
كنت متجوزة بقالي سبع شهور بس، وحياتي مع أحمد جوزي كانت كلها راحة، ومفيش مشكلة تتذكر. أحمد أهله متوفيين من زمان، وكان عايش معايا في شقتنا الهادية. لحد ما الباب خبط في يوم، وكانت سحر اخت أحمد. سحر كانت متجوزة وغضبت وقالت ان جوزها هيطلقها…وفعلا مشيو في اجرائات الطلاق واتطلقت. وقتها رفضت تماماً ترجع تعيش في بيت أبوها الله يرحمه قالت “أنا بخاف أقعد لوحدي يا أحمد.. البيت فاضي ومليش في الدنيا دي غيرك يا أخويا”.
أحمد أخدني على جنب وقال بقلة حيلة: “معلش يا نورهان، مش الأصول أبداً أسيب اختي لوحدها وهي ملهاش غيري، استحمليها شوية لحد ما ظروفها تتظبط”. سكتّ.. ملقتش حل تاني ولا كان ينفع اتكلم في الموقف ده قلتله: “اللي تشوفه يا أحمد، البيت بيتك”.
لكن من أول يوم حطت فيه رجلها في الشقة، والهدوء اتبخر. سحر كانت عبارة عن كتلة فوضى متحركة. متبطلش بعزقة، ولو أكلت أي حاجة—لو مجرد بسكوتة—تبعزق الفتافيت حواليها في كل مكان وترمي الورق على الأرض مكان ما واقفة. طول النهار والليل ممددة على الكنبة، ماسكة التليفون، قاعدة على النت، ولا حاسة بغيرها ولا تطبخ معايا ولا تمسح ولا حتى تبطل طلبات كنت بستحملها بالعافية، ألمّ وراها، وأعدّي، وأقول عشان خاطر أحمد وعشان البيت يفضل هادي.. ومردتش أشتكي له ولا مرة.
لحد ما في يوم كنت قاعدة في الصالة وهي كالعادة سارحة في تليفونها، وفجأة بصتلي وقالت: “شوفي يا نورهان الإعلان ده! ناس كاتبين على النت إنهم محتاجين شعر طبيعي يكون تقيل ونضيف، وهيدفعوا فيه مبلغ حلو أوي!”.
ابتسمت وافتكرتها بتهزر، قلتلها: “دي نكته دي ولا إيه؟ هو حتى الشعر بقى بينباع؟”.
ردت وهي بتبص لشعري بتركيز: “طبعاً بينباع! بياخدوه الكوافيرات وبتوع الشعر المستعار.. بقولك إيه، ما تقصي شعري ده؟ أنتِ شعرك طويل زيادة عن اللزوم ومغطي ضهرك كله، هتعملي بيه إيه يعني؟”.
جسمي قشعر من نظرتها. مسكت شعري بسرعة وقلت: “قل أعوذ برب الفلق.. سمّي الله يا سحر! لا طبعا، أحمد جوزي بيحب شعري كده جداً، وأنا مستحيل أقص خصلة واحدة منه.. ده ماما الله يرحمهاتحتفظت بيه وكانت بتحبه أوي وبتهتم بيه معايا”.
مسكت سحر أطراف شعرها القصير وقالت: “ياريت شعري زي شعرك.. كنت بعته وقبضت تمنه واطوله تاني وابيعه برضه ! بس أنا شعري قصير وفتلته وحشة .. سبحان الله، يدي الحلق للي بلا ودان !”.
اتضايقت من أسلوبها، بس اتجاهلتها وسكتّ. قمت وسيبتها وقعدت أدعي في سري إن ربنا يكفيني شر عينيها.
تاني يوم الصبح، صحيت عادي، جهزت الفطار لأحمد ومشيته على شغله. بعد ما قفلت الباب وراه، حسيت بدوخة خفيفة وإرهاق، قلت أدخل أوضتي أريح ساعة زمن دخلت نمت ورحت في سابع نومة.
صحيت بعد فترة، حاسة بتقل في رقبتي. قمت من السرير ووقفت أعدل هدومي ورايحة ناحية التسريحة.. وعديت من قدام المراية.
وقفت مكاني بصدمة. بصيت للمراية ومش مصدقة اللي شايفاه.. إيدي اترفعت لشعري بخوف. شعري الأسود، التقيل، اللي كان واصل لآخر ضهري، اللي كنت بأقضي بالساعات أعتني بيه عشان دي كانت وصية أمي وحاجة أحمد بيحبها فيا.. بقى مقصوص ببهدلة وعشوائية.. لحد كتافي!
بقيت واقفة في نص الأوضة مش قادرة أتنفس. إزاي؟ مين يعمل كده؟ شعري ازاي بقى كده! وبعد ما بدات أفوّق لنفسي، افتكرت كلامها امبارح والإعلان اللي اتكلمت عنه.
طلعت من الأوضة زي المجنونة، ودموعي نازلة. لقيتها نايمة في الصالة ومغطية نفسها. زقيتها بغضب صرخت فيه بكل ما فيا: “أنتِ قصيتي شعري؟! ازاي تعملي كده ؟!”.
سحر حركت جسمها ببطء، ولا حتى اتعدلت من نومتها! بصتلي ببرود وقالت بلا مبالاة: “وفيها إيه يعني؟ لما يبعتولي الفلوس هبقى أجبلك كريم حلو من الصيدلية يطول تاني! هو الشعر لزمته إيه يعني؟”.
قولتلها بغضب: “ده شعري انا وانا اللي احدد لزمه معايا ولا لا…والله لاقول لاخوكي اول ما يوصل و…”.
بس قاطعتني وهي بتضحك وقالتلي: “عارفه انا اتطلقت ليه…عشان كنت اعمل مشاكل مع اخت جوزي…الرجاله يا حبيبتي مش بترضى في اهلها…ولو عايزه نصيحتى متشكنيش لاحمد بدل ما ترجعي عند اهلك زيي لان لو اتجبر يختار هيختارني ايييوه…يلا متوجعيش دماغي بقى وسيبيني أنام عشان صاحية بدري!”.
ودارت وشها الناحية التانية وعملت نفسها نايمة!
كنت هفرقع من الغيظ، مش بس قصت شعري وهتقبض تمنه…كمان بتهددني باخوها وبطلاقي…حسيت بالنار بتاكل في صدري، وإيدي كانت بترتعش، بس كتمت غيظي ودخلت أوضتي وقفلت الباب. أنا مش هتنزل لمستواها، ومش هتدخل معاها في خناقة عشوائية تفقدني حقي. نويت إني مش هعمل حاجة غير لما أشهد أحمد الأول، عشان ميبقاش ليه عليا كلمة وميقدرش حتى يعاتبني على اللي هعمله.
فضلت مستنية أحمد، وأول ما الباب اتفتح ورجع من شغله، شاف وشي ودموعي، ولما رفع عينه وشافني بشعري المقصوص اتصدم. حكيتله كل اللي حصل بالحرف وأنا منتظرة منه يتصرف هو.
أحمد اتنهد وحط إيده على دماغه وقال بتعب: “معلش يا حبيبتي.. معلش يا نورهان، أنتِ عارفة عقلها على قدها، وحتى جوزها مستحملهاش وطلقها بسبب عمايلها دي!”.
بصيتله بذهول ومش مصدقة وداني، قلتله بصوت طالع بالعافية: “ده اللي طلع معاك؟! جوزها مستحملهاش وطردها.. أستحملها أنا ليه؟ وبأي حق تمد إيدها عليا وأنا نايمة وتقص شعري وتبيعه؟!”.
أحمد بخنقة وضيق: “وبعدين يا نورهان؟ أنا جاي من شغلي طالع عينيا وعايز أرتاح، بدل ما أناملي ساعتين هقعد أحل مشكلة شعرك؟ خلاص بقى متكبريش الموضوع، شعر وهيطلع تاني!”.
كلمته نزلت عليا زي المية الساقعة. في اللحظة دي، عرفت إن الحق مش هيجي بالبكاء ولا بالشكوى بالطريقة العادية.
أخدت نفس عميق أوي، وبصيت لأحمد في عينه وقلتله بصوت ثابت جداً: “تمام يا أحمد.. أنا كنت متاكدة إنك مش هتتصرف، بس محبتش أتخطاك.. وأنا مش هسكت على حقي القانوني والشخصي!”.
خرجت من أوضتي بكل ثبات وهدوء يخوف. أحمد كان واقف بصصلي باستغراب وهو مش فاهم، وسحر كانت لسه ممددة على الكنبة بتتصنع النوم وعلى وشها ابتسامة نصر مستفزة، فاكرة إن أحمد حسم الموضوع لصالحها وإن تهديدها ليا جاب نتيجة.
مشيت بخطوات واثقة ناحية الصالة، ووقفت قدامها. سحر فتحت عينها ببجاحة وقالت وهي بتتمطع: “جرى إيه يا نورهان؟ مش خلاص الأخ قال كلمته؟ ولا ناويه تنكدي علينا باقي اليوم؟”.
مردتش عليها ولا بكلمة. بصيت لأحمد وقلتله بنبرة حاسمة: “أحمد، التليفون ده يجيلي حالاً”.
أحمد استغرب: “تليفون إيه يا نورهان؟”.
قلتله: “تليفون اختك، التليفون اللي عليه الإعلان واللي فيه الرسائل اللي اتفقت فيها مع الكوافير عشان تبيع شعري”.
سحر اتنفضت من مكانها ومسكت التليفون ورا ضهرها وصرخت: “تليفون مين يا روحي! أنتِ تجننتي؟ أنتِ هتفتشي في حاجتي؟”.
أحمد اتدخل وقال: “جرى إيه يا نورهان، اهدوا بقى.. مش كده!”.




