
صباح زقتني بكل قوتها:
– “إنتي فاكرة إنك هتقفي في وش القانون والشرع؟ ده ابن سيد! وسيد من حقه ياخد ابن…”
قبل ما تكمل كلمتها، كف نزل على وشها بكل قوة… بس ما كانش مني.
كان من سيد.
صوت الكف رن في الطرقة كلها. صباح وقعت على الأرض وهي ماسكة خدها ومش مصدقة.
سيد كان بيترعش من الغضب، وعينيه مليانة دموع وندم:
– “اخرسي! اخرسي! إنتي وأمي دمرتوا حياتي! أنا بعت أطهر ست في الدنيا عشان خاطركم؟ أنا رميت ابن صلبي عشان كلامكم؟!”
صباح قامت من على الأرض، ووشها اتحول لكتلة من الغل:
– “طب يا سيد، لو الولد ده ما اتبرعش لبنتك، لأكون مفضحة أمك ومطلعاك إنت وهي للنيابة بتهمة التزوير والتآمر! أهلي مش هيسيبوك، وبنتك هتضيع، وإنت هتخسر كل حاجة!”
سيد بصلها بجمود، وقال كلمة واحدة:
– “غوري من وشي.. غوري ببنك وبأهلك، وما شوفش وشك تاني.”
جريت صباح وهي بتصرخ وبتتوعد، وصوت كعبها يختفي في آخر الطرقة.
الهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء ملغوم.
سيد اتلف ناحيتي، وركع قدامي على الأرض، مسك طرف عبايتي وصوته مكسور ومحششر بالبكاء:
– “هدى… سامحيني.. أرجوكي سامحيني.. أنا كنت أعمى.. أمي غشيتني، وصباح ضحكت عليا.. أنا ابنك وزوجك القديم.. أنا سيد يا هدى!”
نفضت عبايتي من إيده بقرف وجفاء:
– “قوم يا سيد.. قوم ومتمثلش دور الضحية. إنت مش ضحية.. إنت كنت السلاح اللي ضربوا بيه في ظهري. إنت اللي ما صدقش حبنا، وإنت اللي رميتني بشنطة هدومي في أنصاص الليالي. مش أمك ولا صباح اللي رماوني.. إنت اللي رميت!”
سيد بكي بحرقة، وغطى وشه بإيديه:
– “أنا غلطت.. أنا أخطأت في حق نفسي وحقكم.. بس الولد ده ابني! دمائي تجري في عروقه! خليني أشوفه، خليني أتحمل مصاريف العمليات، خليني أكون له أب!”
– “مالكش أب عند حمو!” صرخت فيه والدموع بتخنقني. “حمو كبر وهو فاكر إن أبوه بعيد، وأنا مش هغير الحقيقة دي. أبوه فعلاً انتهى من حياتنا من ثلاث سنين لما سابني وأنا في الشارع!”
في اللحظة دي، خرج الدكتور من غرفة العمليات، وشه كان مشحوب ومبتسمش.
جريت عليه بسرعة، وسيد قام ورايا بيلعثم:
– “دكتور! دكتور مطمنا! حمو عامل إيه؟!”
الدكتور بص لنا إحنا الاتنين باستغراب، وبعدين وجه كلامه ليا أنا بس:
– “مدام هدى.. عملية اللوز كانت بسيطة والحمد لله تمت بنجاح، بس إحنا واجهنا مشكلة غير متوقعة أثناء التخدير.”
قلبي وقف:
– “مشكلة إيه يا دكتور؟! ابني فيه إيه؟!”
الدكتور نزل نظارته وقال بهدوء حذر:
– “الولد عنده سيولة شديدة في الدم ومشاكل في الصفائح الدموية، النزيف ما كانش بيقف بسهولة. إحنا سيطرنا عليه حالياً، بس التحاليل العاجلة اللي عملناها جوه بتقول إن حمو عنده مرض جيني نادر في النخاع الشوكاني… مرض بيحتاج نقل نخاع بشكل عاجل جداً، وإلا حياته هتكون في خطر خلال أشهر!”
الدنيا لفت بيا وسودت في وشي. مسكت في الحيطة عشان ما أقعش.
سيد صرخ بذهول:
– “إيه؟! نخاع برضه؟! إزاي؟!”
الدكتور بص لسيد وقال:
– “أيوة، المرض ده جيني وممكن يكون موروث من الأب والأم. حمو محتاج عينة متوافقة فوراً من أبوه أو أمه أو أخ من نفس الأب والأم!”
سيد بصلي والعرق ينزل من جبهته، والذهول مالي وشه.
وفجأة، موبايل سيد رن بصوت عالي.
سيد فتح الخط بذهول وسماعة التليفون كانت على أعلى صوت، وصوت أمه (حماتي القديمة) جيه صريح وواضح في الطرقة وهي بتصرخ بانهيار:
– “الحق يا سيد! صباح أخدت البنت المستشفى الكبيرة، والدكاترة هناك اكتشفوا إن البنت مش بنتك أساساً! صباح كانت بتاخد عينات من الولد حمو عشان تغطي على الفضيحة!”
الخط قطع.
سيد اتسمر في مكانه، العرق بقى بينزل منه كأنه مطر، وأنا واقفة مش فاهمة أي حاجة غير إن حمو ابني بيموت، والسر اللي ورا صباح وأم سيد أعمق وأخطر بكتير من مجرد نقل نخاع لبنت مولودة!
ارتجفت جدران الطرقة حولنا، وساد صمت أثقل من الموت. كلمات أمه في الهاتف كانت كالصاعقة التي شلت عقل سيد بالكامل. الموبايل سقط من إيده وانكسر على الأرض، وهو واقف زي الصنم، عينيه مفرغة من أي تفكير، وشفايفه بتبتعد وتقترب من غير ما ينطق بحرف.
أنا ما كانش يهمني صباح ولا البنت ولا فضايحهم، كل اللي كان بيتردد في ودني كلام الدكتور: “حمو محتاج نقل نخاع بشكل عاجل وإلا حياته في خطر.”
مسكت الدكتور من بالطوه وأنا بتوسل ليه والدموع نازلة زي المطر:
– “يا دكتور خُد مني أنا! خُد النخاع كله.. خُد جسمي كله وادِّيه لحمو! أنا أمه وسليمة وجاهزة فوراً!”
الدكتور طبطب على إيدي بهدوء وتحسر:
– “يا مدام هدى، التوافق الجيني بين الأم والابن في النخاع الشوكي بتبقى نسبته محدودة نسبياً، والأب كذلك. إحنا لازم نعمل تحليل توافق فوراً لكِ ولأبوه الشرعي، ولو فيه أخ شقيق بتبقى النسبة أعلى.. بس للأسف هو ابنك الوحيد.”
سيد فاق من صدمته فجأة، وجري على الدكتور، مسكه من كتفه وهو بيصرخ بصوت مخنوق بالندم والهلع:
– “اسحب مني يا دكتور! أنا أبوه! أنا مستعد أدي له أي حاجة، اسحب دمي ونخاعي وعمري كله! اعمل التحليل حالاً!”
الدكتور هز رأسه وأخدنا فوراً لغرفة التحاليل العاجلة. سيد كان بيترعش وهو بيقعد على الكرسي، والممرضة بتسحب منه العينة. كان بيبصلي بعيون كأنها بتطلب العفو، بس قلبي كان حجر. الخيانة والظلم اللي عشتهم ثلاث سنين ما يمحيهمش مجرد ندم في لحظة فارقة.
بعد ساعة من الانتظار القاتل أمام الغرفة، وأنا ساجدة على الأرض بدعي ربنا ينجي حمو، ظهرت أم سيد (حماتي القديمة) في آخر الطرقة. كانت بتجري وشها مجعد من الخوف، ولما شافت سيد جريت عليه وهي بتصوت:
– “يا كبد أمك يا سيد! يا خيبتنا السودا يا ابني! بنت الخادعة صباح طلعت مش بنتك! الدكاترة اكتشفوا إن فصيلة دم البنت ملهاش أي علاقة بيك ولا بصباح حتى! صباح كانت شرت بنت مريضة من مستشفى مجاني عشان تستر بيها على عقمها وتدبسك فيها وفي مصاريفها، وكانت عايزة تأذي ابن هدى عشان تغطي على اللعبة كلها!”
سيد وقف لها، وبص لها بنظرة لوم شديدة. قرب منها وصوته طالع زي الهسيس:
– “إنتي السبب…”
أم سيد اتراجعت لورا بخوف:
– “أنا يا ابني؟! أنا كنت عايزة أفرح بيك وأشوف حتة منك!”
– “إنتي اللي دمرتي حياتي!” صرخ سيد بصوت هز المستشفى كلها، والناس بدأت تتجمع. “إنتي اللي اتفقتي مع الدكتور وزورتوا التحاليل عشان تطلعي هدى عاقر! إنتي اللي خلتيني أرمي مراتي وابني في الشارع! إنتي اللي جيبتيلنا المشاكل دي كلها! ودلوقتي ابني بيموت بسببكم إنتوا الاتنين!”
أم سيد بدأت تبكي وهي بتشوف ابنها بيدمر قدامها، وسيد أبعدها عنه وقالها:
– “امشي من هنا! ما شوفش وشك تاني في حياتي! لو ابني جراله حاجة، هأخذ الاجراءات القانونية ضدكم كلكم!”
-
حكايات اسما السيد 2منذ 45 دقيقة
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين






