روايات وقصص

مرات ابني بصتلي في وشي 1

مرت ابني بصتلي في وشي وقالتلي بثقة: “عيلتي كلها جاية تقضي العيد هنا. هما يادوب أربعة وعشرين، خمسة وعشرين فرد بس.” ابتسمتلها ورديت: “زي الفل! أنا أصلاً مسافرة إسكندرية كام يوم كده. وبما إنك قررتي تعزميهم وتستضيفيهم، يبقى تعيشي بقى مع الطبخ والتنظيف بنفسك.. أنا مش شغالة عند حد ببلاش في بيتي.”

برقتلي وبرشمت، مبقتش عارفة تنطق كلمة.
وفي اللحظة دي بالذات، اتأكدت إن العيد المادي دا شايلها مفاجأة من نوع تاني خالص.
ساعتها كانت ليلة الثلاثاء، والشارع عندنا في المعادي شبه كارت معايدة بتاع زمان. أنوار الشجر والشبابيك منورة، الجناين اللي قدام الفلل هادية في هواء الشتا الساقع، وأعمدة النور منورة الأرصفة كأنها واقفة تتجسس على الرايح واللي جاي.
جوة في المطبخ، كانت ريحة الفراخ المحمرة مع سترس الليمون وصينية بسبوسة القشطة مالية المكان. عملت الحاوية دي خصوصاً لأن الأحفاد لسه مقتنعين إن العيد يعني بيت تيتة.
وفي اللحظة دي، دخلت عليا “شاهيناز” كأنها المالك الفعلي للبيت.
صوت كعب جزمتها كان بيرن على السيراميك.. رمت تليفونها الأيفون جنب شنطة الخضار من غير حتى ما تستأذن، وابتسمت الابتسامة الصفرا الباهتة اللي دايماً تبتسمها قبل ما تدبسني في شغلانة جديدة.
قالتلي: “كويس والله.. شايفاكي بدأتي تجهزي أهو.”
حطيت الصينية من إيدي وقلتلها: “بجهز لإيه بالظبط؟”
قعدت على الرخامة وبدأت تعد في أسامي.. أختها، معارفها، قرايبهم من أطفيح، أولاد خالتها، وأي حد في الدنيا ادعت إنه ملهوش حتة يروحها.
وبعدين بصلت حولين المطبخ النظيف المتلمع وقالت: “عيلتي كلها تقريباً هتقضي العيد هنا.. هما يادوب خمسة وعشرين فرد.”
يادوب.
الكلمة دي نرفزتني أكتر من الرقم نفسه.
سنين طويلة وأنا ساكتة وشايلة كل حاجة على دماغي في صمت. أطبخ، أنظف، أنزل ألف في السوق وأجيب خضار بزيادة، أكيّس الأكل اللي بيفضل، أغسل الفواتير والملايات، وأبتسم وهي بترمِي عليا طلبات جديدة من غير حتى كلمة “تسلم إيدك”.
هو البني آدم مبيبقاش ملوش لازمة وميتشافش فجأة كده..
البني آدم بيبقى ملوش قيمة لما يتعودوا إنه دايماً موجود ومتاح وبيخدم!
قلتلها بهدوء: “أنتِ مستنية مني أعمل إيه بالظبط؟”
بان عليها الضيق وقالت: “يعني الأكل طبعاً! ثلاث ديكة رومي، والبسبوسة بتاعتك، وصينية المكرونة بالبشاميل اللي حسين بيحبها.. والبيت لازم يتلمع ويبقى شكله ينفع للتصوير.”
طبقت الفوطة اللي في إيدي مرة..
وبعدين طبقتها تاني.
قلتلها بمنتهى البرود: “أنتِ مجتيش استأذنتي.. أنتِ جيتي تبلغيني. وبما إنك عاوزة تعملي عزومة، شيلِ شيلتك وتصرفي.”
وشها اتخشب وقالت: “حسين مش هيوافق على الكلام ده.”
كنت هضحك والله!
بعد ستة وستين سنة، دفعت فيهم دم قلبي في فواتير ومصاريف، وربيت عيال، ودفنت جوزي الله يرحمه، وماسكة البيت ده بإيدي.. جاية تقف في مطبخي وتتكلم كأن ابن حشاشتي هو اللي بيتحكم في قراراتي!
سندت ظهرها لورا وقالت الكلمة اللي كانت مقتنعة بيها جوة سرها من زمان:
“كده كده البيت ده هيبقى بتاعنا في الآخر.”
وقبل ما ألحق أرد، باب الجراج اتفتح.
دخل “حسين”، باين عليه التعب من الشغل في الشركة، وماسك مج القهوة في إيده.
جريت عليه “شاهيناز” فوراً: “أمك رافضة تساعدنا!”
حسين حط إيده على دماغه وقال: “يا ماما.. ده العيد!”
رديت عليه: “أنا مش رافضة العيد يا حسين.. أنا رافضة أتحول لشغالة بصحة وفرشة في بيتي.”
شاهيناز قطعت إيديها وقالت: “مش هنقدر نجيب كاترينج ولا أكل جاهز من بره.. كل المطاعم زحمة ومفهاش حجز، وأنا خلاص بلغت الناس إن كل حاجة تمام ومترتبة.”
حسين حك ذقنه وتردد قبل ما يتمتم: “مقدم شقة التجمع ده خلص على كل القرشين اللي معانا في البنك.”
مقدم شقة التجمع؟
دي بقى قرارات جديدة خالص أول مرة أسمع عنها بعد ما تم تنفيذها خلاص!
بصيتلهم هما الاثنين وقلت: “يبقى العيب مش عليا.. العيب على اللي يعزم خمسة وعشرين بني آدم في بيت غيره من غير ما يعمل حسابه.”
محدش فيهم فتح بؤه ولا ينطق بحرف.
وفجأة، تعبير وش شاهيناز اتغير..
مش غضب..
ده كان برود وتفكير لئيم خبيث.
قالت: “ماشي.. هنعرف نتصرف.”
فضل صوت خناقهم وزعيقهم طالع من الأوضة فوق لحد ما الدنيا هديت خالص بالليل.
على الساعة ١٠:٤٧ بالليل، كنت قاعدة على السرير وفتحت الدوسيه الأزرق.
كشوفات حسابات من البنك..
إيميلات متطبوعة..
وصل إيجار..
وسكرين شوتس مطبوعة من السجل العقاري.
بقالي يجي ثلاث أسابيع بجمع المعلومات دي حتة حتة، لأن الأرقام اللي حسين بيحكيها مكنتش راكبة خالص مع الحكايات اللي شاهيناز بتقولها.
مقدم الشقة كان حقيقي فعلاً..
بس التنازلات والتحويلات الغريبة دي كانت حقيقية هي كمان.
اسم “فايزة” كان طالع ونازل في الورق كذا مرة.
و”محمود” كان ممسوك ومربوط في خطة العيد دي بالذات.
أما “سامح”، بتاع العقارات اللي شاهيناز نازلة طالعة تذكر اسمه، فكان ظاهر في إيميل بيوصف فيه بيتي وأرضه بطريقة تيرّع وتخلي البطن تتقلب.
دي مكنتش لخبطة ولا استعجال..
ولا كانت كركبة وعصبية أعياد.
دي كانت خطة ملعوبة ومترتبة صح.. ومتغطية بكلمة “أصلنا عيلة واحدة”.
على الساعة ١١:١٢ بالليل، فتحت اللاب توب بتاعي على ترابيزة المطبخ وبدأت أكتب إيميل جديد.
الموضوع: ترتيبات العيد، البيت، ومبلغ المقدم المفقود.
شاهيناز كانت فاكرة إن أكبر مشكلة عندها هي إنني رفضت أقف أطبخلها.
مكنتش فاهمة ولا دريانة باللي مستنيها في الخطوة الجاية!
وفجأة.. سمعت تكة الخشب ورايا في الصالة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى