها وأفهمهم إنها مش من توبنا، وإن وجودها بينهم مجرد مساعدة مش أخت.
لما سلفتها الكبيرة كانت بتجهز لجواز أختها، زينب وقفت في المطبخ تلات أيام تطبخ وتخبز للضيوف، رجليها ورمت وهي شايلة الصواني طالعة نازلة، والكل كان قاعد حاطط رجل على رجل بيتأمر عليها كأنها مستأجرة بالساعة. وحتى لما سلفتها التانية جالها دور برد شديد، زينب كانت تنزل الفجر تسخن الشوربة وتغسل الهدوم وتذاكر لعيالها عشان ترتاح، وكل ده عشان تشتري خاطرنا وتكسب كلمة حلوة تبل ريقها بعد التعب.
كنت دايمًا أقلل من كل لقمة تعملها ومن كل خطوة تخطيها، وأقول لابني: “مراتك ملهاش أصل وبتعمل كده عشان عارفة مقامها”. ولادي وسلايفها اتعودوا على ، لدرجة إن عيالهم في البيت بقوا يرموا القشر والورق على الأرض ويقولوا لبنت زينب الصغيرة: “نضفي مطرحنا، ماهي أمك بتنضف لستك وأمهاتنا كل يوم ومبتقولش لأ”.
القشة اللي كسرت الضهر كانت يوم عزومة الجمعة الكبيرة، البنت الصغيرة دخلت المطبخ تطلب حتة لحمة من الصينية، قامت سلفتها الكبيرة زقتها على الأرض وقالتلها بصوت عالي: “إنتِ تاكلي من بواقي الأطباق بعد ما نخلص، أمك لسه مخلصتش غسيل الحلل عشان تمدي إيدك!”. البنت قامت تبكي وراحت لأمها مسكت في جلابيتها ووشها كله قهر.
زينب في اللحظة دي وقفت، سابت المواعين اللي في إيدها، وبصت للكل بنظرة عمري ما شفتها فيها.
زينب ما صرختش، وما رمتش حلة على الأرض، ولا حتى رفعت صوتها بشتيمة واحدة من اللي كانوا مستنيينها عشان يمسكوا عليها غلطة. هي بس وطت جابت بنتها، مسحت دموعها بطرف طرحتها المبلولة مية وصابون، وخلت البنت تقف ورا ظهرها. النظرة اللي كانت في عينها ما كانتش كسرة، كانت تحول كامل، زي سد انهار فجأة بعد ما شيل مية أكتر من طاقته.
الحركة في المطبخ اتجمدت. سلفتها الكبيرة، نجوى، كانت لسه واقفة حاطة إيدها في وسطها والابتسامة الخفيفة على وشها، مستنية زينب تترجى أو تعيط زي كل مرة. بس زينب مشيت خطوات ثابته ناحية صينية اللحمة الكبيرة اللي كانت لسه طالعة من الفرن، الصينية اللي قعدت من الفجر تتبل وتسبك فيها. مسكت الصينية بإيدها العريانة، ورغم إن السخونية كانت تشوي الجلد، وشها ما اهتزش. شالت الصينية بجمود، ومشيت بيها لبرة المطبخ، في الصالة الكبيرة اللي كان قاعد فيها ابني الكبير وأخواته وعيالهم مستنيين الأكل.
رمت الصينية في نص السفرة برقعة هزت الخشب. الصوت جاب الكل من الأوض. طلعت أنا من أوضتي بسرعة وأنا بزعق: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ اتجننتِ ولا إيه؟ نازلة ترزعي وتدبي كأنك صاحبة بيت؟”
زينب بصلتي، ولأول مرة تحط عينها في عيني من غير ما تبص لللأرض. صوتها طلع واطي بس يرن في الصالة كلها، زي صفير الريح قبل العاصفة: “أنا مش صاحبة بيت يا حاجة.. أنا كنت فاكرة إني دخلت بيت ناس عارفين ربنا، طلع بيت ناس بيشبعوا من قهر غيرهم. اللحمة دي مش هتدخل بطن حد فيكم النهاردة.”
ابني الكبير وقف بغضب ورفع صوته: “انتِ بتكلمي أمي كده إزاي؟ نسيتي نفسك ولا إيه يا زينب؟”
زينب التفتت له وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة وفيها كمية قسوة مرعبة: “لا ما نسيتش.. أنا افتكرت. افتكرت إنك راجل وكان المفروض تنطق لما ابنك وبنتك يتهانوا، بس أنت بتهز رأسك وأمك بتسوقك. اللقمة اللي بتيجي بمسح جزمكم دي ما تلزمنيش، ولا تلزم بنتي.”
في اللحظة دي، نجوى سلفتها الكبيرة طلعت من المطبخ بتزعق: “شوفوا البت اللي جايبينا من الجوع بتتكلم إزاي! أنتِ ناسية إن أختي وهي بتتجوز أنتِ أكلتِ من خيرنا؟ ناسية إننا شايلينك وشايلين عيلتك؟”
زينب ما ردتش عليها بالكلام. مشيت ناحية نجوى بخطوة سريعة، ولأول مرة تتمد إيدها، مسكت جلباب نجوى من عند الرقبة وزقتها للحيطة قوتها كلها اللي كانت بتضيعها في غسيل الحلل وشيل الصواني. الكل اتهز، ابني الصغير (جوز زينب) كان لسه داخل من باب الشارع وشف الموقف، جرى وهو بيصرخ: “زينب! أنتِ بتعملي إيه؟ اتجننتِ؟”
زينب سابت نجوى اللي كانت بتترعش من الصدمة، وبصت لجوزها. بصة خلته يقف في مكانه وما يقدرش يخطو خطوة زيادة. قالتله: “أنت جيت؟ كتر خيرك إنك جيت تشهد النهاية. ابنك وبنتك بقوا يترمى لهم الأكل في الأرض زي الكلاب، وأمك وأخواتك وسلايفك شايفين إن ده مقامنا. أنت كنت فين لما بنتك دخلت تطلب حتة لحمة من تعبي وقالتلها سلفتك الكبيرة تاكلي من الزبالة بعد ما نخلص؟”
جوزها بص لي وبص لنجوى، وشة اصفر، بس ضعفه المعتاد غلب عليه وقال بصوت واطي: “طب اهدي يا زينب، مفيش حاجة تستاهل.. كبري عقلك وتعالي جوة نتكلم.”
“أكبر عقلي؟” زينب ضحكت بصوت عالٍ هز البيت، ضحكة كان فيها وجع سنة كاملة من الذل. “عقلي كبر خلاص يا عبد الله. كبر لدرجة إنه مش مستوعب وجودي دقيقة واحدة كمان في الخرابة دي.”
دخلت الأوضة، والبيت كله كان في حالة ذهول. مفيش حد كان متوقع إن الكائن الهادي اللي ما بيسمعوش صوته غير بـ “حاضر” و”نعم” يقدر يعمل كسر في هيبة البيت بالشكل ده. مسكت شنطة خيش قديمة كانت جايباها معاها وهي جيا تتجوز، بدأت ترمي فيها هدومها وهدوم بنتها. هدوم بسيطة جداً، مفيش فيها حتة حرير ولا طقم غالي، لأن حتى المصروف اللي كان جوزها يديهولها كنت باخده منه بحجة إن البيت أولى.
أنا دخلت وراها الأوضة، والشرار بيطلع من عيني، كنت حاسة إن كبريائي قدام ولادي وسلايفها اتمرغ في التراب. “أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟ أنتِ تطلعي من هنا على بيت أهلك بالهدوم اللي عليكِ بس! الشنطة دي ما تطلعش، والبت دي ملهاش خروج من هنا، دي بنت ابننا!”
زينب كملت لم الهدوم كأني مش واقفة. كملت تحط الهدوم في الشنطة وبنتها ماسكة في طرف جلبابها بتترعش. لما خلصت، قفلت الشنطة وبصلتي. قربت مني لحد ما بقى وشها في وشي، وريحة المية والصابون والتعب لسه طالعة منها. قالتلي بنبرة هادية بشكل يخوف: “بنتك اللي اتجوزت من سنتين وعايشة في بيت أهل جوزها.. لو حد عمل فيها ربع اللي عملتوه فيا، كنتِ عملتِ إيه يا حاجة؟ كنتِ هدتِ الدنيا على دماغهم. بس أنتِ شايفاني مش بني أدمة، شايفاني خدامة أهلي رموهالك عشان يخلصوا مني. البت دي بنتي أنا، اللي كبرت في بطني وتعبت فيها، ومش هسيبها تطلع خدامة لسلايفها وعيالهم.”
زقيت زينب بإيدي بغل: “أنتِ حافية وملكيش أصل! أهلك مش هيستحملوكي يومين بالبت، وهترجعي تزحفي على ركبك تحت رجليا عشان ألقمتك! ساعتها مش هتدخلي البيت ده غير وأنتِ جازمة لكل اللي فيه!”
زينب ما ردتش عليّ. مسكت إيد بنتها وشالت الشنطة على كتفها وطلعت للصالة. ولادي كلهم كانوا واقفين، سلايفها كانوا متجمعين ورا بعض متوقعين إنها هتترجى جوزها يخليها تقعد. جوزها قرب منها ومسك إيدها: “زينب.. بلاش تفضحينا في الشارع، استهدي بالله وادخلي جوة وأنا هجيبلك حقك.”
بصت لإيده اللي ماسكة إيدها، ونفضتها بقوة: “حقك؟ أنت عمرك ما كان عندك حق تديهولي. أنت كنت بتشوفني بأكل بواقي الأكل وتسكت، كنت بتشوف رجلي ورمانه وتطلب مني أعمل شاي لأخواتك وتسكت. حق إيه اللي هاتجيبهولي النهاردة؟ أنت طلقني يا عبد الله.”
الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. في العيلة عندنا، مفيش ست بتطلب الطلاق، ومفيش ست بتمشي وبتسيب البيت وهي مرفوعة الراس.
عبد الله بص لزينب ورجعت عينه للأرض، وقال بصوت مكسور: “أنتِ اللي اخترتِ يا زينب.. لو مشيتِ من الباب ده، مش هترجعي تاني.”
زينب ابتسمت، ابتسامة نصر الحقيقة، وقالتله: “الباب ده أنا مش هعدي منه تاني حتى لو كنت . أنت طالق يا عبد الله.. قصدي أنت اللي خسرت.”
مشيت ناحية باب الشارع. سلايفها كانوا باصين لها بغل وحقد، بس كان في عينهم خوف مستخبي، خوف من الست اللي كانت مطأطأة رأسها وفجأة شالت السقف كله وهدته فوق رؤوسهم. فتحت الباب، وشالت بنتها على دراعها والشنطة في الإيد التانية.
أنا وقفت في نص الصالة وأنا بزعق بصوت عالي عشان أداري على الخزي اللي حسيت بيه: “غوري! مش هتكملي أسبوع وهتجيلي تبوسي إيدي ورجلي عشان أسامحك! الشارع مش برحيم يا زينب!”
زينب التفتت لي قبل ما تنزل أول درجة من السلم، وبصلتي بنظرة أخيره، نظرة فارقت فيها كل الخوف والضعف اللي عاشت بيه في البيت ده: “الشارع أرحم من بيتكم بكتير يا حاجة.. على الأقل في الشارع لو حد أطعمك لقمة بيطعمها بكرامة، مش بيمسح بيكِ الأرض قبل ما يرميهالك.”
ونزلت السلم بخطوات سريعة وثابتة. صوت جزمتها القديمة على السلم كان في قلبي زي الطبل. الصالة فضلت ساكتة. الأكل على السفرة كان لسه بيطلع بخار، صينية اللحمة اللي تعبت فيها كانت مرمية في النص.
عبد الله قعد على ألقرب كرسي وحط إيده على وشة. نجوى قربت مني وهي بتمثل الحزن: “معلش يا حاجة.. دي بت مكسورة جناح وأهلك مش هيشيلوها، بكرة ترجع ورأسها في الأرض.”
بس أنا ما ردتش على نجوى. حطيت إيدي على صدري وأنا حاسة بنغزة غريبة. المكان كان فاضي بشكل يرعب. المطبح اللي كان دايماً فيه حركة وصوت مية وخبيز بقى ساكت. الهدوم المترامية في الصالة، النظافة اللي كانت في كل شبر في البيت، الشاي اللي كان ينزل في ميعاده من غير ما حد يطلبه.. كل ده اختفى في لحظة.
عدى اليوم ده، والبيت كان في حالة فوضى. نجوى وسلفتها التانية حاولوا يطبخوا العشا، بس المطبخ كان يكركب، والأكل طلع محروق وما حدش ذاق منه لقمة. العيال كانوا بيبكوا وعايزين زينب عشان تسليهم وتسرح شعرهم زي كل يوم. عبد الله ما نزلش الورشة، كان قاعد في أوضته قافل على نفسه، ولأول مرة أشوفه بيشرب سجاير ورا بعض بجنون.
في اليوم التاني على الصبح، قلت لنفسي لازم أكسر مناخيرة زينب وأعرفها إنها ولا حاجة. أخدت عبد الله ونزلنا نروح لبيت أهلها في الحارة القديمة. كنت متوقعة ألقاها قاعدة بتعيط في الصالة وأمها بتلطم على وشها عشان بنتها رجعت غضبانة ومطلقة وببنت. كنت متوقعة إن أباها هييجي يبوس إيدي عشان أرجعها تغسل وتنضف تاني.
وصلنا الحارة، البيت القديم اللي مبني بالطين والحجر. طلعت السلم وأنا بهز في غوايشي وبمشي بتكبر، وعبد الله كان ماشي ورايا ساكت زي الخيال. خبطت على الباب بقوة وكأني بفتحه برجلي.
فتح الباب أبوه، راجل كبير وشغلاته على قد حاله، بس كان فيه هيبة ورضا عمري ما فهمتهم. بص لي وبص لعبد الله، وما ظهرش على وشة أي اندهاش أو خوف.
دخلت من غير ما يستأذن وقعدت على الكنبة المكسورة في الصالة وأنا بقول بصوت عالي: “صباح الخير يا أبو زينب. بنتك جاتلكم أمس وبتقول طلقني، وجايبة بنتها معاها. طبعاً أنت عارف إن تصرفها ده قلة أدب وما يصحش، وأنا جيا أقولك إن البيت بيتكم وبنتكم لو ما رجعتش وعرفت مقامها وعادت تتأسف لضرايرها ولجوزها، ملهاش مكان عندنا تاني!”
زينب طلعت من الأوضة الجوانية. ما كانتش لابسة الجلابية المبلولة، كانت لابسة طقم نضيف وشعرها مشطوف ومربوط، وشها كان رايق كأنها أخدت قسط من الراحة بقالها سنين ما أخدتوش. بنتها كانت قاعدة تلعب جنبها بفرحة.
زينب ما اتكلمتش، سابت أبوه هو اللي يرد. الراجل الكبار قعد قصادي، وبص لي بنظرة كلها حسرة على الشيبة اللي في رأسي، وقال بصوت هادي وتقيل: ” يا حاجة.. زينب جاتلي إمبارح، ورجليها كانت مورمة ويديها متقطعة من الصابون والخدمة. حكتلي كل حاجة، من أول يوم دخلت فيه بيتك لحد ما سلفتها زقت بنتها وقالتلها كلي من الزبالة.”
أنا قاطعتها بسرعة: “بنتك بتتفشر وتتبلى علينا! إحنا كنا مأكلينها شاربينها ومغرقينها خير!”
الراجل رفع إيده بالراحة وكتم صوتي بهيبته: “الخير اللي بيجي بإهانة الكرامة يبقى سم يا حاجة. أنا راجل فقير، وعلى قد حالي، وباكل ألقمة بعرق جبيني، بس عمري ما أكلت لقمة فيها ذل. زينب لما اتجوزت ابنك، جيتوا خطبتوها وقلتوا دي بنتنا وهتشيلوها في عينيكم. طلعتوا جايبين خدامة بلقمتها.”
عبد الله اتكلم بخوف: “يا عمي أنا بحب زينب، وهي كبرت الموضوع..”




