روايات وقصص

جوزي استبعدني 1

جوزي استبعدني أنا وولادنا من مصايف عيلته لمدة إحدى عشرة سنة. قضيت الوقت ده كله فاكرة إن أهله بساطة مش عاوزين وجودنا.. لحد ما مكالمة واحدة مع حماتي كشفت الحقيقة كلها. ​أول صيف سابنا فيه جوزي “هشام” وسافر، كانت بنتي “سلمى” عندها أربع سنين بس. ​ساعتها نامت وهي حاضنة الجاروف البلاستيك الصغير البمبي اللي كان جايبهولها عشان كان واعدها إنها هتستخدمه “المرة الجاية”.

 

مقالات ذات صلة

​بس المرة الجاية دي عمرها ما جات.

​بعد كم صيف، بقيت بكره صوت السوستة بتاعة الشنطة وهو بيقفلها.

​”بابا، ينفع نيجي معاك السنة دي؟” سلمى سألته وهي واقفة في الممر.

​هشام حتى مابصلهاش وهو بيطبق هدومه.

​”يا حبيبتي، ده نظام عيلتنا في المصايف.”

​”يوسف” ابننا، كان عنده إحدى عشرة سنة، واقف جنبي وحاطط إيده في جيبه.. وكان خلاص بطل يسأل.

​قلت له: “ما إحنا عيلتك برضو.”

​هشام اتنهد بقلة صبر:

“أنتِ فاهمة قصدي يا شيرين! بابا وماما وإخواتي بالعيال، الناس اللي اتولدت وعشت معاهم.. دي طقوس عيلتنا.”

​الطقوس دي كانت ملاحقاني في كل حته.

جروبات الواتس آب بتاعة أعياد الميلاد مكنتش فيها، في العزومات كنت أنا دايماً اللي بيمسك الموبايل عشان يصورهم بدل ما أقف معاهم في الصورة، وحتى الكلام كان بيقف فجأة أول ما أدخل المطبخ.

​لسنين طويلة استحملت وعدّيت.

محاولة إني أجبر الناس تتقبلني كانت مجهدة أكتر من إني أبين إني مش مهتمة.

​الصبح ده، هشام باس سلمى، ووعدها يجيلها بهدايا، ونزل قبل الفطار.

​بعد ساعتين بس، أخته نزلت صورة على الفيس بوك من البحر.

​بصيت في الموبايل.. الكل كان هناك.

حمايا وحماتي، إخواته بمراتاتهم وجوازاتهم، كل ولاد العم.. كلهم واقفين تحت شمسية واحدة ولابسين تيشيرتات زرقاء زي بعض.

​سلمى بصت في الشاشة من فوق كتفي وقالت:

“ماما، هو تيتا وجدو مابيحبوناش ليه؟”

​ساعتها في حاجة جوايا اتكسرت حقيقي.

​قفلت البرنامج وطلبت رقم “حنان” حماتي.

​ردت وصوت الموج والهوا باينين أوي في الخلفية:

“شيرين؟”

​”قوليلي الحقيقة، هو ليه ولادي عمرهم ما اتعزموا على السفريات دي؟”

​طنط حنان سكتت خالص.

وبعدين سألتني سؤال خلي بطني تتقلب:

“هو هشام قالك إن دي طقوس العيلة، صح؟”

​”أيوة.”

​صوت البحر بدأ يبعد، كأنها اتحركت ومشيت بعيد عن الكل.

ولما اتكلمت تاني، كان صوتها واطي أوي:

“يبقى جه الوقت اللي تعرفي فيه هشام كان بيقولنا إيه.”

​مسكت الموبايل جامد: “قصيدك إيه؟”

​أخدت نفس طويل وقالت: “يا شيرين، إحنا عمرنا ما استبعدناكم.”

​قلبي وقّف.

“إيه؟”

​”هو اللي كان بيقولنا إنك مش عايزة تيجي.. كان بيقولنا إنك مابتستريحيش مع ناس معينة في العيلة، وإنك بتفضلي تقعدي في البيت مع سلمى ويوسف، وإننا لازم نحترم رغبتك.”

​فضلت باصة للصورة اللي لسه منورة على الشاشة.

إحدى عشرة سنة.

إحدى عشر صيف وأنا بشوف هشام بيلم شنطته.

إحدى عشرة سنة وأنا بشرح لولادي الخذلان.

إحدى عشرة سنة فاكرة إن أهله قرروا في السكوت إننا ماننتميش ليهم.

وطول الوقت ده، كان بيتقالهم العكس تماماً.

​”أنا عمر ما قلت الكلام ده يا طنط.”

​صوتها اتهز: “أنا عرفت ده خلاص.”

​بصيت لسلمى اللي لسه واقفة جنبي.. وافتكرت الجاروف البلاستيك الصغير اللي نامت بيه زمان.

كل وعد بـ “السنة الجاية”.

كل حجة.

كل مرة هشام حسّس فيها العيال إن طلبهم إنهم يكونوا موجودين ده طلب مش منطقي.

​طنط حنان اتكلمت تاني:

“شيرين.. هاتي العيال وتعالي هنا.”

​بلعت ريقي: “إيه؟”

​”تعالي على شاليه البحر.. النهاردة.”

والدفء اختفى تماماً من صوتها: “ومتقوليش لهشام إنك جاية.”

​دي كانت اللحظة اللي فهمت فيها إن الموضوع مش مجرد مصيف عيلة..

جوزي بقاله إحدى عشرة سنة بيلعب بوشين وبيروي قصتين مختلفين.

وأخيراً قربت اعرف ليه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى