
وصلت الشاليه بعد سفر أربع ساعات في حر أغسطس. سلمى كانت ماسكة إيدي بجسم مشدود، ويوسف حاطط إيده في جيبه وسارح في الشباك، كأنه بيستعد للصدمة أو لانسحاب جديد.
أول ما رجلي لمست الرمل أمام الشاليه، الحفلة اللي كانت شغالة بره سكتت تماماً.
-
بعد فرحى بساعات2منذ ساعتين
-
بعد فرحى بساعات 1منذ ساعتين
-
جوزي استبعدني 2منذ 4 ساعات
-
حكاوى شيمو 2منذ 6 ساعات
حمايا “حسين” كان قاعد على الكرسي الهزاز، وباقي العيلة ملتفين حولين طاولة الأكل. هشام كان واقف بضهره، شائل كاس عصير وبيضحك مع جوز أخته. أول ما أخته “سارة” شافتني، الضحكة اختفت من على وشها وشرقت بالمية اللي بتشربها.
هشام لف بطء. الكاس اتزهز في إيده والعصير اندلق منه على الرمل. وشه اتقلب أصفر زي القماش القديم، عينيه نطت بيني وبين سلمى ويوسف، وبعدين اتثبتت على أمه اللي كانت واقفة عند باب الشاليه الداخلي ومربعة إيديها.
“شيرين؟” هشام نطق اسمها وهو مش مصدق، صوته كان حشرجة طالعة بالعافية. “أنتِ… أنتِ بتعملي إيه هنا؟ حصل حاجة؟ العيال كويسين؟”
خطوت خطوة لقدام، والهدوء اللي كان جوايا كان يرعب. هدوء الزلزال قبل ما يهد البيت.
“العكس يا هشام.. العيال كويسين جداً. إحنا جينا نعمل اللي بقالنا إحدى عشرة سنة بنتحرم منه.. نعيش ‘طقوس العيلة’.”
هشام قرب مني بسرعة، مسك دراعي بضغط عصبي وهو بيحاول يوجهني بعيد عن الناس: “أنتِ اتجننتِ؟ جاية ليه وتعدي العيال في السفر ده كله من غير ما تقوليلي؟ تعالي على جنب نتكلم.”
قبل ما أرد أو أشد إيدي، صوت حمايا “حسين” ضرب في المكان زي الرعد: “سيب إيدها يا هشام!”
حمايا قام وقوفه، ورغم سنه الكبيرة، خطواته كانت تقيلة وثابتة. بص لهشام بنظرة عمره ما بصها له قبل كده، وبعدين بص لسلمى ويوسف. عينيه دمعت وهو بيوطي مستوى سلمى: “تعالي يا سلمى.. تعالي يا حبيبتي في حضن جدو.”
سلمى بصلتلي بالأول، ولما هزيتلها رأسي، جريت عليه. يوسف بصل هشام بنظرة احتقار هادية ومشي ناحية كراسي العيلة وقعد.
هشام كان بيتلفت حواليه زي الفار المحبوس في مصيدة. أخته، ولاد عمومته، كلهم كانوا باصين له بذهول واستنكار.
حماتي “حنان” خرجت من الشاليه، مشيت ببطء وقفت جنبي، وبصت لابنها وقالت: “ليه يا هشام؟”
هشام حاول يلم الموقف، وشوشته بدأت تعلى بالتوتر: “في إيه يا جماعة؟ مالكم بتبصولي كده ليه؟ شيرين أنتِ قلتي إيه لأمي؟ أنتِ جاية تعملي مشكلة وخلاص؟ مش أنتِ اللي طول عمرك بتقولي مابتستريحيش في زحمة العيلة وبتحبي تقعدي في البيت؟”
صرخت فيه، ولأول مرة في حياتي صوتي يعلى بالشكل ده قدام أهله كلهم: “أنا كذبت؟ أنا كذبت يا هشام؟ أنت بقالك إحدى عشرة سنة بتبص في عين بنت أربع سنين وبتكذب عليها! بقالك إحدى عشرة سنة بتقولي أهلك مش عايزيننا، وبتروح تقولهم شيرين هي اللي رافضة!”
هشام بلع ريقه وصوته بدأ يتهز: “أنا.. أنا كنت بحميكم! أنتِ مش فاهمة حاجة يا شيرين!”
“بنحمينا من إيه؟” حماتي قاطعت بحزم ومرارة. “بتحميها مننا يا هشام؟ ولا بتحمي نفسك؟”
حمايا قرب من هشام وضغط على كتفه بجفاء: “انطق يا هشام.. الكذب ده كله كان ليه؟ إحنا كنا بنتحايل عليك كل سنة تجيب مراتك وعيالك، وكنت تطلع فيهم القطط الفاطسة! تقول شيرين شايفانا بساطة زيادة ومش مستواها، وتقول إن العيال بيكرهوا دوشة العيلة! ليه؟”
الجملة دي نزلت عليا زي قلم على وشي. “شايفاكم بساطة زيادة ومش مستوايا؟” بصيت لهشام وأنا مش مصدقة. الإنسان اللي جوزته وعشت معاه، كان بيبعني لأهله ويبيع أهله ليا عشان يسيبنا في الهامش.
هشام مسك شعره بإيديه الاثنين، وشه احمر بالكامل وبدأ يصرخ بالدفاع عن نفسه: “أيوه! أيوه عملت كده! عايزين تعرفوا ليه؟ عشان أنا هنا غير هناك! أنا هنا هشام الابن الكبير اللي لازم يصرف ويلبي ويكتم، وهناك في بيتي أنا السي السيد! أنا لو كنت جبتكم هنا، كانت شيرين هتشوفني وأنا بنفذ أوامر أبويا، وكانت هتكتشف إن الشقة اللي في القاهرة والشركة اللي باسمي مش بتوعي لوحدي!”
السكتة سادت المكان. الهواء نفسه اتقطع.
حمايا رجع خطوة لورا وكأنه اتضرب بقلم. “قصدك إيه؟”
هشام بص للأرض، وصوته نزل للحديد: “قعدتي معاكم هنا كانت بتفكرني بكل حاجة أنا هربان منها. أنا كنت عايز افصل حياتي.. حياتي معاكم طقوس وشغل وعيلة، وحياتي مع شيرين بيتي ومكاني اللي محدش يشاركني فيه. لو شيرين وعيالي اختلطوا بيكم، مكنتش هعرف أسيطر على القصتين!”
حماتي قربت منه وضربته بظهر إيدها على صدره: “علشان أنانيتك؟ عشان كبرياءك المريض حدمت طفولة ولادك؟ حرمت سلمى تنزل البحر معانا؟ حرمت يوسف يعرف يعني إيه عيلة؟ كنت بتطلع مراتك مفترية وقرّافة قدامنا، وبتطلعنا إحنا قساة ومرضى قدامها؟”
هشام بصلي وعينيه فيها ترجي مريض: “شيرين.. افهميني، أنا كنت بعمل كده عشانحافظ على شكلنا.. عشان مايحصلش مشاكل بينك وبينهم..”
قربت منه لحد ما بقيت بيني وبينه سنتيمترات. بصيت في عينيه ومكانش فيهم غير الخوف على شكله وبس.
“أنت مكنتش بتحافظ على حد يا هشام.. أنت كنت بتداري خيبتك وأنانيتك. أنت حرمت بنتك تنزل المية بجاروف بمبي عشان خايف حد من أهلك يقولك كلمة ما تعجبكش؟ أنت مش راجل.”
الكلمة هزته. بص حواليه، شاف استحقار في عين كل فرد في العيلة. أخته سارة بصت للناحية التانية، وحمايا لف ضهره ومشي ناحية البحر وهو ماسك إيد سلمى ويوسف.
أنا لفيت ضهري وكنت ماشية ناحية الشاليه عشان ألم شنطتي وناخد أول عربية نرجع بيها، بس حماتي مسكت إيدي.
“أنتِ مش ماشية يا شيرين،” طنط حنان قالتها بصوت قاطع. “اللي يمشي ويتفضل من هنا هو اللي كذب وخدعنا كلنا.”
هشام اتصدم: “أمي! أنتِ بطرديني أنا عشانها؟”
أمه بصت له ببرود تام: “أنت طردت نفسك من يوم ما خرجت أهلك وعيلتك من حساباتك ورسمت زيف. الشاليه ده بيتنا، وشيرين وولادها يلزمونا.. أنت اللي تدور لك على مكان تقعد فيه لحد ما تفوق لنفسك.”
هشام بصلنا كلنا بذهول، أخد مفاتيح عربيته وشنطته الصغيرة اللي كان لسه جايبها، ومشي وهو بيشتم تحت ضروسه، وصوت فتل الكاوتش على الرمل كان يعلن بداية نهاية كل حاجة بيني وبينه.
قعدت على الكرسي والرجلين مش شيلاني. سلمى وجروب البحر في إيدها جرت عليا: “ماما.. هو بابا مشي؟”
بصيت للبحر اللي كنت محرومة منه إحدى عشرة سنة، وبصيت لحماتي اللي كانت ماسكة إيدي بتعتذر بعينيها.
“بابا مشي يا سلمى.. بس إحنا خلاص وصلنا.”
بس الهدوء ده كان هدوء موقت.. لأن الموبايل اللي في إيدي رن بنغمة رسالة. فتحتها وكانت من رقم غريب، مكتوب فيها:
“متفتكريش إنك كسبتي يا شيرين.. أنتِ عرفتي نص الحقيقة بس، واسألي حنان عن السر اللي هشام كان بيكتمه عشانها هي بالذات.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




