روايات وقصص

مرات ابني بصتلي في وشي2

محمود اتسمر مكانه في نص الصالة، والشنطة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض بصوت مكتوم. حسين بصلهم بخضة، وعينيه بدأت تروح وتيجي بين وش مراته المتخشب وبين الورق اللي في إيدي. “إيميل إيه؟ وورق إيه يا ماما اللي بتتكلمي عنه؟” حسين قالها بصوت مخنوق وهو بيقرب مني، كأنه خايف يلمس الحقيقة.

 

رفعت الورقة الأولى بثبات وقريت بنبرة واضحة خليت كل الفوج اللي دخل، بالـ25 فرد بتوعهم، يقفوا في مكانهم وزي ما يكون على رؤوسهم الطير:

“عزيزي الأستاذ سامح، بناءً على اتفاقنا مع المدام شاهيناز، تم تحويل مبلغ 450 ألف جنيه لحساب الأستاذ محمود كمقدم حجز مبدئي لحصة العقار، على أن يتم استكمال بقية المبلغ فور توقيع الحاجة فاطمة على التنازل بحجة دواعي السفر أو الرعاية الصحية…”

الصمت اللي ساد الصالة كان يرعب. حسين بص لشاهيناز كأنه بيشوفها لأول مرة في حياته. مسك إيدها بقوة وقال بصوت طالع بالعافية: “الفلوس دي… الفلوس دي كانت تحويشة عمري في الشركة! المقدم اللي قلتِ لي إنه لشقتنا في التجمع! انتِ حولتِ الفلوس باسم أخوكي؟”

شاهيناز بدأت تفرك في إيديها بتوتر شديد، ووشها يترسم عليه الذعر، وبصت لأمها فايزة تستنجد بيها.

فايزة اترسمت على وشها ابتسامة صفرا وحاولت تتدارك الموقف بسرعة، تقدمت خطوتين وقالت بحدة متصنعة: “جرى إيه يا حجة؟ أنتِ جاية في ليلة العيد تتبلي على العيال وتعملي فتنة بين الراجل ومراته؟ محمود إبني سيد العارفين ومابيمدش إيده على حق حد، والفلوس دي كانت مجرد أمانة عشان…”

“أمانة؟” قطعتها بصوت أصلب من الحديد، وأنا بطلع ورقة تانية من الدوسيه وبحطها في وش محمود مباشرة. “والكشف ده يا سي محمود؟ التحويل البنكي اللي مسموع في حسابك من أسبوعين؟ ولا السكرين شوتس اللي بينك وبين سامح العقاري وهو بيشرحلك إزاي يقنعوا حسين إن البيت ده كبر عليا، وإن أحسن حل يتسجل باسمك كـ ‘استثمار عائلي’ بحجة إنك هتدير العقار وتأجر الجناين والأدوار اللي فوق؟”

محمود بلع ريقه بصعوبة وبص للأرض، ومقدرش ينطق بحرف واحد.

شاهيناز اتجننت لما لقت الخطة كلها اتكشفت قدام العيلة كلها. صرخت بصوت عالي: “أنتِ بتتجسسي علينا؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ البيت ده حسين ليه فيه النص، ومن حقنا نتصرف في نصيبنا بالطريقة اللي تضمن مستقبلنا! أنتِ كبرتِ وخرفتي خلاص ومبقتيش فاهمة مصلحتنا فين!”

في اللحظة دي، حسين اتنفض. القلم اللي كان في جيبه وقع، وبص لمراته بنظرة نارية عمري ما شفتها في عينيه من يوم ما اتولد. مسكها من دراعها بهدوء مرعب وقال: “أمي تخرف؟ أمي اللي شالت البيت ده وربتني بعد أبوي ما مات، جاية أنتِ وأهلك تتآمروا عليها في مطبخها وعايزين تبيعوا بيتها من وراها؟”

شاهيناز حاولت تشد دراعها وهي بتعيط بمنظرة: “أنا كنت بعمل كده عشانّا يا حسين! عشان نأمن نفسنا! أمك عمالة تصرف وتوزع، وشوية وهتكتب البيت ده للجمعيات الخيرية وتسيبنا على البلاطة!”

فايزة دخلت في النص وبصوت جهوري وقاح: “جرى إيه يا حسين يا ابن أختي؟ أنت هتصدق الهبل ده وتطرد مراتك وعيلتها في ليلة العيد؟ الناس بره والعيال واقفين في الشارع! إحنا جايين نعيد ونفرح، والورق ده يتحل بعد العيد بمليون طريقة!”

سحبت الورق بهدوء، وحطيته جوة الدوسيه وقفلته. بصيت لفايزة ولـ25 فرد اللي واقفين وراها، اللي بعضهم بدأ يتسحب ويشيل شنطه لبره من كسفة الموقف.

قلت بهدوء شديد: “لا يا فايزة… العيد خلص قبل ما يبدأ. بيتي مفتوح للي يدخله بالمودة والاحترام, مش للي داخل بسكينة من ضهري عشان يسرق جدرانه. الساعة دلوقتي 9:30 الصبح، وقدامكم بالضبط نص ساعة.. الشنط دي تتقفل، والـ25 فرد دول يتفضلوا يرجعوا من المطرح ما جُم.”

شاهيناز بصلت لحسين وهي منهارة: “حسين! أنت ساكت كده ليه؟ قولها حاجة! قولها إننا غير موافقين على الخروج!”

حسين بص لأمه، وبعدين بص لشاهيناز ولأخوها محمود، وقال بنبرة مكسورة بس حاسمة: “شاهيناز… لمي هدومك وروحي مع أمك وأخوكي. والفلوس اللي راحت لأخوكي ترجع لي للقرش الأخير قبل ما القوايم والأوراق دي تطلع على النيابة. اتفضلوا كلكم بره.”

المكان تحول لهرج ومرج؛ أصوات زعيق فايزة وهي تدعو، ومحمود اللي بيحاول يبرر، وشاهيناز اللي بتصرخ وبتجر شنطتها على السيراميك. وفي خلال ثلث ساعة، كان باب الفيلا الخارجي بيترزع وراهم، والشارع الهادي في المعادي رجع لصحوه وسكونه.

وقف حسين في نص الصالة الفاضية، حاطط إيده على وشه وبيعيط بكسرة. قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه.

رفع راسه وبصلي بأسف: “سامحيني يا ماما… أنا كنت أعمى. كنت فاكرها بتفكر في مستقبلي، اتاريها كانت بتاكل في لحمي ولحمك.”

بتسمتله بهدوء وقلتله: “المهم إنك فقت يا بني قبل ما الفأس تقع في الراس. البيت ده يفضل مفتوح بالحق، واللي يبيعك عشان قرشين ما يلزمناش في حياتنا.”

وقبل ما حسين يرد, جرس الباب رن تاني… بس المرة دي رنة هادية ومختلفة خالص.

بصينا لبعض باستغراب. حسين راح فتح الباب، ولقينا واقف على العتبة راجل في الخمسينات، لابس بدلة أنيقة وشايل في إيده شنطة جلد سوداء، ووراه عربية نقل صغيرة محملة بأطقم أثاث وصناديق مقفولة.

الراجل بصلنا وابتسم: “مساء الخير.. ده بيت الحاجة فاطمة؟”

قلتله وأنا بتمشى ناحية الباب: “أيوه أنا.. خير يا أستاذ؟”

فتح الشنطة وطلع منها إخطار رسمي وختم نسر، وقال بنبرة جادة: “أنا الأستاذ جمال، المحامي الموكل عن شركة العقارات.. أنا جاي أبلغكم إن السيد ‘سامح’ اتوقف عن العمل من إمبارح بالليل بعد بلاغ رسمي، وإن فيه قرارات جمدت كل الأصول المعاملاتية للبيت ده بناءً على طلب الشريك المستتر اللي مسجل باسمه نصف الأرض من 15 سنة!”

حسين اتصدم وبصلي بذهول: “شريك مستتر؟ أرض إيه يا ماما؟ هو فيه حد تاني مالك في البيت ده غيرك أنتِ وبابا؟”

ابتسمت ابتسامة غموض، وأخدت الأوراق من إيد المحامي وأنا بفتحها بثبات.

حسين كان واقف يتنقل بعينيه بيني وبين المحامي “جمال” وهو غير قادر على استيعاب الكلمة. كلمة “شريك مستتر” نزلت عليه أشد من صدمة شاهيناز وأهلها.

“ماما.. أنتِ بتهزري صح؟” حسين قالها ونبرة صوته لسه مخنوقة من تأثير الخناقة، “شريك مين اللي مالك نص الأرض من 15 سنة؟ هو بابا الله يرحمه كان كاتب حاجة من ورايا؟ ولا الشغلانة دي فيها حد تاني إحنا نعرفه؟”

المحامي دخل الصالة بهدوء، فتح شنطته الجلد وسحب منها الملف الأصلي المقفول بشمع أحمر. حطه على الترابيزة جنب الدوسيه الأزرق بتاعي، وقعد بمنتهى الثبات والاحترافية.

قال وهو بيطلع نظارته: “يا أستاذ حسين، والدك المرحوم الحاج عبد المجيد مكنش بيعمل حاجة عشوائية. لما اشترى أرض الفيلا دي في المعادي سنة 2011، كان عارف كويس إن الأيام بتتغير، وإن العيلات بيدخلها الغريب. عشان كده حط شرط حماية قانوني في عقد الملكية بالاتفاق مع الحاجة فاطمة.”

حسين قعد على الكرسي كأنه هربان من طاقة جسمه كلها: “شرط حماية؟ يعني إيه؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى