روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

بعد ثلاث سنين من طلاقي، لقيته بيتصل بيا فجأة عشان يعزمني على “سبوع” بنته من مراته الجديدة… رديت عليه وقولتله: “أنا بره البيت، ابني بيعمل عملية اللوز… مش فاضية لكلامك ده.” عمري ما تخيلت إن صوته يرن في تليفوني تاني. الصبحية، وأنا قاعدة قدام باب العمليات وبدعي ربنا يرجعلّي ابني بالسلامة، الموبايل رن. الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني اتسمرت في مكاني من الصدمة:

سيد… طليقي.
كنت هكنسل.
بس رديت عشان يخلص ويقفل.
– “عايز إيه يا سيد؟”
صوته كان مليان تنطيط وفرحة شامتة:
– “النهارده سبوع بنتي “جنة”… قولت أعزمك عشان تشوفي ربنا عوضني إزاي بعد ما كنت فاكر إن العيب منك وإني مش هخلف!”
ضحكت بمرارة والدمعة نزلت من عيني:
– “سيد، أنا ابني “حمو” بين إيدين ربنا بيعمل عملية… مش فاضية لسبوعك ولا ليك.”
سكت لحظة، وبعدها قال باستخفاف:
– “ابنك؟ إنتي لحقتي اتجوزتي وخلفتي؟ ماشية معاكي تمام… مبروك يا سيدي.”
وقفل السكة.
قعدت على الكرسي وجسمي بيكلّبش من الرعب والوجع، وافتكرت اليوم اللي رماني فيه في الشارع بشنطة هدومي من ثلاث سنين فاتوا.
إحنا ما اتطلقناش عشان مفيش تفاهم…
اتطلقنا لأن أهله قعدوا يزنوا في ودنه إن أنا “أرض بايرة” ومش هجيبله العيل، وهو صدقهم ورماني ورفض حتى يستنى لما التحاليل تطلع.
بعدها بشهرين… اكتشفت إني حامل في “حمو”.
بعد ساعة بالظبط، والممرضة بتنادي على اسمي عشان أستلم لبس ابني…
لقيت سيد واقف قدامي.
كان لابس أنضف ما عنده وجاي على ملاكي، بس وشه كان متخطف وزي الحيران.
– “فين الولد ده؟” قالها وهو عينيه بتلف حواليه في المكان.
– “سيد! إنت إيه اللي جابك هنا؟! وازاي عرفت مكاني؟!”
ما ردش عليا، وجري ناحية الزجاج اللي كان وراه “حمو” قبل ما يدخل العمليات.
وقف قدام الزجاج، وإيده لمسته ببطء:
– “الولد ده… الولد ده نسخة من صورة أبويا وهو صغير…” همس وصوته مخنوق بالدموع.
الناس اللي واقفة بدأت تتفرج علينا.
– “امشي من هنا يا سيد! مالكش صالح بينا!” صرخت فيه.
لف ناحيتي، وعينيه كلها شك ورعب:
– “إنتي مش قولتيلي إن الدكتور قال مستحيل تخلّفي؟… ليه ضحكتي عليا؟!”
ضحكت بهستيريا ودموعي نازلة:
– “أنا ما ضحكتش عليك… مراتك وأمك هما اللي لعبوا في التحاليل وعملوا اللعبة دي عشان يخلصوا مني ويجوزوك بنت خالتك!”
سيد مسك راسه بإيديه الاتنين وهو مش مصدق.
– “يعني حمو ده ابني؟… ابني اللي كنتي هتدخليه عمليات من غير ما أعرف؟!”
– “إنت اللي بعدت عنه من اليوم اللي بعتني فيه.”
وفجأة…
صوت كعب عالي يرن في الطرقة.
مراته الجديدة دخلت، كانت لابسة فستان السبوع وفوقه عباية، ووشها أصفر زي الليمونة.
شاورت على حمو وهو خارج على الترولي رايح العمليات، وصرخت بذهول واهتزاز:
– “سيد! إنت بتعمل إيه هنا؟! الولد ده لازم يتأجل تروليه فوراً… الولد ده هو الحل!”
سيد اتصدم وبصلها بذهول:
– “إنتي بتقولي إيه يا صباح؟! ده ابني!”
ردت وهي بتلطم وتصرخ:
– “لا يا سيد… الولد ده لو عاش، بنتي أنا هي اللي هتروح فيها… عشان بنتك محتاجة نخاع منه وهو الوحيد اللي ينفع ينقذها!”
الدنيا لفت بيا.
سيد وقع على حيل ركبه.
وأنا…
وقفت قدام ترولي ابني، وحسيت إن السر اللي قالته صباح دلوقتي، وراه مصيبة أكبر بكثير عن بنتها اللي لسه مولودة وعلاقتها بابني!

وقف الزمان لثوانٍ معدودة، وصوت صفير أجهزة القلب داخل غرفة العمليات كان الصوت الوحيد الذي يخترق الصمت الرهيب الذي خيّم على الطرقة. كلمات “صباح” لم تكن مجرد صدمة، بل كانت مفاجأة ثقيلة نزلت على رقابنا جميعاً.
بصيت لصباح وهي واقفة بعبايتها وفستان السبوع، وشها كان أصفر زي الموتى، وعينيها بتلمع بتوتر شديد. اتراجعت خطوات لورا وأنا بأمن بكسرة جناحي على الترولي اللي عليه “حمو”, جسمه الصغير الملفوف بالملاية البيضا كان أضعف من إنه يشيل كل الصراع ده.
سيد كان لسه واقع على ركبه، بيحاول يستوعب الكلمة. رفع راسه لمراته وصوته طالع زي الهمس المجلجل:
– “نخاع إيه؟ وبنتي محتاجة نخاع إيه وهي لسه مولودة النهاردة؟! إنتي بتقولي إيه يا صباح؟ فهميني!”
صباح توترت وبدات تتلخبط في الكلام وتصرخ بقلة حيلة:
– “بنتك اتولدت بعيب خلقي خطير في الدم يا سيد! الدكتور في المستشفى التاني قالنا إنها محتاجة نقل نخاع من أخ أو أخت متوافق جينياً في أسرع وقت وإلا مش هتكمل شهرين! أمك هي اللي عرفت إن هدى خلفت منك ولد، وأمك هي اللي جابت سيرة الولد للطببب وقالتلي إنه المنقذ الوحيد!”
دمي اتجمد في عروقي. بصيت لسيد اللي بدا وكأنه بيتصدم للمرة المليون في نفس الساعة.
– “أمك؟” سيد قالها وهو بيقوم يقف بصعوبة، رجليه مش شايلاه. “أمي كانت عارفة إن هدى خلفت مني؟ إنتوا كنتم عارفين كل ده ومخبين عليا؟!”
قربت من صباح وأنا حاسة إن نهار صعب هيطلع على الكل، صرخت في وشها وأنا ببعدها بعيد عن الترولي:
– “إنتي وأمه كنتم عارفين إن معايا ولد؟ ورضيتوا ترموني وأنا حامل عشان تكملوا لعبتكم؟ ودلوقتي جايين عايزين تأذوا ابني عشان تنقذوا بنتك؟!”
صباح ضحكت بانهيار، وجات تبص لحمو اللي كان خلاص الممرضين بيزقوا الترولي بيه للداخل:
– “أنا مش جاية أستأذنك يا هدى! الولد ده هيتبرع بالنخاع لبنتي، غصباً عن الكل! إنتي فاكرة نفسك مين؟ إنتي كنتِ زوجة رماها سيد في الشارع، والولد ده من حق سيد، ومن حقه ياخد منه اللي ينقذه وينقذ بنته!”
في اللحظة دي، الممرضة خرجت تزعق:
– “يا جماعة عيب كده! إحنا في مستشفى والولد داخل غرفة العمليات حالاً، العملية مش تحتمل تأخير!”
سيد هجم على صباح، مسكها من دراعاتها وبدأ يهزها بقوة وعينيه مليانة غضب وعتاب:
– “تتكلمي بصراحة يا صباح! التحاليل بتاعة زمان… أمي وأنتي اللي زورتوها؟ إنتوا اللي خلتوا الدكتور يكتب إني سليم وهدى هي اللي عاقر؟ تتكلمي بدال ما أتصرف تصرف تاني!”
صباح حاولت تتملص منه، بتبصله بندم وتحدي:
– “أيوه يا سيد! أنتوا كنتم قارفيننا، وأمك كانت عايزاك تجوزني أنا عشان صلة القرابة وعشاني بنت خالتك! الدكتور أخد العينات وغير التقرير، وقالكم إن هدى هي اللي غير صالحة للإنجاب! وأول ما اتطلقت، أمك عرفت إنها حامل بعد شهرين، بس هددت الدكتور إنه يسكت وقالتلي: سيبوها ترمي ضناها في الشارع، وأنا هجوزك سيد.. ولما بنتي اتولدت المريضة، أمك هي اللي قالتلي إن حمو هو الحل الوحيد!”
الكلمات كانت بتنزل على ودن سيد زي الصدمات. ساب دراعها واتراجع لورا وشه شاحب، باصص للإنسانة اللي اتجوزها ولأمه اللي وثق فيها ورما حبيبته عشانها.
أنا ما كنتش قادرة أسمع أكتر من كده. ابني كان بيعدي من باب العمليات، والباب المقفول المقوى بالحديد اتسد بيني وبينه. اتعكست صورتي على الزجاج، صورة ست مكسورة، بس جواها إصرار وقوة تدافع عن ابنها لآخر لحظة.
لفيت لسيد ولصباح، ومشيت ناحیتهم بثبات.
– “اسمعوا إنتوا الاتنين…” صوتي كان واطي، بس حاد. “حمو مش هيلمهسه حد عشان خاطر بنتك. حمو مش لعبة في إيدكم، ولا كارت محروق تعالجوا بيه أخطائكم. لو حد فيكم قرب من باب العمليات ده، هيكون ليا تصرف تاني خالص.”

مقالات ذات صلة
السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى