روايات وقصص

حكايات بسمه 2

خرجتُ خلف محمد ونحن نكاد نختنق من رائحة الدخان الكثيفة التي ملأت المنور ومدخل العمارة. كانت المفاجأة أن ابن أخيها المحامي يقف برفقة ثلاثة رجال أشداء، يحملون أداة حديدية ضخمة ويحاولون كسر قفل المخزن التابع لشقتنا في الدور الأرضي، بينما حماتي تقف على درج شقتها، ترتدي عباءتها وتصيح في العمارة بصوت هز أركان المكان: “اكسر يا ابني! ده حقي وحق عيالي! البيت ده بيتي واللي فيه بتاعي، ومش هسيب الغريبة تأكل خيرنا وتتحكم فينا!”

 

تجمع الجيران في المداخل والبلكونات، يعلوهم الذهول والاستنكار. جرى محمد نحوهم وهو يصرخ بجنون: “أنت بتعمل إيه يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟ بتكسر ملكي في نص الليل؟”

تقدم ابن أخيها بصلافة وقال وهو يلوح بوقرة مطبوعة: “ده مش ملكك لوحدك، دي أصول عائلية ومسجلة باسم والدتك، وإحنا بنسترد حيازة المكان بالقانون والشرع، وأعلى ما في خيلك إنت ومرتك اركبوه!”

في تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرد عزومة زادت عن حدها، ولا مجرد كشوفات حساب ورسائل نصية. كانت محاولة صريحة لفرض الفوضى، وترهيبنا ليلاً، وإجبارنا على التنازل تحت ضغط الفضيحة والخوف.

لكنني كنت قد أدركتُ منذ الجلسة الأولى بالمحكمة أن التعامل مع هذا المستوى من الغل يتطلب ثباتاً من حديد. سحبت محمد إلى الخلف قبل أن يشتبك معهم بالأيدي، وأخرجت هاتفِي بثبات تام، وقمت بتشغيل الكاميرا وأنا أصور وجوههم جميعاً، وخاصة الأداة الحديدية وباب المخزن المكسور جزئياً، وصوت حماتي وهي تحرضهم على الكسر.

قلت بصوت عالٍ وواضح ليشهد الجيران والتصوير: “سجل يا محمد.. المحامي الأستاذ فلان الفلاني، ومعه ثلاثة بلطجية، يحاولون اقتحام ملك خاص في تمام الساعة الثانية صباحاً، بتحريض مباشر من الحاجة. والتصوير ده هيروح حالاً للبلاغ بالبلطجة والتعدي على ملكيتنا الحاصلة بعقد مسجل ومثبت في المحكمة!”

ارتبك الرجال الأشداء بمجرد رؤية الكاميرا ونطق كلمة “بلطجة”، فنظروا إلى ابن أخيها وقال أحدهم: “أنت ما قلتش إن الموضوع فيه تصوير وشرطة وتلبس! إحنا ماناش دعوة بطلاقاتكم وعائلتكم!”

صرخت حماتي بهم: “ما تخافوش منها! دي بتخوفكم! كمل كسر يا ولد!”

لكن المحامي الشاب، الذي كان يعرف تبعات محضر التلبس والبلطجة على مستقبله المهني ورخصته، شحب وجهه وقال لها بصوت خفيض: “خلاص يا عمتي، بلاش هنا قدام التصوير، كدة هيعملوا لنا محضر بلطجة وتعدي في المحكمة وهنخسر كل حاجة.”

وسحب رجاله وانسحب مسرعاً في ظلام الليل، بينما بقيت حماتي تقف على الدرج تتنفس بسرعة، تنظر إليّ بنظرات كراهية لم أرَ لها مثيلاً من قبل.

لم ننتظر حتى الصباح. أصررت على طلب نجدة الشرطة فوراً، وتحرير محضر بالواقعة، وإرفاق مقطع الفيديو الموثق بالأشخاص والأدوات ورقم سيارتهم، مع إثبات شهادة الجيران الذين هالهم ما حدث في منتصف الليل.

في اليوم التالي، كانت القضية قد أخذت مساراً جنائياً جديداً. لم تعد مجرد دعوى مدنية ببطء إجراءاتها، بل محضر تعدٍّ وصحيفة اتهام بالبلطجة تحيط بأسرة حماتي وابن أخيها.

مر أسبوعان، وكانت الضغوط النفسية تدق أبوابنا بكل قوة. محمد كان يمر بأصعب أيام حياته، يرى أمه تساق إلى التحقيقات، ويرى بيته مهدداً، وميزانيته مجمدة جزئياً، وأقاربه ينقسمون بين مدافع ومهاجم. كان يجلس في المساء ينظر إلى السقف ويقول لي بصوت مبحوح: “أنا حاسس إني في كابوس مش راضي يخلص يا هدى.. أوقات بقول يا ريتني سكت وعزمت الناس ودلعت أمتي ولا إننا نوصل للخراب ده.”

أمسكت بيده وقلت له بصرامة حنونة: “لو كنت سكت يا محمد، كان الاستنزاف هيفضل لحد ما تبيع الشقة دي وتلاقوا نفسكم في الشارع. اللي بيصير دلوقتي مش بسببنا، ده بسبب إنها رفضت تتراجع لما انكسرت خدعتها. أنت ما ظلمتش، أنت بس دافعت عن بيتك وبنتك.”

وفي منتصف الأسبوع الثالث، بينما كنا ننتظر قرار النيابة بشأن محضر التعدي، وردنا اتصال هاتفِي غير متوقع من خالي محمد الأكبر، الرجل الخمسيني الذي يحترمه الجميع في العائلة ولا يجرؤ أحد على كسر كلمته.

قال الخال لمحمد بصوت جاد وحاسم: “تعالى أنت ومرتك عندي في البيت الليلة.. في كلام لازم يتقال، والحكاية دي لازم تتنسف من جذورها القعدة دي فيها الكل.”

حين وصلنا إلى بيت الخال، وجدنا المجلس مكتظاً. حماتي كانت تجلس في الزاوية، وإلى جوارها كبار العائلة، وأخت محمد، وحتى المحامي الشاب الذي ظهر عليه التعب والارتباك.

جلسنا في المقابل. خيم الصمت على الغرفة لعدة دقائق، حتى قطعه الخال بنبرة حادة ووجه كلامه لحماتي:

“يا أم محمد.. العائلة دي طول عمرها مستورة. نعدي العزومة، ونعدي اللقمة، ونعدي الزعل. لكن توصل بيكِ الجرأة تنزلي بلطجية في نص الليل تكسروا بيت ابنك؟ وتجرجري اسم العيلة في المحاكم وأقسام الشرطة عشان كبرياء وعناد؟”

حاولت حماتي البكاء وافتعال المسكنة: “أنا مظلومة يا خويا! البنت دي هي اللي عملت السحر بيني وبين ابني! هي اللي خلت بيتي مقفول وما بتعملش عزومات وما بتحترمنيش!”

ضرب الخال بكفه على الطاولة بقوة هزت الفناجين: “بس! كفاية كذب وتغطية! الولد ومرته قدموا لنا كل الأوراق.. التحويلات، الرسالة اللي كتبتِ فيها بلسانك إنك بتختبريها، وفيديو نص الليل! أنتِ نسيتِ ربنا وركبتِ رأسك!”

ثم التفت الخال إلينا وقال: “يا محمد.. ويا هدى.. أنا جبتكم هنا عشان ننهي المهازل دي. أمك غلطت غلطة عمرها، والورق اللي معاك يوديها ويودي ابن أخيها في داهية. بس دي أمك في الآخر.. إيه شروطكم عشان المحاضر دي تتسحب والقضايا تنتهي؟”

نظر محمد إليّ، وكأنه يكلني بمهمة صياغة الشروط التي تضمن سلامة بيتنا للأبد.

وقفتُ بثبات، ونظرتُ إلى حماتي مباشرة، ثم أخرجتُ ورقة وقلم ورصفتُ الشروط أمام جميع كبار العائلة بكل هدوء.

ساد الصمت الغرفة، وتحولت أنظار كبار العائلة بالكامل نحو الورقة التي أخرجتُها. لم تكن نظراتي تحمل تشفياً، بل كانت تحمل جدية امرأة أدركت أن التساهل في حق بيتها وكرامتها يُفهم خاطئاً كأنه ضعف.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى