
ارتجفت جدران الطرقة حولنا، وساد صمت أثقل من الموت. كلمات أمه في الهاتف كانت كالصاعقة التي شلت عقل سيد بالكامل. الموبايل سقط من إيده وانكسر على الأرض، وهو واقف زي الصنم، عينيه مفرغة من أي تفكير، وشفايفه بتبتعد وتقترب من غير ما ينطق بحرف.
-
حكايات منى السيد 2منذ يوم واحد
-
حكايات منى السيد1منذ يوم واحد
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ يومين
أنا ما كانش يهمني صباح ولا البنت ولا فضايحهم، كل اللي كان بيتردد في ودني كلام الدكتور: “حمو محتاج نقل نخاع بشكل عاجل وإلا حياته في خطر.”
مسكت الدكتور من بالطوه وأنا ببتوسل له والدموع نازلة زي المطر:
– “يا دكتور خُد مني أنا! خُد النخاع كله.. خُد جسمي كله وادِّيه لحمو! أنا أمه وسليمة وجاهزة فوراً!”
الدكتور طبطب على إيدي بهدوء وتحسر:
– “يا مدام هدى، التوافق الجيني بين الأم والابن في النخاع الشوكي بيبقى صعبة نسبته تتجاوز 50%، والأب كذلك. إحنا لازم نعمل تحليل توافق فوراً لكِ ولأبوه الشرعي، ولو فيه أخ شقيق بتبقى النسبة أعلى.. بس للأسف هو ابنك الوحيد.”
سيد فاق من صدمته فجأة، وجري على الدكتور، مسكه من كتفه وهو بيصرخ بصوت مخنوق بالندم والهلع:
– “اسحب مني يا دكتور! أنا أبوه! أنا مستعد أدي له أي حاجة، اسحب دمي ونخاعي وعمري كله! اعمل التحليل حالاً!”
الدكتور هز رأسه وأخدنا فوراً لغرفة التحاليل العاجلة. سيد كان بيترعش وهو بيقعد على الكرسي، والممرضة بتسحب منه العينة. كان بيبصلي بعيون كأنها بتطلب العفو، بس قلبي كان حجر. الخيانة والظلم اللي عشتهم ثلاث سنين ما يمحيهمش مجرد ندم في لحظة فارقة.
بعد ساعة من الانتظار القاتل أمام الغرفة، وأنا ساجدة على الأرض بدعي ربنا ينجي حمو، ظهرت أم سيد (حماتي القديمة) في آخر الطرقة. كانت بتجري وعبايتها بتبطش في رجلها، وشها مجعد من الخوف والفضيلة، ولما شافت سيد جريت عليه وهي بتصوت:
– “يا كبد أمك يا سيد! يا خيبتنا السودا يا ابني! بنت الخادعة صباح طلعت مش بنتك! الدكاترة اكتشفوا إن فصيلة دم البنت ملهاش أي علاقة بيك ولا بصباح حتى! صباح كانت شرت بنت مريضة من مستشفى مجاني عشان تستر بيها على عقمها وتدبسك فيها وفي مصاريفها، وكانت عايزة تأذي ابن هدى عشان تغطي على اللعبة كلها!”
سيد وقفلها، وبص لها بنظرة كره ما شفتهاش في حياتي. قرب منها وصوته طالع زي الهسيس:
– “إنتي السبب…”
أم سيد اتراجعت لورا بخوف:
– “أنا يا ابني؟! أنا كنت عايزة أفرح بيك وأشوف حتة منك!”
– “إنتي اللي دمرتي حياتي!” صرخ سيد بصوت هز المستشفى كلها، والناس بدأت تتجمع. “إنتي اللي اتفقتي مع الدكتور وزورتوا التحاليل عشان تطلعي هدى عاقر! إنتي اللي خليني أرمي مراتي العفيفة وابني اللي في بطنها في الشارع! إنتي اللي جيبتيلي العقربة صباح وجوزتيهاني! ودلوقتي ابني بيموت بسببكم إنتوا الاتنين!”
أم سيد بدأت تلطم على وشها وهي بتشوف ابنها بيدمر قدامها، وسيد زقها بكل قوته وقالها:
– “امشي من هنا! ما شوفش وشك تاني في حياتي! لو ابني جراله حاجة، هسجنك وهسجن صباح وهسجن الدكتور اللي زور التحاليل زمان!”
في اللحظة دي، خرج الدكتور وفي إيده تقارير المعمل، وملامحه كانت مليانة استغراب وحيرة شديدة.
جريت عليه أنا وسيد في نفس اللحظة:
– “خير يا دكتور؟! النتيجة إيه؟!”
الدكتور بص للتقرير، وبعدين بص لسيد، وبعدين بصلي أنا، وقال ببطء:
– “تحليل التوافق بتاع المدام هدى طلع غير متوافق بدرجة كافية.. وده طبيعي.”
سيد اتنفس بسرعة وقال بلهفة:
– “وعينتي أنا يا دكتور؟! أنا أبوه! التوافق طلع كام؟!”
الدكتور سكت ثواني، ونزل نظارته، وقال كلمة هزت أركان المستشفى وقبلت الطاولة على الكل:
– “تحليلك أنت يا أستاذ سيد… أثبت إنك أصلاً عندك عقم كلي وغير قادر على الإنجاب جينياً، وإنك مش الأب البيولوجي للطفل حمو!”
الكلمات نزلت زي الصاعقة.
أم سيد حطت إيدها على بقها وصرخت.
سيد عينيه برزت لورا، وبصلي بذهول ورعب لا يطاق:
– “إيه؟! إنتي… إنتي خنتيني يا هدى؟! حمو مش ابني؟!”
أنا اتسمرت في مكاني. عقلي اتوقف تماماً عن التفكير. أنا عمري ما لمست راجل غير سيد! إزاي الدكتور يقول كده؟! إزاي التحليل يثبت إني مخلفة من حد تاني وأنا عشت ثلاث سنين لوحدي بربي ابني بعرق جبيني وما عرفتش غيره؟!
ضحكت بانهيار كامل ودموعي نازلة، وصدمتي كانت أكبر من صدمة سيد نفسه.
وفجأة، وبدون أي مقدمات، الباب الخلفي للطرقة اتفتح، ودخل منه راجل بلبس أنيق جداً، ومعه محامي وشرطة…
الراجل بص للمستشفى كلها، ولما شافني، قرب بثبات وقال بصوت قاطع أمام الجميع:






